التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1725 [2 - باب : ] إذا اصاد الحلال فأهدى إلى المحرم الصيد أكله.

ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسا، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل، يقال: "عدل" مثل، فإذا كسرت عدل فهو زنة ذلك قياما [المائدة: 97] قواما. يعدلون [الأنعام: 1] يجعلون عدلا.

1821 - حدثنا معاذ بن فضالة ، حدثنا هشام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية، فأحرم أصحابه، ولم يحرم، وحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عدوا يغزوه، فانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت [ ص: 324 ] فإذا أنا بحمار وحش، فحملت عليه، فطعنته فأثبته، واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه، وخشينا أن نقتطع، فطلبت النبي - صلى الله عليه وسلم - أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا، فلقيت رجلا من بني غفار في جوف الليل، قلت: أين تركت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: تركته بتعهن، وهو قائل السقيا. فقلت: يا رسول الله، إن أهلك يقرءون عليك السلام ورحمة الله، إنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك، فانتظرهم. قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش، وعندي منه فاضلة. فقال للقوم: " كلوا" وهم محرمون. [1822، 1823، 1824، 2570، 2854، 2914، 4149، 5406، 5407. 5490، 5491، 5492 - مسلم: 1196 - فتح: 4 \ 22]
ثم ذكر فيه حديث أبي قتادة: أنه صاد حمار وحش وكان غير محرم، قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش، وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: "كلوا" وهم محرمون.

الشرح:

هذه الآية نزلت في كعب بن عمرو وأنه كان محرما في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحش، ووقع في "تفسير مقاتل" أنها نزلت في أبي اليسر عمرو بن مالك، والأول ما ذكره المؤرخون ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي وغيرهم، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، والآية نزلت في العمد، والخطأ ملحق به للتغليظ.

قال الزهري : نزل الكتاب بالعمد، والسنة جاءت بالخطأ وأنتم حرم بحج أو عمرة، أو المحرم الداخل في الحرم كأتهم وأنجد، ويقال: أحرم إذا دخل في الأشهر الحرم متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه [ ص: 325 ] أو ذاكرا، وقد سلف.

قال مجاهد والحسن: هو العامد للصيد مع نسيان الإحرام حال قتله، فإن قتله عامدا ذاكرا فأمره إلى الله، ولا حكم عليه; لأنه أعظم من أن يكون له كفارة مثل ما قتل في صورته وشبهه أو قيمة الصيد يصرف في مثله من النعم وهي الإبل والبقر والغنم، فإن انفردت الإبل وحدها قيل لها نعم بخلاف غيرها.

قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، وخولف.

يحكم به أي: بالمثل.

هديا بالغ الكعبة الحرم كله; لأن الكعبة فيه، ويجوز فيه من الصغار ما لا يجوز في الأضحية خلافا لأبي حنيفة.

أو كفارة يشترى بقيمة المثل طعام، أو بقيمة الصيد أو عدل الطعام صياما عن كل مد يوما أو ثلاثة أيام، أو عن كل صاع يومين، وهي مخيرة أو مرتبة في المثل، ثم الطعام، ثم الصيام، قاله ابن عباس ، وقد أسلفنا كلام البخاري في العدل، وقرئ بالكسر، [ ص: 326 ] وأنكرت; لأنه الحمل، وقيل: هما لغتان بمعنى.

وبال أمره بالتزام الكفارة، ووجوب التوبة.

عما سلف أي: قبل التحريم.

ومن عاد بعد التحريم.

فينتقم الله منه بالجزاء أو عقاب الآخرة.

ومن قتله بعد التحريم مرة بعد أخرى انتقم الله منه بالعقوبة دون الجزاء عند ابن عباس ، أو بهما عند الجمهور، وقال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول أمره فإذا عاد لم يحكم، ويقال: اذهب ينتقم الله منك. أي: ذنبك أعظم كاليمين الغموس، قال الزهري : ويملأ بطنه وظهره ضربا وجيعا، وبذلك حكم الشارع في صيد وج، واد بالطائف.

[ ص: 327 ] صيد البحر أي: مصيده.

وطعامه أي: طافيه وما لفظه أو مملوحه.

متاعا لكم أي: مدخر، وسيأتي في كتاب الصيد إيضاحه إن شاء الله وقدره.

وللسيارة المسافرون، أراد أن المسافر والمقيم فيه سواء، وكان بنو مدلج ينزلون سيف البحر فسألوه عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت.

وأما أثر أنس فأخرجه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن [ ص: 328 ] الصباح بن عبد الله البجلي قال: سألت أنس بن مالك عن المحرم هل يذبح؟ قال: نعم، وعن إبراهيم: يذبح المحرم كل شيء إلا الصيد، وكذا قاله الحكم وحماد وعطاء.

