التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2034 [ ص: 351 ] 59 - باب: بيع المزايدة

وقال عطاء : أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد .

2141 - حدثنا بشر بن محمد ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا الحسين المكتب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " من يشتريه مني ؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا ، فدفعه إليه . [2230 ، 2231 ، 2403 ، 2415 ، 2534 ، 6716 ، 6947 ، 7186 - مسلم: 997 - فتح: 4 \ 354]


ثم ذكر حديث جابر في بيع المدبر ، وهو حديث أخرجه مسلم أيضا .

وشيخ البخاري فيه بشر بن محمد المروزي انفرد به عن الخمسة ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين . والحسين المكتب هو ابن ذكوان العوذي ، مات سنة خمس وأربعين ومائة .

وأثر عطاء روى ابن أبي شيبة بعضه عن وكيع ، عن سفيان ، عمن سمع مجاهدا وعطاء قالا : لا بأس ببيع من يزيد . وعند البيهقي من حديث زيد بن أسلم : سمعت رجلا تاجرا -يقال له : شهر- يسأل عبد الله بن عمر عن بيع المزايدة ، فقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر ، إلا المغانم والمواريث .

[ ص: 352 ] قال أحمد- فيما حكاه الخلال عنه : هذا حديث منكر . وروى ابن أبي شيبة عن عمر أنه باع إبلا من إبل الصدقة فيمن يزيد . وعن حماد : لا بأس ببيع من يزيد .

والمعتق في حديث جابر رجل من بني عذرة كما ثبت في مسلم .

وفي رواية : يقال له أبو مذكور ، وجاء أنه من الأنصار .

ويحتمل أن يكون عذريا حليف الأنصار ، والمعتق : يعقوب ، والمشتري : نعيم ، كما صرح به في الحديث ، وهو ابن عبد الله النحام ، أسلم قديما . والنحمة : السعلة . والثمن : ثمانمائة درهم كما ذكره البخاري في موضع آخر ومسلم أيضا ، وفي أبي داود بسبعمائة أو تسعمائة ، وفي النسائي : وكان محتاجا وعليه دين فلما باعه قال : "اقض دينك" .

وموضع الترجمة : "من يشتريه مني" ؟ ، وفي النسائي تكراره ، وقد سلف حكم ذلك في الباب قبله .

[ ص: 353 ] وقد اختلف العلماء في بيع المزايدة ، فأجازها الأربعة وأكثر العلماء في المغانم وغيرها . وكان الأوزاعي يكره المزايدة إلا في الغنائم والمواريث ، ولعل عمدته ما سلف ، لكنه منكر ، وهو قول إسحاق ، وروي عن أبي أيوب وعقبة بن عامر كراهية الزيادة ، وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد .

قال مالك : لو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بها أخذت بشبهة الباطل من الثمن ، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه ، ولم يزل الأمر عندنا على ذلك ، وحديث الباب حجة على من كرهه ; لأنه قد قال : "من يشتريه مني" ؟ فعرضه للزيادة ، وأحب أن يستقصى فيه للمفلس الذي باعه عليه .

وهذا الحديث يفسر نهيه أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يبيع على بيع أخيه أنه أراد بذلك إذا تقاربا من تمام البيع كما قال جمهور الفقهاء . وعلى هذا المعنى حمل العلماء ما روي عن أبي أيوب وعقبة أن ذلك بعدما رضي البائع ببيعه الأول . وفي "المستخرجة" لابن القاسم : إذا وقع على رجلين يكونان شريكين . قال عيسى : لا يعجبني ذلك من قوله ، وهو الأول . قال : ولا ينبغي للصالح أن يقبل من أحد مثل الذي أعطاه غيره ، وإنما يقبل الزيادة وبها ينادي .

واعلم أن البخاري ترجم على الحديث أيضا : باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه .

واعترض ابن التين على ترجمته هنا فقال : ليس فيه بيان لما بوب عليه من بيع المزايدة ; لأنه إنما قال : "من يشتريه مني" ؟ وكذا قال [ ص: 354 ] الإسماعيلي : ليس فيه ما ترجم له ، فإن المزايدة أن يعطي آخر أكثر مما أعطى الأول .

قلت : وأثر عطاء مطابق لها ، وقال عبد الملك : لم يخلص للبخاري السبب الموجب لبيعه في ديوانه كله على تكريره له ، ولا يباع المدبر لدين بعده في حياة سيده ، ويباع بعد موته فيقضي ديون سيده ويعتق ثلث ما بقي منه .

وقد روي بإسناد فيه نظر أنه كان عليه دين . وهذا يعضده تبويب البخاري . وقالت فرقة : لسيده بيعه كسائر الوصايا ، وقال بعض العلماء : لا يجوز لأحد أن يختلع من جميع ماله لهذا الحديث ; ولقوله - عليه السلام - لكعب : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" ولنهيه سعدا أن يجاوز الوصية في الثلث .

ومن تراجمه عليه أيضا : باب بيع المدبر .

[ ص: 355 ] وقد اختلف العلماء فيه كما حكيته لك ، والمنع هو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة . قال أبو حنيفة : إن مات سيده ولم يخرج من الثلث سعى في فكاك رقبته ، وإن مات سيده وعليه دين فبيع للغرماء سعى لهم وخرج حرا . وأجازه الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور وإسحاق ، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس ، وباعت عائشة مدبرة لها سحرتها . وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث ، وحكى ابن أبي شيبة المنع عن شريح وزيد بن ثابت وسالم والحسن . وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين . وعند مالك : يجوز بيعه عند الموت ، ولا يجوز في الحياة ، حكاه ابن [ ص: 356 ] الجوزي عنه . وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر وهبته ، وحديث الباب حجة للجواز ، وأجاب عنه ابن بطال بأن في الحديث أن سيده كان عليه دين فثبت أن بيعه كان لذلك ; ولأنها قضية عين تحتمل التأويل . وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه . وهذا مصرح به في نفس الحديث فلا حاجة إليه .

وأما حديث : "المدبر لا يباع ولا يشترى ، وهو حر من الثلث" فالأشبه وقفه على ابن عمر ، ووهاه ابن حزم ، قال : وروي عن أبي [ ص: 357 ] جعفر محمد بن علي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسلا أنه باع خدمة المدبر .

[ ص: 358 ] وعن جابر : إن أولاد المدبرة إذا مات سيدها ما نراهم إلا أحرارا ، وهو مذهب الجمهور . وعن ابن شهاب وربيعة أن عائشة باعت مدبرة ، فأنكر ذلك عمر وأمرها أن تشتري غيرها بثمنها وتدبرها .

وقال ابن سيرين : لا بأس ببيع خدمة المدبر . ونقل عن ابن المسيب أيضا .

وقيل : إن سيده كان سفيها ، فلذلك تولى بيعه بنفسه ، حكاه ابن بطال ، وعليه يدل تبويب البخاري السالف في الفلس .

فائدة : قام الإجماع على صحة التدبير ، ومذهبنا ومذهب مالك في آخرين أنه يجب عتقه من الثلث . وقال الليث وزفر : من رأس المال .

فرع : جمهور العلماء -كما حكاه ابن رشد- على جواز وطء المدبرة إلا ابن شهاب فإنه منعه . وعن الأوزاعي كراهته وإن لم يكن وطئها قبل التدبير .

التالي السابق


الخدمات العلمية