التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2103 [ ص: 535 ] 99 - باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب

2216 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء رجل مشرك -مشعان طويل- بغنم يسوقها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " بيعا أم عطية ؟ " -أو قال : - أم هبة ؟ " . قال لا بل بيع . فاشترى منه شاة . [2618 ، 5382 - مسلم: 2056 - فتح: 4 \ 410]


ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بيعا أم عطية ؟ " -أو قال : - أم هبة ؟ " . قال : بل بيع . فاشترى منه شاة .

هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة وثلاثين رجلا ، فقال- عليه السلام - : "هل مع أحد منكم طعام ؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ، ثم جاء رجل . وفيه : فصنعت ، وأمر بسواد البطن أن يشوى ، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها ، إن كان شاهدا أعطاه إياه ، وإن كان غائبا خبأ له ، وجعل منها قصعتين ، فأكلوا أجمعون ، وشبعنا ، وفضل في القصعتين ، فحملناه على البعير .

قال أبو عبد الله : (مشعان) : طويل جدا فوق الطول . وقال الأصمعي- فيما حكاه في "الموعب" : شعر مشعان -بتشديد النون- منتفش ، واشعان الرجل اشعنانا ، وهو : الثائر المتفرق . وقال الأزهري أيضا : هو الشعث المنتفش الرأس المغبر .

[ ص: 536 ] وروى عمرو عن أبيه : أشعن الرجل إذا ناصى عدوه فاشعان شعره .

وقال ابن التين : هو شعث الشعر ، ثائر الرأس في قول أكثرهم ، ووزنه مفعال .

وعبارة صاحب "العين" : مشعان إذا كان منتفشا ، ورجل مشعان الرأس . وسواد البطن ، قيل : هو الكبد خاصة ، وقيل : حشوة البطن كلها ، حكاهما صاحب "المطالع" .

وحز : قطع ، والحزة- بضم الحاء : القطعة ، وقال في باب قبول الهدية من المشركين .

ضبط حزة في الأمهات بالضم ، وصوابه كما ضبط ، لأن الحزة بالضم : القطعة ، مثل الأكلة واللقمة ، وأما بالفتح فتعود على الفعل .

وقد سلف -من قول أبي عبيد- أن كل شيء يقال فيه : فعلت فعلة -بالفتح- إلا ثنتين : رأيت رؤية ، وحججت حجة ، يريد إلى الغزو . وقال الداودي : الحزة : القطعة ، وهو كالأول .

أما فقه الباب : فالبيع والشراء من الكفار كلهم جائز إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح ، وما يقوون به عليهم .

قال ابن المنذر : اختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام ، وقبول هداياه وجوائزه ، فرخصت طائفة في ذلك ، كان الحسن البصري لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العقار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وأكله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال تعالى في اليهود :

[ ص: 537 ] أكالون للسحت [المائدة : 42] .

وقال مكحول والزهري : إذا اختلط المال وكان فيه الحلال والحرام فلا بأس أن يؤكل منه ، وإنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرفه بعينه . وقال الحسن : لا بأس ما لم يعرفوا شيئا منه .

وقال الشافعي : لا تجب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه حرام ، وإن بايعه لم أفسخ البيع ; لأن هؤلاء قد يملكون حلالا ، ولا نحرم إلا حراما بينا إلا أن يشتري حراما بينا يعرفه ، والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء .

حجة من رخص في ذلك حديث الباب ، وحديث رهنه درعه عند اليهودي ، وكان ابن عمر ، وابن عباس يأخذان هدايا المختار ، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار ، فأخذها ابن عمر وقال : لقد جاءنا على حاجة ، وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه ، فأخذتها .

وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف ، فقسمته بين أمهات المؤمنين .

وكرهت طائفة الأخذ منهم ، روي ذلك عن مسروق ، وسعيد بن [ ص: 538 ] المسيب ، والقاسم بن محمد ، وبسر بن سعيد ، وطاوس ، وابن سيرين ، والثوري ، وابن المبارك ، ومحمد بن واسع ، وأحمد ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض ، فقال : من أخذ مثل هذه فهو منهم . وسلف هذا المعنى في الزكاة في باب : إعطاء المال من غير مسألة .

وقوله - عليه السلام - : " (بيعا أم عطية ؟ -أو قال : - أم هبة ؟ ") إنما قال ذلك على معنى أنه يثيبه لو كان هدية ، لا أنه كان يقبلها منه دون إثابة عليها ، كما فعل - عليه السلام - بكل من هاداه من المشركين ، بل كان هذا دأبه . وسيأتي في الهبة حكم هبة المشرك إن شاء الله .

وحديث : "إنا لا نقبل زبد المشركين" يعني عطاياهم ، يشبه أن يكون منسوخا كما قال الخطابي ، فقد قبل هدية غير واحد منهم ، أهدى له المقوقس مارية والبغلة ، وأكيدر دومة ، إلا أن يفرق فارق بين هدية أهل الشرك وأهل الكتاب ; لكن هذا الرجل كان مشركا ، ويجوز أن يكون القبول من باب التألف .

وفيه : قصد الرؤساء والأكابر بالسلع لاستجزال الثمن .

[ ص: 539 ] وفيه : أن ابتياع الأشياء من مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو غيره جائز ، حتى يطلع على ما يلزم الورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته بغصب أو سرقة أو غير ذلك . قال ابن المنذر : لأن من بيده الشيء فهو مالكه على الظاهر ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه له بحكم اليد .

وفيه : تأنيس الكافر لإثابته أكثر مما أخذ ، إذ كان ذلك من شأنه .

فرع : اختلف في الذي يهدى إلى الأئمة ، فروي عن علي رده إلى بيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة .

وقال أبو يوسف : هو له . وقيل : إنه - عليه السلام - في ذلك بخلاف غيره ; لأن الله خصه في أموال الحرب بما لم يكن لغيره . قاله الخطابي .

وفيه : ذكر بعض الخبر وحذف باقيه ، إذ لم يذكر فيه قدر ما اشترى به .

وفيه : علم من أعلام نبوته ، حيث أكل من سواد البطن ما ذكر .

وفيه : رأفته بالحاضرين ، وتفقد الغائبين ، وهو رد على جهلة الصوفية حيث يقولون : من غاب غاب نصيبه .

التالي السابق


الخدمات العلمية