التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
10 [ ص: 480 ] 4 - باب : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

10 - حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابن أبي هند- عن عامر قال: سمعت عبد الله -وهو ابن عمرو- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال عبد الأعلى، عن داود عن عامر، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. [6484 – مسلم: 40 – فتح: 1 \ 53].


حدثنا آدم بن أبي إياس، نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابن أبي هند- عن عامر قال: سمعت عبد الله -وهو ابن عمرو- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال عبد الأعلى، عن داود عن عامر، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أنه يجوز في قوله: (باب: المسلم) التنوين والإضافة. وكذا نظائر هذا الباب مما هو كلام مستقل، وتكون الإضافة إلى الجملة.

أحدها: التعريف برواته غير من سلف.

أما عبد الله (ع) بن عمرو فهو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير -بضم النون- عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد -بضم السين وفتح العين- بن سهم بن عمرو بن هصيص -بضم الهاء وبصادين مهملتين- بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي [ ص: 481 ] السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي.

أمه: ريطة بنت منبه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم، مجتهدا في العبادة، وكان أكثر حديثا من أبي هريرة; لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، كما سيأتي حيث ذكره البخاري، ومع ذلك فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة، روي له سبعمائة حديث، اتفقا منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين.

مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة بعد الستين، سنة خمس أو ثلاث أو سبع. وقيل: سنة ثلاث وسبعين عن ثنتين وسبعين سنة.

فائدة:

في الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر عدتهم ثمانية عشر نفسا.

[ ص: 482 ] وأما الشعبي هو الإمام العلامة التابعي الجليل الثقة أبو عمرو عامر (ع) بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي.

والشعبي -بفتح الشين- نسبة إلى شعب: بطن من همذان، أمه من سبي جلولاء. ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. روى عن خلق من الصحابة منهم: عمر وسعد وسعيد، وروينا عنه أنه قال: أدركت خمسمائة صحابي.

قال أحمد بن عبد الله : ومرسله صحيح. روى عنه قتادة، وخلق من التابعين، ومناقبه جمة ولي قضاء الكوفة. مات بعد المائة، إما سنة أربع، أو ثلاث، أو خمس، أو ست، ابن نيف وثمانين سنة.

فائدة:

إذا أطلق الشعبي فالمراد به هذا الإمام، وإن كان جماعة بما وراء النهر يطلق عليهم ذلك لكنهم متأخرون جدا، وقد أسلفنا أن هذه النسبة إلى شعب بطن من همذان، وكذا قال ابن قتيبة: الشعبي يقال: هو من [ ص: 483 ] حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به.

وقال الهمداني: الشعب الأصغر: بطن، منهم عامر بن شراحيل.

قال: والشعب الأصغر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان.

وقال الجوهري: شعب: جبل باليمن وهو على شعبين نزله حسان بن عمرو الحميري وولده فنسبوا إليه، وإن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم: شعبيون منهم: عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان منهم باليمن يقال لهم: آل ذي شعبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأشعوب.

وأما إسماعيل (ع) فهو: ابن أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلي الأحمسي. مولاهم الكوفي، سمع خلقا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وجماعة من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. وكان عالما متقنا صالحا ثقة، وكان يسمى: الميزان، وكان طحانا.

قال ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث، مات سنة خمس وأربعين ومائة.

وأما عبد الله (ع) بن أبي السفر -بفتح السين والفاء-، وحكي إسكانها، واسم أبي السفر: سعيد بن يحمد -بضم الياء وفتح الميم- [ ص: 484 ] كذا ضبطه النووي في "شرحه"، وغيره ضبطه بخطه بكسرها، ويقال: أحمد الثوري الهمداني الكوفي.

روى عنه شعبة وغيره، مات في خلافة مروان بن محمد. قال أحمد ويحيى بن معين: ثقة، روى له الجماعة إلا الترمذي.

فائدة:

السفر كله بإسكان الفاء في الاسم وبتحريكها في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله السالف كما سلف.

وأما شعبة (ع) فهو العلامة الحافظ أمير المؤمنين، أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي البصري مولى عبدة بن الأغر، وعبدة مولى يزيد بن المهلب من تابعي التابعين، رأى الحسن وابن سيرين، سمع أنس بن سيرين وغيره من التابعين.

قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أحمد: كان أمة وحده في هذا الشأن.

وقال أبو بحر البكراوي : ما رأيت أعبد لله تعالى منه، عبد حتى جف لحمه على عظمه.

[ ص: 485 ] مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة عن سبع وسبعين سنة، وهو أكبر من الثوري بعشر سنين، والثوري أكبر من ابن عيينة بذلك.

فائدة:

ليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره. وفي النسائي: شعبة بن دينار الكوفي : صدوق، وفي [أبي] داود: شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوي.

وفي الضعفاء: شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قال البخاري: أحاديثه مناكير.

وفي الصحابة: شعبة بن التوأم وهو من الأفراد والظاهر أنه تابعي.

وأما آدم (خ ت س ق) بن أبي إياس فهو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن، وقيل: ناهية بن محمد. أصله من خراسان، نشأ ببغداد، وكتب عن شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة وغيرها من الأمصار، واستوطن عسقلان.