وأما أثر ابن عباس فذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" وكأن البخاري ذكر هذا التعليق ليستدل به على ما روي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: ذبيحة المحرم ميتة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

وقال ابن التين: على قول ابن عباس عامة العلماء.

وقال ابن بطال: ما ذكراه قول الجماعة العلماء لا خلاف بينهم أن الداجن كله من الإبل والبقر والغنم والدجاج وشبهه يجوز للمحرم ذبحها; لأن الداجن كله غير داخل في الصيد.

وأما حمام مكة فليس من الداجن وهو داخل في الصيد المحرم على المحرم.

وقال الحربي في "مناسكه": يذبح المحرم الدجاج الأهلي، ولا يذبح الدجاج السندي، ويذبح الحمام الشامي، ولا يذبح الطيارة، ويذبح الأوز، ولا يذبح البط البري، ويذبح الغنم والبقر الأهلية، ويصيد السمك وكل ما كان في البحر، ويجتنب صيد الضفادع. وهذه تفاصيل غريبة.

[ ص: 329 ] وقوله: (والخيل) قالت به فرقة، كما قاله ابن التين، وأجازها أبو يوسف ومحمد، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل الحديث لحديث جابر وأسماء: أنهم أكلوه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرهها مالك وأبو حنيفة، وسيأتي في الذبائح إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت ذلك، فاتفق أئمة الفتوى بالحجاز والعراق أن المحرم إذا قتل الصيد عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، منهم: الليث والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق، وخالف أهل الظاهر فقالوا: لا يجب الجزاء إلا على المتعمد للآية; لأن دليل الخطاب يقتضي أن الخاطئ بخلافه وإلا لم يكن لتخصيص المتعمد معنى، وقالوا: قد روي عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن ذلك كان مذهبه.

روى سفيان عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه سأل رامي الظبي وقاتله: أعمدا أصبته أم خطأ؟ قالوا: ولم يسأله عمر عن ذلك إلا لافتراق حكمهما عنده.

وروي مثله عن ابن عباس .

[ ص: 330 ] وذهب جماعة العلماء في تأويل الآية، وقالوا: لا حجة في سؤال عمر; لأنه يجوز أن يسأله عن ذلك ليعلم إن كان قتله عمدا، ثم قتل بعده صيدا عمدا انتقم الله منه، فأراد عمر تحذيره من ذلك مع أنه قد روى شعبة هذا الحديث عن قبيصة أنه أجاب عمر بلا أدري، فأمره بالفدية. فخالف رواية سفيان، فدل على أن السؤال كان ليقف به على الانتقام في العودة مع أن الأشبه بمذهب عمر مذهب الجماعة.

روى شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود أن كعبا قال لعمر: إن قوما استفتوني في محرم قتل جرادة، فأفتيتهم أن فيها درهما، فقال: إنكم يا أهل حمص كثيرة دراهمكم; تمرة خير من جرادة، أفلا ترى عمر لم ينكر على كعب تركه سؤال القوم عن قتل المحرم للجرادة إن كان عمدا أو خطأ; لاستواء الحكم في ذلك عنده، ولو اختلف الحكم في ذلك عنده لأنكر عليه تركه السؤال عن ذلك، وهذا ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن عمرو كلهم قد أجاب بما أصاب المحرم بوجوب الجزاء، ولم يسأل أحد منهم عن عمد في ذلك ولا خطأ، ولا يكون ذلك إلا لاستواء الحكم عندهم في ذلك، ثم السنة الثابتة عن الشارع تدل على هذا المعنى.

[ ص: 331 ] روى جابر أنه - عليه السلام - سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: "نعم، وفيه كبش إذا صاده المحرم" ولم يفصل بين العمد والخطأ، والقياس يدل عليه أيضا كما في فساد الحج بالجماع، والخطأ بالكفارة أولى من العمد، دليله كفارة القتل.

واحتج أهل الظاهر بحديث: "وضع عن أمتي الخطأ" والمراد وضع الإثم.

فإن الفقهاء مجمعون أن الخطأ والنسيان ليسا في إتلاف الأموال، وما رووه عن ابن عباس فإسناده ضعيف، رواه قتادة عن رجل عن ابن عباس ، قاله إسماعيل بن إسحاق.

[ ص: 332 ] وأغرب محمد بن عبد الله المالكي فقال: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه إن عاد إلا ما أوعده به أو يعفو عنه، ونقله عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير، وطاوس وأبي ثور، وقيل: إن ومن قتله منكم متعمدا مردود إلى قوله: ومن عاد فينتقم الله منه وفيه بعد.

