التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2246 2375 - حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي، عن أبيه حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أنه قال: أصبت شارفا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مغنم يوم بدر قال: وأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شارفا أخرى، فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت معه قينة، فقالت:

ألا يا حمز للشرف النواء.

فثار إليهما حمزة بالسيف، فجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، ثم أخذ من أكبادهما - قلت لابن شهاب: ومن السنام؟ قال: قد جب أسنمتهما فذهب بها - قال ابن شهاب: قال علي رضي الله عنه: فنظرت إلى منظر أفظعني فأتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر، فخرج ومعه زيد، فانطلقت معه، فدخل على حمزة فتغيظ عليه فرفع حمزة بصره وقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقهقر حتى خرج عنهم، وذلك قبل تحريم الخمر.
[انظر: 2089 - مسلم: 1979 - فتح: 5 \ 46].
[ ص: 374 ]

ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث الزبير بن العوام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأن يأخذ أحدكم أحبلا، فيأخذ حزمة من حطب فيبيع، فيكف الله به وجهه، خير من أن يسأل الناس أعطي أو منع".

ثانيها:

حديث أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع أبا هريرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسال أحدا فيعطيه أو يمنعه" .

وقد سلفا في باب الاستعفاف عن المسألة، وأبو عبيد (ع) هذا اسمه سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن الأزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وينسب أيضا إلى عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف؛ لأنهما ابنا عم، القرشي الزهري الذي مات سنة ثمان وتسعين، تابعي.

ثالثها:

حديث علي : أصبت شارفا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مغنم يوم بدر قال: وأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شارفا أخرى فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة عرس فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب [ ص: 375 ] يشرب في ذلك البيت... الحديث، وسلف بعضه في باب: ما قيل في الصواغ.

في الباب: إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاء من نبات الأرض، كل ذلك مباح حتى يقع الحظر من مالك الأرض فترتفع الإباحة، وعن مالك: من كانت له أرض يملكها ليست بأرض جزية فأراد أن يبيع ما ينبت فيها من المرعى بعد (طيبه) أنه لا بأس به.

وقال أشهب : لا يجوز ذلك؛ لأنه رزق من رزق الله، ولا يحل لرب الأرض أن يمنع منه أحدا للحديث السالف: "لا يمنع فضل الماء؛ ليمنع به الكلأ" ولو كان النبات في حائط إنسان لما حل له أن يمنع منه أحدا للحديث السالف. "لا حمى إلا لله ولرسوله". وقال الكوفيون كقول أشهب.

وفيه: أن تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام العادة فيها أن تهدر من أجل القرابة، كما هدر علي قيمة الناقتين، والجناية فيهما مع وكيد الحاجة إليهما، وإلى ما كان يستقبله من الإنفاق في وليمة عرسه.

وفيه: أن للإمام أن يمضي إلى أهل بيت بلغه أنهم على منكر فيغيره .

وفيه: علة تحريم الخمر . ومعنى قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر [المائدة: 91] الآية، من أجل ما جفى به حمزة على الشارع من هجر القول. [ ص: 376 ]

قوله: (ومعي رجل صائغ) كذا في الأصول، وعند أبي ذر وأبي الحسن . (طالع) أي: يدله على الطريق. و (قينقاع): مثلث النون كما سلف. و (القينة): المغنية وتطلق على الماشطة والأمة. قال ابن فارس : والعامة تسمي المغنية: قينة.

وقوله: (فقالت: يا حمز للشرف النواء) حمز مرخم، فإن شئت ضممت الزاي أو فتحتها. (والشرف): جمع شارف وهي المسنة من النوق. قال الداودي : والشرب القوم يجتمعون على الشراب. و (النواء) جمع ناوية، والناوية: السمينة، وقد نوت نياء ونواية. قال أبو حنيفة : أنوينا إبلنا أسمناها، وقال الخطابي : الني: السمين، والني: اللحم الطري، وقال الداودي : النواء: الحباء والكرامة، جعل الفاء ياء توهما فعكس المعنى ولم يروه أحد بالباء، وكذلك تصحف عليه النواء والبيت معروف مشهور وآخره: فهن معقلات بالفناء، وإنما أخذ حمزة السنام والكبد؛ لأن العرب تقول: أطايب الجزور السنام والكبد. (وثار): وثب. (وجب) قطع. وقيل: للخصي مجبوب أي: مقطوع، (وبقر): شق، (وأفظعني): هالني، قال ابن فارس : أفظع الأمر وفظع: اشتد وهو مفظع وفظيع، ودخول علي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن حارثة عنده فيه خصوصيته به، وكانوا يلجئون إليه في نوائبهم. [ ص: 377 ]

وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قال الداودي : يعني: لأن أباه جدهم، وهو أب، والجد كالسيد، وظاهره بخلاف ذلك؛ لأن حمزة كان ثملا، فقال ما ليس بحق، وكذلك قال: (هل أنتم إلا عبيد لآبائي).

وقيل فيه: إن السكران إذا نطق وافترى لا شيء عليه، وعورض بأن الشارع وعليا تركا حقوقهما، وأيضا فالخمر كانت حلالا إذ ذاك بخلاف الآن فيلزم بذلك؛ لأنه أدخله على نفسه.

ومعنى: (يقهقر): يرجع وراءه. وقوله: (وذلك قبل تحريم الخمر)، سببه أن حمزة توفي يوم أحد وحرمت بعد، ولذلك عذره. قال الخطابي : ومن قال بعده لم يعذر.

التالي السابق


الخدمات العلمية