التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2992 [ ص: 379 ] 15 - باب: كتابة القطائع

2377 - وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أنس رضي الله عنه: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله، إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني ". [انظر: 2376 - فتح: 5 \ 48]


وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أنس : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله، إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنكم سترون بعدي... " الحديث.

الشرح:

قال أبو نعيم : ذكر البخاري حديث الليث بلا رواية، وأراه أنه كان عنده عن عبد الله بن صالح فلذلك أرسله.

وعند الإسماعيلي : أقطع الأنصار البحرين أو أراد أن يعطيهم أو دعاهم ليقطعهم. قالوا: لا، حتى تقطع إخواننا من المهاجرين مثل الذي أقطعتنا، وفي لفظ: دعا الأنصار ليقطعهم البحرين أو طائفة منها.

قال حماد بن زيد : قال يحيى : فمن لهم في هذا الأمر ما للأنصار أمرهم أن يصبروا حتى يلقوه، فمن لم يكن له من الحق ما للأنصار أن يصبر.

قال الإسماعيلي : ذكر الكتاب الثوري وابن عيينة وأبو بكر بن عياش والثقفي وجرير والقاسم بن معن وغيرهم عن يحيى، ولفظه: "ستلقون بعدي أثرة " للأنصار، رواها البخاري، عن أسيد بن حضير في مناقب [ ص: 380 ] الأنصار. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف، وعن أنس بن مالك بزيادة: "أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض".

إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

(ليقطع لهم) بضم الياء من أقطع، يقال: استقطع فلان الإمام إذا سأله أن يعطيه شيئا وهو تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئا يحوزه إما أن يملكه إياه فيعمره أو يجعل له غلته مدة. وفي الحديث: لما قدم المدينة أقطع الناس الدور، أي: أنزلهم في دور الأنصار.

قال صاحب "المطالع": والذي في هذا الحديث ليس من هذا، فإن البحرين كانت صلحا فلم يكن لهم في أرضها شيء وإنما هم أهل جزية، وإنما معناه عند علمائنا: إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه فقال: منه أقطع بالألف وأصله من القطع كأنه قطعه له من جملة المال. وقد جاء في [ ص: 381 ] حديث بلال بن الحارث أنه - عليه السلام - أقطعه معادن القبلية، رواه أحمد .

وقال الخطابي : إقطاعه من البحرين كان على أحد وجهين إما من الموات الذي لم يملكه أحد فيملك بالإحياء، وإما أن يكون من العمارة من حقه في الخمس، فقد روي أنه افتتح البحرين فترك أرضها فلم يقسمها كما فتح أرض بني النضير فتركها ولم يقسمها كما قسم خيبر.

قال: وذهب أكثر أهل العلم إلى أن العامر من الأرض للحاضر النفع، والأصول من الشجر كالنخل وغيرها، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة كالملح والقار والنفط ونحوها لا يجوز إقطاعها، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الماء والملح، وما في معناهما مما يستحقه الآخذ له بالسبق إليه، فليس لأحد أن يحتجزها لنفسه أو يحظر منافعها على أحد من شركائه المسلمين.

وقد روي أنه - عليه السلام - أقطع أبيض بن حمال المازني ملح مأرب، فقال رجل: يا رسول الله، إنه كالماء العد؛ قال: "فلا إذا" رواه أصحاب السنن الأربعة واستغربه الترمذي، وفي بعض نسخه تحسينه، وصححه ابن حبان . [ ص: 382 ]

وخالف ابن القطان .

ولابن ماجه أنه - صلى الله عليه وسلم - لما استقاله أقطع له أرضا بالجرف، جرف مراد مكانه حين أقاله منه، وللترمذي مصححا أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حمى الآراك فقال: "لا حمى فيه"، فأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها، فإن ذلك لا يوجب الملك البات، ومن أقطع شيئا منها كان له ما دام يعمل فيه، فإذا قطع العمل عاد إلى أصله، فكان للإمام إقطاعه غيره.