[ ص: 486 ] سمع شعبة وغيره من الأعلام، وروى عنه البخاري، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه. وكان ثقة مأمونا متعبدا.

مات بعسقلان سنة عشرين ومائتين، وقيل: إحدى وعشرين عن ثمان وثمانين سنة، وقيل: عن نيف وتسعين سنة.

ولما حضرته الوفاة ختم القرآن وهو مسجى، ثم قال: بحبك لي إلا ما رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك ثم قال: لا إله إلا الله. ثم قضى.

قال الخطيب: حدث عنه: بشر بن بكر التنيسي وإسحاق ابن إسماعيل الرملي، وبين وفاتيهما ثمانون، وقيل: ثلاثة وثمانون سنة.

[ ص: 487 ] فائدة:

ليس في هذه الكتب آدم بن أبي إياس غير هذا، وفي مسلم، والترمذي، والنسائي: آدم بن سليمان الكوفي، وفي البخاري، والنسائي آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا فحسب.

وفي الرواة آدم بن عيينة، أخو سفيان لا يحتج به، وآدم بن فائد عن عمرو بن شعيب مجهول.

وأما أبو معاوية (ع) فهو: محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير الكوفي التيمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم. يقال: عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان.

وروى عن الأعمش وغيره، وعنه: أحمد وإسحاق وهو ثبت في الأعمش، وكان مرجئا. مات في صفر سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة.

[ ص: 488 ] فائدة:

في الرواة أيضا: أبو معاوية النخعي عمرو، وأبو معاوية شيبان. وأما داود بن أبي هند فهو: أحد الأعلام الثقات، بصري، واسم أبي هند دينار مولى امرأة من قشير، ويقال: مولى عبيد الله بن عامر ابن كريز، رأى أنسا، وسمع: الشعبي وغيره من التابعين، وعنه: شعبة والقطان. له نحو مائتا حديث. وكان حافظا صواما دهره قانتا لله، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة.

فائدة:

داود هذا خرج له الستة -كما أعلمت له- والبخاري استشهد به هنا خاصة، وليس له في "صحيحه" ذكر إلا هنا.

وأما عبد الأعلى (ع) فهو: ابن عبد الأعلى السامي القرشي البصري، من بني سامة بن لؤي بن غالب.

روى عن الجريري وغيره، وعنه: بندار وغيره. وهو ثقة قدري لكنه [ ص: 489 ] غير داعية، كما نبه عليه ابن حبان في "ثقاته"، وأطلقه صاحب "الكاشف". مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومائة.

فائدة:

في الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة بهذا، وفي ابن ماجه: آخر واه، وآخر كذلك، وآخر صدوق، وفيه وفي النسائي آخر ثقة، وفيه [ ص: 490 ] وفي الترمذي آخر ثقة، وفي الأربعة آخر لين ضعفه أحمد، فالجملة تسعة، وفي الضعفاء سبعة.

فائدة أخرى:

هذا الإسناد كله على شرط الستة إلا آدم فليس من شرط مسلم، وأبي داود.

الوجه الثاني:

قوله: (وقال أبو معاوية: وقال عبد الأعلى) هذا من تعليقات البخاري، وقد أسلفت لك أول الكتاب حكمها في الفصول.

وحديث أبي معاوية أخرجه ابن حبان في "صحيحه" فقال: أنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر، نا محمد بن العلاء بن غريب، حدثنا أبو معاوية، نا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن عمرو -ورب هذه البنية- يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "المهاجر من هاجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

[ ص: 491 ] الوجه الثالث في فقهه:

بعد أن تعلم أن هذا الحديث انفرد البخاري عن مسلم بجملته فأخرجه هنا. وفي: الرقاق عن أبي نعيم، عن زكريا، عن عامر.

وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أيضا: أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

وأخرج من حديثه أيضا: أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي المسملين خير؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".

ولم يخرج البخاري هذا اللفظ ولا الذي قبله، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث جابر رفعه: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

فمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" المسلم الكامل الجامع لخصال الإسلام، من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل، وكذلك المهاجر الكامل، فأعلم المهاجرين أن يهجروا ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على هجرتهم.

ويحتمل أنه قال ذلك لما شق فوات الهجرة على بعضهم، فأعلمهم أن هذا هو المهاجر المطلوب الكامل.

والهجر لغة: ضد الوصل. ومنه قيل للكلام القبيح: الهجر -بضم [ ص: 492 ] الهاء-; لأنه ينبغي أن يهجر. والهاجرة: وقت يهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عشيرته ووطنه.

وهذا الحديث من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -، وفصيحه كما يقال: المال الإبل، والناس العرب، على التفضيل لا على الحصر.

وقد أورد البخاري عقبه ما بين هذا التأويل وهو قول السائل: أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" ثم أورد عقبه: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام" إلى آخره، وخص اليد بالذكر; لأن أكثر الأفعال بها، وكذا اللسان; لأنه يعبر به عن ما في النفس.

وفي "جامع الترمذي" والنسائي من حديث أبي هريرة: "والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم".

وفيه: الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسر الأمر في ذلك حسن التخلق مع العالم، كما قال الحسن -رحمه الله- في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر. وفيه رد على المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص.

التالي السابق


الخدمات العلمية