التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2090 2204 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع" . [انظر : 2203 - مسلم: 1543 - فتح: 4 \ 401]


قال أبو عبد الله : وقال لي إبراهيم : أنا هشام ، أنا ابن جريج (قال) : سمعت ابن أبي مليكة يخبر ، عن نافع -مولى ابن عمر- أن أيما نخل بيعت قد أبرت لم يذكر الثمر ، فالثمر للذي أبرها ، وكذلك العبد والحرث . سمى له نافع هؤلاء الثلاث .

ثم ساق حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع" .

الشرح :

إبراهيم هذا هو ابن أبي موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء الصغير ، وهذا من باب المذاكرة كما أسلفناه . وحديث ابن عمر أخرجه مسلم ، قال الطرقي : الصحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه [ ص: 503 ] من التأبير خاصة ، وذكر العبد يعني : "ومن ابتاع عبدا وله ماله فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" يذكر عن ابن عمر عن عمر قوله قال : وقد رواه عن نافع عبد ربه بن سعيد ، وبكير بن الأشج فجمعا بين الحديثين ، مثل رواية سالم وعكرمة بن خالد ، فإنهما رويا الحديثين جميعا عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكذا قال أبو عمر : اتفق نافع وسالم عن ابن عمر مرفوعا في قصة النخل ، واختلفا في قصة العبد ، رفعها سالم ، ووقفها نافع على عمر قوله ، وهو أحد الأحاديث الأربعة ، التي اختلف فيها نافع وسالم ، ولما روى النسائي حديث ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر مرفوعا لحديث التأبير والعبد ، قال : هذا خطأ ، والصواب حديث عمر موقوفا . وقال الدارقطني : رواه سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر مرفوعا ، وغيره لم يذكر فيه عمر ، ورواه نافع فخالف سالما فجعله عن ابن عمر ، عن عمر موقوفا ، ووهم أبو معاوية فرفعه ، والصواب الأول وهو الصحيح ، ورواه ابن إسحاق وجماعات عددهم عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بإسقاط عمر بالقصتين جميعا ، ووهموا على نافع ، ورواه الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر مرفوعا ولم [ ص: 504 ] يتابع عن ابن دينار ، وذكره البخاري أيضا في باب : الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل .

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه :

أحدها : أبرت النخل آبرها ، بالكسر والضم والتخفيف فهي مأبورة ، كقومت الشيء تقويما فهو مقوم ، وإبار كل تمر بحسبه ، ومما جرت العادة فيه بما ينبت تمره ويعقده ، وهو : شق طلع النخلة ، وإن لم يحط فيه ، وقد يعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فيها شيء ، ويقال : أبرته بتشديد الباء أيضا أوبره تأبيرا ، وعلامته فيما عدا النخل سقوط النور الذي لا ينعقد .

وقال ابن بطال : أما معنى الإبار في سائر (النخل) فقال ابن القاسم : يراعى ظهور الثمرة لا غيره ، وقال ابن عبد الحكم : كل ما لا يؤبر من الثمار فاللقاح فيها بمنزلة الإبار في النخل .

ثانيها : قال القزاز : من رواه يشترط بغير هاء أجاز اشتراط بعض الثمرة ، ومن رواها بالهاء لا يجيز إلا اشتراط الكل ، قال : وكذلك وقع في مال العبد بالهاء وبغير هاء .

ثالثها : قوله : ("فثمرتها للبائع") يريد أنها بمطلق القيد تكون له ، وبه قال جمهور الفقهاء ، وخالف ابن أبي ليلى أنها للمشتري كالعهن والصوف على ظهر الغنم ، والنص يرده ، والثمرة نماء عن الأصل [ ص: 505 ] بخلافهما ، وأما قبل أن تؤبر فهي للمشتري عند مالك ، والشافعي ، وابن أبي ليلى ، وقال أبو حنيفة : هي للبائع كالمأبورة . ودليل الخطاب يرده ، وأيضا ما كان غير طاهر تبعا لما نشأ عنه .

قال ابن بطال : أخذ بظاهر حديث الباب مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ، فقالوا : من باع نخلا قد أبرت ولم يشترط ثمرته المبتاع فالثمر للبائع ، وهي في النخل متروكة إلى الجداد وعلى البائع السقي ، وعلى المشتري تخليته وما يكفي من الماء ، ولذلك إذا باع الثمرة دون الأصل فعلى البائع السقي .

