التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1812 1911 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله آليت شهرا. فقال " إن الشهر يكون تسعا وعشرين". [انظر: 378 - مسلم: 411 - فتح: 4 \ 120]


ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فقال: " لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ".

وحديثه أيضا: " الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ".

وحديثه أيضا: " الشهر هكذا وهكذا ". وخنس الإبهام في الثالثة.

وحديث أبي هريرة : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ".

وحديث يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرا، فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا -أو راح- فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرا. فقال: "الشهر يكون تسعة وعشرين يوما ".

وحديث أنس : آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرا. فقال: "إن الشهر يكون تسعا عشرين ".

الشرح:

تعليق صلة عن عمار -وهو ابن ياسر - أخرجه أصحاب السنن

[ ص: 91 ] الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والحاكم على شرط الشيخين. وقال الدارقطني : إسناده حسن ورجاله ثقات .

ولا عبرة بقول أبي القاسم الجوهري أنه موقوف، فقد قال ابن عبد البر : لا يختلفون في إسناده. وصلة هو ابن زفر، ووقع في كتاب ابن حزم : ابن أشيم ، وهو غلط.

وحديث ابن عمر بطرقه أخرجه مسلم وقد سلف .

وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا ، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضا ، وحديث أنس من أفراده.

وقد سلف فقه الباب في باب: هل يقال رمضان ؟ واضحا.

وحديث أبي هريرة ساقه البخاري عن آدم، ثنا شعبة، ثنا محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، فذكره.

قال الإسماعيلي : رواه هكذا، وفيه: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة

[ ص: 92 ] شعبان ثلاثين
" وقد رويناه عن عندر وابن مهدي وعدد جماعات، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ".

وهذا يجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحا.

ورواه المقرئ، عن ورقاء، عن شعبة على ما ذكرناه أيضا، ويحيى بن عبد الله بن صيفي ثقة .

ومعنى: خنس الإبهام : قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون الخنوس لازما.

وقوله: (" الشهر يكون تسعا وعشرين ") أي ربما كان كذلك و"غبي" بالباء وروي بالميم من الإغماء، وهو: الإخفاء، وقد سلف "ويوما" أراد به: مع ليلته.

وفيه: دلالة لقول ابن عبد الحكم أنه إذا حلف لا يكلم إنسانا شهرا أنه يبر بتسعة وعشرين يوما.

وعند مالك : لا يبر إلا بثلاثين. والمشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة، وقيل: الخزانة والجمع: مشارب، ولعل يمينه كانت في أول النهار إن كان الصحيح قوله: غدا، أو في نصفه إن كان الصحيح: أو راح، قاله ابن التين .

قال الترمذي : والعمل على حديث عمار عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي

[ ص: 93 ] وأحمد وإسحاق، وكرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أن صيامه مكان يوم من شهر رمضان أن يقضي يوما مكانه .

واحتج القاضي في "شرح الرسالة" على أبي حنيفة في تجويزه صوم يوم الشك على أنه لرمضان بحديث ابن عمر، وفيه: " لا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". فنهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين، فمتى لم يوجدا أو أحدهما فيجب أن لا يجزئه، وقد أسلفنا أن كافة الفقهاء ذهب إلى معنى "فاقدروا له" مجمل يفسره قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فأكملوا العدة ثلاثين يوما "، وكذلك جعل مالك في "الموطإ": " فأكملوا العدة ثلاثين يوما " بعد قوله: "فاقدروا له" كما صنع

البخاري ; لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: "فاقدروا له".

وحكى ابن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في معناه إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب ، وقد سلف.

والحديث نص أنه لم يرد اعتبار ذلك بالنجوم والمنازل; لأنه لو كلف ذلك أمته لشق عليهم; لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى في الدين من حرج، وإنما أحال على إكمال الثلاثين يوما وهو شيء يستوي في معرفته الكل. وقد انضاف إلى أمره باعتبار ثلاثين عند عدم الرؤية بفعله في نفسه، فعن عائشة : كان - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر الشهور، فإذا رآه صام، وإن غم عد شعبان ثلاثين وصام . ولو كان ها هنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به .

[ ص: 94 ] وجمهور الفقهاء على أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، إما بالرؤية وإما بإكمال شعبان ثلاثين، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله; لأنه ممكن في الشهر أن يكون ناقصا، فالرؤية تصحح ذلك وتوجب اليقين، وإلا فإكمال العدد ثلاثين يقينا، هذا معنى قوله: "فاقدروا له" عند العلماء. ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه كما سيأتي في باب: صيام يوم الشك.

وأما حديث: " الشهر تسع وعشرون " له، فإن معناه -كما قال الطبري : الشهر الذي نحن فيه أو الذي قد علمتم إخباري عنه; لأن الألف واللام إنما تدخلها العرب في الأسماء، إما لمعهود قد عرفه المخبر والمخبر، وإما للجنس العام من الشهر، ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد في ذلك الخبر عن الجنس العام; لأنه لو كان كذلك لم يقل: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ". فأحال على الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعا وعشرين، فعلم أن قوله: "الشهر تسع وعشرون" أن ذلك قد يكون في بعض الأحوال. وقد روى البخاري بعده عن ابن عمر مرفوعا: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر (كذا وكذا) " يعني: مرة ناقصا ومرة كاملا. وروي عن عروة، عن عائشة أنها أنكرت قول من قال أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشهر تسع وعشرون": لا والله ما قال كذلك، إنما قال حين هجرنا: "لأهجرنكم شهرا" وأقسم على ذلك، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرا. فقال: "إن الشهر كان تسعا وعشرين ليلة " .

التالي السابق


الخدمات العلمية