ونقل ابن بطال عن إسماعيل بن إسحاق : أن مال البحرين كان من الجزية - وقد أسلفناه -؛ لأن المجوس كانوا فيها كثيرا في ذلك الوقت بسبب سلطان كسرى كان بها وكان فيها أيضا من أهل الذمة سوى المجوس، وكان عامله عليها أبان بن سعيد بن العاص .

قال ابن بطال : فهذا يدل أن الذي أراد أن يقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض؛ لأنها كانت أرض صلح يؤدي أهلها الجزية عليها، وإنما أراد أن يقطع لهم مالا يأخذونه من جزية البحرين؛ لأن الجزية تجري مجرى الخراج والخمس، يجوز أخذها للأغنياء، وليست تجري مجرى الصدقة. [ ص: 383 ]

ثانيها:

قوله: (فلم يكن ذلك عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) يعني: فلم يرده؛ لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير حين جلوا عنها فاستغنوا عن (زبد) الأنصار ومشاركتهم وردوا إليهم منائحهم.

ثالثها:

قوله للأنصار: ("إنكم سترون بعدي أثرة") يدل أن الخلافة لا تكون فيهم، ألا ترى أنهم جعلهم تحت الصبر إلى يوم يلقونه، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه.

رابعها:

(الأثرة): بضم الهمزة وإسكان الثاء، ويروى بفتحهما. قال صاحب "المطالع": وبهما قيده الجياني وهما صحيحان، ويقال أيضا: بكسر الهمزة وإسكان الثاء. قال الأزهري : وهو الاستئثار أي: يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم. وعن أبي علي القالي . الأثرة: الشدة، وفي "الواعي" عن ثعلب : إنها بالضم خاصة: الجدب والحال غير المرضية، وعن غيره: التفضيل في العطاء، وجمع الأثرة: أثر، والإثرة: إثر. وقال ابن التين : الأثرة: ما يؤثر به الرجل، أي: يفضل. قال: وقيل: معناه: سترون استئثارا عليكم واستبدادا بالحظ دونكم فلم يبن من يؤثر عن نفسه في الخصاصة وبين من يستأثر بحق غيره. [ ص: 384 ]

خامسها:

روي في الإقطاعات أحاديث منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند الشيخين: كنت أنقل النوى من أرض الزبير - التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأسي وهو على (ثلاثة فراسخ).

ولأبي داود : أقطعه نخلا.

وعن ابن عمر من رواية العمري : أقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزبير حضر فرسه.

وفي "الأموال" لأحمد بن عمرو (ق) بن أبي عاصم (ع) النبيل من حديث علقمة بن وائل عن أبيه أنه - صلى الله عليه وسلم - أقطعه أرضا فأرسل معي معاوية وقال: أعلمها إياه، ومن حديث زياد بن أبي هند الداري : سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ستة إخوة أن يقطعنا أرضا من الشام وهو يومئذ بمكة فكتب لنا ببيت عين وجبرين وبيت إبراهيم لنا ولأعقابنا .

وعن مجاعة اليمامي قال: أقطعني النبي - صلى الله عليه وسلم - الغورة وعوانة والخبل .

ولأبي داود عن عمرو بن حريث قال: خط لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دارا [ ص: 385 ] بالمدينة بقوسه .

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرضا وأعطى أبا بكر... الحديث. وعن عثمان بن أبي حكيم عن أبيه، عن جده صخر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا ثقيفا ... الحديث.

وفيه: قلت: يا رسول الله، إنهم هربوا عن الماء فأنزلنيه أنا وقومي فأنزله... الحديث. [ ص: 386 ]

وعن قيلة بنت مخرمة قالت: سأل حريث بن حسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب بينه وبين تميم بالدهناء لا يجاوزها منهم إلينا أحد؛ فقال: "اكتب يا غلام بالدهناء"، قلت: يا رسول الله، الدهناء مقيل الجمل ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك فقال: "أمسك يا غلام صدقة المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ".

وعن سبرة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أهل ذوي المروءة؟ " فقالوا: (بني) رفاعة من جهينة فقال: "قد أقطعتها لبني رفاعة ".

التالي السابق


الخدمات العلمية