وقال أبو حنيفة : سواء أبر أو لم يؤبر هو للبائع ، وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل حالا ، ولا يلزمه أن يصبر عليه إلى الجداد ، وإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد فالبيع فاسد ، واحتجوا بالإجماع على أن الثمرة لو لم تكن تؤبر حتى تناهت وصارت بلحا وبسرا وبيع النخل ، أن الثمرة لا تدخل فيه فعلمنا أن المعنى في ذكر الإبار ظهور الثمرة خاصة ، إذ لا فائدة في ذكر الإبار غيره ، ولم يفرقوا بين الإبار وغيره ، قالوا : وقد تقرر أن من باع دارا له فيها متاع فللمشتري المطالبة بنقله عن الدار في الحال ، ومن باع شيئا فعليه تسليمه ورفع يده عنه ، وبقاء الثمرة على النخل بعد البيع انتفاع بالنخل إلى وقت الجداد ، فيكون في معنى من باع شيئا واستثنى منفعته ، وهذا لا يجوز ، فخالفوا السنة إلى قياس ، ولا قياس لأحد معها ، ويقال لهم : من باع شيئا مشغولا يحق للبائع ، فإن البائع يلزمه نقله عن المبيع على ما جرت به العادة في نقل مثله ، ألا ترى أنه لو باع دارا [ ص: 506 ] هو فيها وعياله في نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة فلا خلاف أنه لا يلزمه نقله عنها نصف الليل ، حتى يرتاد منزلا يسكنه ولا يطرح ماله في الطريق ، هذا عرف الناس .

وكذلك جرت العادة في أخذ الثمرة عند الجداد ، وهو حين كمال بلوغها ، ولما ملك الشارع الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء منفعته بها على كمالها ، وأغنى ذلك عن استثناء البائع بقية الثمرة إلى الجداد ، وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثني نصفها وثلثيها ، وما (يستثنى) منها إذا كان المستثنى معلوما ، وكذلك قول أكثر العلماء إذا باع نخلا وفيها ثمرة لم تؤبر فهي للمبتاع متابعة لأصلها بغير شرط ، استدلالا بحديث ابن عمر .

وخالف ذلك أبو حنيفة فقال : هي للبائع بمنزلة لو كانت مؤبرة إلا أن يشترطها المبتاع ، فيقال لهم : التمر له صفتان : مؤبر وغير مؤبر ، ولما جعله الشارع إذا كان مؤبرا للبائع بترك المشتري اشتراطها ، أفادنا ذلك أن الثمرة للمشتري إذا لم تؤبر وكانت في أكمامها ، وإن لم يشترطها المشتري ، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكل للبائع ، لكان يقول : من باع نخلا فيها ثمرة فهي للبائع ، فخالف الحديث من وجهين : نصه فيما إذا كانت مؤبرة ، ودليله إذا كانت غير مؤبرة .

رابعها : قول نافع : (وكذلك العبد) ، يريد أن ماله لبائعه . وقوله : (والحرث) يريد : الأرض المحروثة . وروى ابن القاسم عن مالك : أن من اشترى أرضا مزروعة ولم تسبل فالزرع للبائع ، إلا أن يشترط [ ص: 507 ] المشتري ، وإن وقع البيع والبذر لم تنبته فهو للمبتاع بغير شرط . وروى ابن عبد الحكم عن مالك : إن كان الزرع لقح أكثره ، ولقاحه : أن يتحتت ويسبل حتى لو يبس حينئذ لم يكن فسادا فهو للبائع ، إلا أن يشترط المشتري ، وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع وذكر ابن عبد الحكم في موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن القاسم .

فرع : روى ابن القاسم عن مالك : أنه لا يجوز استثناء نصف مال العبد إلا أن يكون ماله معلوما ويكون غير العين ، يريد أنه إذ ابتاعه بالعين وهو حاضر يراه ، وإنما الاستثناء في الجميع ، وقاله سعيد بن حسان ، وقال : لا يجوز أن يستثني مال أحدهما إذا اشتراهما ، وأجازه أشهب في العبد أن يستثني بعض ماله .

واختلف بعض أصحاب مالك إذا استثنى بعض الثمرة ، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم .

فرع : فإن وقع العقد على النخل ، أو العبد خاصة ثم زاده شيئا ليلحق الثمرة والمال بالربا .

لابن القاسم : إن كان بحضرة البائع وتقريب جاز وإلا فلا ، وأجازه أشهب في ثمرة النخل ، ومنعه في مال العبد ، والمعنى بالقرب : أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص ، فإن دخله شيء من ذلك فقد بعد وامتنع إلحاقه بالعقد .

التالي السابق


الخدمات العلمية