التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2200 [ ص: 234 ] 5 - باب: إذا قال: اكفني مئونة النخل أو غيره، وتشركني في الثمر

2325 - حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: " لا". فقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. [2719، 3783 - فتح: 5 \ 8]


ذكر فيه حديث أبي هريرة قال: قالت الأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: "لا". فقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا .

هذا الحديث من أفراده، وخرجه في الشروط أيضا، وهذا القول كان من الأنصار حين قدم عليهم المهاجرون المدينة ومنحوهم المنائح، فلما فتحت خيبر أعادوا منائحهم عليهم، كما ذكره البخاري في العارية من رواية أنس قال: وكانت أم سليم أعطت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عذاقا، فأعطاهن أم أيمن، فلما رد المهاجرون ما كان بأيديهم رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أم سليم عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه وكانت الأنصار أرادوا أن يشركهم المهاجرون في أموالهم ونخيلهم، فأشركهم - عليه السلام - في الثمرة على أن يكفوهم المؤنة.

فظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما تخرج الثمرة؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين، وهذه هي المساقاة. [ ص: 235 ]

قال ابن التين : لما بايع سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار ليلة العقبة اشترط عليهم مواساة من هاجر إليهم، فلما قدم المهاجرون قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا ويعمل كل واحد سهمه.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنهم لا علم لهم بعمل النخل" فقالوا: يكفونا المؤنة . وهذا من قول المهاجرين. وقال بعضهم: إنه من قول الأنصار، وإن فيه حجة على جواز المساقاة . وليس كذلك؛ لأنه يصح أن يحتج به على جوازها وإن كان من قول المهاجرين؛ لأنهم ملكوا معهم نصيبا باشتراطه - عليه السلام - ذاك كما مضى، وتطوعهم بذلك ولم يرجعوا عنه.

فكأنهم جعلوا لهم نصيبا من الثمرة فيما صار إليهم منهم على أن يكفوهم المؤنة، فلما جلا بني النضير، وأراد قسم ما سوى الرباع من ما لهم قال للأنصار: "إن شئتم نقسم على ما كنتم عليه في أموالكم، وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم، وقسمت لهم دونكم ". فاختاروا أخذ أموالهم، وقسم ما سوى الرباع من أموال بني النضير على المهاجرين وثلاثة من الأنصار كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة .

وقال ابن المنير : أشار البخاري في الترجمة إلى حجة المساقاة، وليس في الحديث حقيقتها؛ لأن الرقاب كانت ملكا للأنصار، وهم أيضا العمال عليها، فليس فيه إلا مجرد تمليكهم لإخوانهم نصف الثمر بلا عوض، غير أنهم عرضوا عليهم الملك ثم القسمة، فنزلوا عن الملك المتعلق بالثمرة، وكانوا ساقوا نصيبهم المعروض عليهم بجزء من الثمرة، وكان الجزء مبينا إما بالنص، أو العرف، أو بإطلاق [ ص: 236 ] الشركة منزل على النصف، وهو مشهور مذهب مالك، والجزء المنسوب إلى الأصل هنا هو الكل بالنسبة إلى النصيب المعروف، قال: ومذهبنا أن المساقاة على أن كل الثمرة للمالك جائزة.

وقال المهلب : إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم، فكره - عليه السلام - أن يخرج شيئا من عقارهم، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد حتى يستغني جميعهم، فأشركهم كما سلف، وهذه هي المساقاة بعينها.

قال غيره: فإن وجد في بعض طرق الحديث مقدار الشركة في الثمرة صير إليه، وإلا فظاهر اللفظ النصف؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يذكر فيها جزء معلوم حملت على المساقاة. وعن مالك في رجلين اشتريا سلعة فأشركا فيها ثالثا، ولم يسميا له جزءا: أن السلعة بينهم أثلاثا. فهذا يدل من قوله أنه لو كان المشرك واحدا كانت بينهما نصفين.

واختلف أهل العلم في الرجل يدفع المال قراضا على أن للعامل شركا في الربح . فقال الكوفيون: له ذلك في أجر مثله، والربح والوضيعة على رب المال، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور .

وقال ابن القاسم : يرد في ذلك إلى قراض مثله. وقال الحسن البصري، وابن سيرين : له النصف، وهو قول الأوزاعي وبعض أصحاب مالك . [ ص: 237 ]

وحديث الباب يدل على صحته؛ لأن من رد القرض في ذلك إلى أجر مثله أو إلى قراض مثله فعلته أنه فاسد إذا لم يعلم مقدار الشركة في الربح.

ولو كان كما قالوا لكان مساقاة المهاجرين للأنصار فاسدة حين لم يسموا لهم مقدار ما يعملون عليه.

والقراض عند أهل العلم أشبه شيء بالمساقاة. ومحال أن تكون مساقاة المهاجرين للأنصار عن أمره - عليه السلام - ورأيه الموفق فاسدة.

فائدة: النخيل جمع نخل، ونخل جمع نخلة، ولا يجمع فعل على فعيل إلا في القليل من كلامهم نحو: عبد وعبيد، وكلب وكليب.

التالي السابق


الخدمات العلمية