التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2302 2434 - حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مكة قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقيد". فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر". فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اكتبوا لأبي شاه". قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [انظر: 112 - مسلم: 1355 - فتح: 5 \ 87].


وقال أحمد بن سعيد، ثنا روح، ثنا زكريا، ثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة به.

ثم ساق حديث أبي هريرة في ذلك مطولا. [ ص: 539 ]

والتعليق الأول سبق مسندا في الحج وكذا الثاني عن ابن المثنى ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد به، والثالث أسنده النسائي .

قال أبو مسعود : وقال لي ابن منده : رواه - يعني: البخاري - في موضع آخر من الصحيح عن رجل آخر عن أبي عاصم، عن زكرياء قال أبو مسعود : ولم أره في كتاب البخاري من حديث أبي عاصم أصلا. واختلف في أحمد بن سعيد هذا، فذكر ابن طاهر أنه أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي، ورواه أبو نعيم من جهة خلف بن سالم، عن روح، ثنا زكريا، وقال آخره: ذكره البخاري، عن أحمد بن سعيد وهو الدارمي - فيما أرى - عن روح .

واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكم لقطتها حكم لقطة سائر البلدان. قال ابن المنذر : رويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد . وقالت طائفة: إن لقطتها لا تحل البتة، وليس لواجدها إلا إنشادها، هذا قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد، قال ابن مهدي : معنى قوله: "إلا لمنشد لا تحل لقطتها" كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد؟ [ ص: 540 ] فقال: "إلا لمنشد" وهو يريد المعنى الأول كما يقول الرجل: والله لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد . قوله: "إلا لمنشد" يعني: إلا من سمع ناشدا يقول: من أصاب كذا فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها لكي يردها على صاحبها.

ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل .

قال الطحاوي : وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا ووصف مكة قال: " ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها ". ومن حديث أبي هريرة مرفوعا: "ولا يرفع لقطتها إلا منشد".

وفيها قول رابع - يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد : وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه - عليه السلام - سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: "أيها الناشد غيرك الواجد ".

قال أبو عبيد : وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي .

قال ابن بطال : ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله: [ ص: 541 ]

" لا تحل لقطتها إلا لمنشد " معنى تختص به مكة دون غيرها كما تختص سائر ما ذكر في الحديث؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد الحول الانتفاع بها، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص مكة، ومخالفة لقطتها غيرها من البلدان، كما خالفتها في كل ما ذكر في الحديث، من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى غير ذلك مما خصت به، من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ولا جرى فيهم الرق كغيرهم.

ومن الحجة أيضا لذلك: أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة بعد الحول؛ حفظا لها على ربها وحرزا لها؛ لأنه لا يقدر على إيصالها إليه، ويخشى تلفها فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته. ولقطة مكة يمكن إيصالها إلى ربها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب، وإن كان غريبا لا يقيم بها. فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك؛ لأنها تقصد في كل عام من أقطار الأرض، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدا أوشك أن يجدها باغيها ويصل إليها ربها، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد.

قال الطحاوي : رواية ابن عباس وأبي هريرة السالفتين تمنع أخذها إلا للإنشاد بها، وقد أباح الحديث أخذ لقطة الحرم لتعرف؛ فاحتمل أن يكون ذلك أن تنشد ثم ترد مكانها، واحتمل أن يكون لغيرها. وسئلت عائشة عن ضالة الحرم بعد تعريفها، فقالت لملتقطتها: استنفقي بها، رواه عنها معاذة . [ ص: 542 ]

وأما النهي عن لقطة الحاج؛ فلأن الحاج يجمع أهل البلدان، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فإذا أخذها لا يقدر على صاحبها بخلاف غيرها.

فائدة:

قوله: (فقام أبو شاه). قال القاضي عياض : مصروفا ضبطه - يعني: بعضهم -، وقرأته أنا معرفة ونكرة، وكذا هو في "المطالع". وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبة. وقال النووي : هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف لا خلاف في ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية