التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
186 189 - حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع. قال: وهو الذي مج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجهه، وهو غلام من بئرهم. وقال عروة، عن المسور وغيره، يصدق كل واحد منهما صاحبه: وإذا توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كادوا يقتتلون على وضوئه. [انظر: 77 - فتح: 1 \ 295]


وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" بإسناد جيد عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير قال: وأخبرنا هشيم عن ابن عون، عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء من فضل السواك.

ثم ذكر البخاري بعده عدة أحاديث، وكلها دالة على ما ترجم له، وهو طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث المنفصل عنه.

وفضل السواك: هو الماء الذي ينقع فيه السواك ليلين. وسواكه [ ص: 303 ] الآراك وهو لا يغير الماء. فأراد البخاري أن يعرفك أن كل ما لا يتغير فإنه يجوز الطهارة به، والماء المستعمل غير متغير هو طاهر، وأن من ادعى نجاسة الماء المستعمل فهو مردود عليه، وأنه ماء الخطايا.

ولا خلاف عند الشافعية في طهارته، ووافقهم مالك وأحمد، وعن أبي حنيفة رواية: أنه طاهر، وأخرى: أنه نجس نجاسة مخففة، وثالثة: أنه نجس نجاسة مغلظة.

واختلف قول الشافعي في طهوريته فقال في الجديد: إنه غير طهور لسلب الفرض طهوريته; وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال في القديم: إنه طهور; وبه قال مالك.

ومحل الخوض في ذلك كتب الخلاف فلا نطول به، ومحل تفاريعه كتب الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد.

الحديث الأول:

حدثنا آدم، ثنا شعبة، عن الحكم سمعت أبا جحيفة يقول: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة.

وهذا الحديث متفق على صحته، روي عن أبي جحيفة مختصرا ومطولا، وقد ذكره البخاري هنا وفي الصلاة من طريق الحكم، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 304 ] وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة.

رواه عن أبي جحيفة ولده عون والحكم بن عتيبة، واشتهر عن شعبة. قيل: إن الحكم لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أبي جحيفة خاصة، لكن روى عن أبي أوفى أيضا.

و(أبو جحيفة) اسمه وهب بن عبد الله.

والهاجرة والهجير: اشتداد الحر نصف النهار.

قال ابن سيده: عند زوال الشمس مع الظهر. وقيل: عند الزوال إلى العصر. وقيل في كل ذلك: إنه شدة الحر، وفي "الأنواء الكبير" لأبي حنيفة: الهاجرة بالصيف: قبل الظهيرة بقليل، وبعدها بقليل، والهويجرة: قبل العصر بقليل، وسميت الهاجرة; لهرب كل شيء منها.

ولم يسمع بالهاجرة في غير الصيف إلا في بيت للعجاج. وقال صاحب "المغيث": الهاجرة: بمعنى المهجورة; لأن السير يهجر فيها كدافق يعني: مدفوق.

وأما حديث: "فالمهجر كالمهدي بدنة" فالمراد التبكير، قال [ ص: 305 ] الخليل: وهي لغة حجازية، وكان خروجه - صلى الله عليه وسلم - هذا من قبة حمراء من أدم بالأبطح بمكة، كما صرح به في رواية أخرى.

و(الوضوء) بفتح الواو على المعروف.

وقوله: (فيتمسحون به) هو موضع الترجمة، وفيه: التبرك بآثار الصالحين سيما سيد الصالحين، واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم.

وقال الإسماعيلي: يحتمل أن يكون أخذهم الماء الباقي في الإناء الذي كان يتوضأ منه تبركا منهم بما وصلت إليه يده منه.

قلت: ذاك أبلغ.

وقوله: (فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين). فيه: قصر الرباعية، وإن كان بقرب البلد. والعنزة تقدم بيانها.

الحديث الثاني:

وقال البخاري: وقال أبو موسى: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال لهما: "اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما".

وهذا الحديث علقه البخاري هنا، وقد أسنده في باب: الغسل والوضوء في المخضب مختصرا كما سيأتي قريبا، وفي كتاب المغازي، في غزوة الطائف مطولا عن أبي موسى.

[ ص: 306 ] وقوله: (قال لهما: "اشربا"): يعني: أبا موسى الراوي وبلالا; فإنه كان معه كما ساقه البخاري في المغازي، وفيه: فنادتهما أم (سلمة) من وراء الستر: أفضلا لأمكما. فأفضلا لها.

ويحتمل أمره بالشرب والإفراغ من أجل مرض أو شيء أصابهما.

قال الإسماعيلي: وليس هذا من الوضوء في شيء، فإنما هو في مثل من استشفي بالغسل له فغسل.

قال المهلب: وفي أحاديث الباب دلالة على طهارة لعاب الآدمي وبقية السؤر، والنهي عن النفخ في الطعام والشراب، إنما هو لاستقذار ما تطاير فيه من اللعاب لا للنجاسة، وهذا التقدير مرتفع عن الشارع.

قيل: كانت نخامته أطيب من المسك عندهم; لأنهم كانوا يتدافعون عليها ويدلكون بها وجوههم لبركتها وطيبها، وأنها مخالفة لخلوف أفواه البشر؛ وذلك لمناجاته الملائكة يطيب الله لهم نكهته وخلوف فيه وجميع رائحته.

الحديث الثالث:

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني محمود بن الربيع، وهو الذي مج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجهه، وهو غلام من بئرهم.

[ ص: 307 ] هذا الحديث سلف بيانه في كتاب: العلم، في باب: متى يصح سماع الصغير.

قال الإسماعيلي: رواه الناس عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه إلا يعقوب، وفيه ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه; لأن مج الماء قد يصعب عليه وإن كان قد يستلذه.

الحديث الرابع:

قال البخاري: (وقال عروة، عن المسور وغيره، يصدق كل واحد منهما صاحبه: وإذا توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كادوا يقتتلون على وضوئه).

هذا الحديث كذا ذكره هنا معلقا، وقد أسنده بعد في الجهاد، وصلح الحديبية كما ستعلمه، إن شاء الله وقدره.

وأراد بقوله: (وغيره). مروان بن الحكم كما صرح به هناك، وذكر ابن طاهر أن هذا الحديث معلول؛ وذلك أن المسور ومروان لم يدركا هذه القصة التي بالحديبية سنة ست; لأن مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين. على ذلك اتفق المؤرخون، وإنما يرويانها عمن شاهدها.

وأما ما في "صحيح مسلم" عن المسور قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس على المنبر وأنا يومئذ محتلم. فيحتاج إلى تأويل، فقد [ ص: 308 ] يؤول الاحتلام على أنه كان يعقل أو كان سمينا غير مهزول، وهو احتمال لغوي.

قال صاحب "الأفعال": حلم حلما إذا عقل. وقال غيره: يحلم الغلام صار سمينا، ذكره القرطبي، وهو معدود في صغار الصحابة، مات سنة أربع وستين.

[باب]

التالي السابق


الخدمات العلمية