واختلفوا في تأويل قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: المراد بالآية إخراج مثل الصيد المقتول من النعم إن كان له مثل، ففي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، والغزال عنز، والأرنب عناق، واليربوع جفرة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب القيمة وإن كان له مثل، ثم يشتري بتلك القيمة هديا أو طعاما أو يتصدق بقيمته.

قالوا: لما لم يجز أن يراد بالمثل المثل من الجنس علم أن المراد به القيمة، وأنها تصرف في النعم يدل على أن المراد بالمثل القيمة قوله تعالى: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم [المائدة: 95] وهو عام في جميع الصيد، سواء كان له مثل أو لم يكن، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره فإن الواجب في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة، في أحد الأمرين، وجوابه أن قوله: فجزاء مثل ما قتل من النعم المراد به: مثل المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان الواجب في النعامة نعامة، وفي بقر الوحش بقرة، فلما قال:

[ ص: 333 ] من النعم أوجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره، ومثله من النعم ليس هو القيمة، والمماثلة من طريق الخلقة مشاهدة محققة، والتخصيص بالنعم من سائر الحيوان دال على ذلك، ومخرج للدراهم وغيرها، وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع وهو ما له مثل، والمجاز في آخر وهو ما لا مثل له، فإنا نعدل إلى القيمة وإنما يتنافى ذلك إذا كان في حالة واحدة فأما في حكمين فلا، فإن قلت: أين مماثلة الشاة للحمامة؟ قلت: لأن الطير ليس من النعم، والجزاء لا يكون إلا هديا، وهو أقل ما يسمى هديا.

وإن قتل جماعة واحدا لزمهم جزاء واحد عند الشافعي، خلافا لمالك.

واختلفوا في قوله: يحكم به ذوا عدل منكم فقال مالك: لا يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وجوزه الثوري والشافعي، واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين. وجه الأول الآية، كما قال: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] فيحتاج إلى حكمين غيره يحكمان كما يحتاج إلى شاهدين غيره، والحكومات إنما تكون من غير المحكوم عليهم، كما لا يجوز أن يكون الزوج حكما في الشقاق.

واتفق الأئمة الأربعة وأبو ثور أن هذه الكفارة مخيرة للإتيان فيها بـ(أو) فإن شاء أهدى وإن شاء صام، وإن شاء تصدق.

[ ص: 334 ] وقال الثوري: إن لم يجد هديا أطعم، فإن لم يجد طعاما صام، وقال الحسن والنخعي: إن لم يكن عنده جزاؤه قوم بدراهم، ثم قومت الدراهم طعاما فصام.

وقال سعيد بن جبير : إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الهدي، والصواب الأول، وقيل: إن الحاكم مخير، وفيه بعد; لأن القاتل هو المخاطب.

واختلفوا في الصوم المعدل بالقيمة: فكان بعضهم يقول: يصوم عن كل مدين يوما، هذا قول ابن عباس ، وبه قال الثوري والكوفيون وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ لحديث كعب بن عجرة السالف، وقال بعضهم: يصوم عن كل مد يوما، وهو قول عطاء ومالك والشافعي.

واختلفوا في قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه هل هذا الوعيد منه جزاء عائد على مصيب الصيد كما كان - عليه السلام - في إصابته إياه بدأ كما أسلفناه هناك، فذهب بعضهم إلى أنه لا جزاء عليه في ذلك إلا بأول مرة فإن عاد ترك والنقمة، وقد أسلفناه عن جماعة، وذكره ابن المنذر، عن النخعي والحسن وقتادة ومجاهد أيضا، وذهب الكوفيون ومالك [ ص: 335 ] والشافعي وأحمد إلى أنه يحكم عليه بالجزاء في كل مرة أصابه، وأسلفناه عن الجمهور وهو الصواب; لأنا روينا عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم أنهم حكموا على المحرمين بإصابة الصيد، ولم يسأل أحد منهم المحكوم عليه: هل أصاب صيدا قبل؟ فدل أنه لا فرق، وكما يتقرر جزاء الجماع فكذا الصيد.

فإن قلت: إنما انتفت الكفارة على العائد; لوقوع النقمة عليه.

قيل: أوليس إثما كان منتقما منه بمعصية الله، أفرأيت إن قتل الصيد بدا عاتيا منتهكا للحرمة، أما كان يجب عليه في ذلك نقمة ويكون عليه الجزاء؟! فكذا إذا عاد، ويجوز أن يكون معنى الانتقام: أن يشاءه كما في سائر الوعيد.

قال ابن المنذر: وأجمعوا أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وبيعه وشراؤه. أي: لمفهوم الآية فحرمة الصيد ثابتة للمحرم في الحل والحرم، وفي الحرم للمحرم وغيره.

وحديث أبي قتادة مخرج في مسلم أيضا، وقد ترجم عليه البخاري تراجم:

أحدها:

التالي السابق


الخدمات العلمية