التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2324 2456 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، أن رجلا من الأنصار يقال له أبو شعيب كان له غلام لحام، فقال له أبو شعيب: اصنع لي طعام خمسة لعلي أدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - خامس خمسة. وأبصر في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الجوع، فدعاه، فتبعهم رجل لم يدع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن هذا قد اتبعنا أتأذن له؟ ". قال: نعم. [2081 - مسلم: 2036 - فتح: 5 \ 106]


تقدير ذلك كما قال ابن التين : إذا أذن إنسان لآخر في شيء، فلما سقط حرف الجر تعدى الفعل فنصب مثل: واختار موسى قومه سبعين رجلا [الأعراف: 155].

ثم ساق حديث جبلة : كنا بالمدينة في بعض أهل العراق، فأصابتنا سنة، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، فكان ابن عمر يمر بنا فيقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه .

وحديث أبي مسعود، أن رجلا من الأنصار يقال له أبو شعيب كان له غلام لحام، فقال له أبو شعيب : اصنع لي طعام خمسة لعلي أدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - خامس خمسة. وأبصر في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الجوع، فدعاه، فتبعهم رجل لم يدع... الحديث. [ ص: 609 ]

وقد سلف بطوله في باب: ما قيل في اللحام والجزار من البيوع، وانفرد به مسلم من طريق جابر، وأخرج الأول مسلم أيضا والأربعة.

قال شعبة : لا أرى هذه الكلمة إلا كلمة ابن عمر . يعني: الاستئذان، كذا في مسلم، وفي البخاري عن شعبة : الإذن من قول ابن عمر .

وذكر الحافظ الخطيب في كتابه "الفصل والوصل" أن قوله: (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) من قول ابن عمر وليس من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بين ذلك آدم بن أبي إياس وشبابة بن سوار عن شعبة، وقال عاصم بن علي عن شعبة : أرى الإذن من قول ابن عمر .

قلت: قد أخرجا من حديث جبلة بن سحيم : سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعا حتى يستأذن أصحابه، وهذا ظاهر في رفعه.

ولأحمد من حديث الحسن عن سعد مولى أبي بكر قال: قدمت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمرا، فجعلوا يقرنون فقال - عليه السلام -: "لا تقرنوا ".

ولابن شاهين في "ناسخه" من حديث عطاء الخراساني عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعا: " إني كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، وإن الله - عز وجل - قد أوسع الخير فأقرنوا ". [ ص: 610 ]

ثم قال: الحديث الذي فيه النهي صحيح الإسناد، والذي فيه الإباحة ليس بذاك القوي؛ لأن في سنده اضطرابا، وإن صح فيحتمل نسخه للنهي.

وقال الحازمي - وقد ذكرهما -: الإسناد الأول أصح وأشهر من الثاني، غير أن الخطب في هذا الباب يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات والتكاليف، وإنما هو من قبيل المصالح الدنياوية فيكفي في ذلك الحديث الثاني، ثم يشيده إجماع الأمة على خلاف ذلك، ثم قيل: إن النهي كان حيث كان العيش زهيدا والقوت متعذرا؛ مراعاة لجانب الضعفاء والمساكين؛ حثا على الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب المعدلة حالة الاجتماع والاشتراك، فلما اتسع الحال قال: فشأنكم إذا.

إذا تقرر ذلك، فالإذن لا يكون إلا فيما يملكه الذي أذن فيه كما أذن صاحب اللحم للرجل الذي جاء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاز له الأكل من ذلك الطعام، وكما أجاز - عليه السلام - القرآن في التمر - إذا أذن فيه أصحابه - الذي وضع بين أيديهم؛ لأنهم متساوون في الاشتراك في أكله، فإذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك من الاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام، ولا أنفس الذين بين أيديهم إلا ما وضع للناس، فسبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح وإن تفاضلوا في الأكل.

وقوله: (نهى عن الإقران): كذا في البخاري، والمعروف خلافه. [ ص: 611 ]

قال ابن التين : وقع رباعيا، والذي في اللغة: قرن ثلاثي.

قال القرطبي : كذا لجميع رواة مسلم : الإقران، وليست معروفة، والصواب: القران ثلاثي.

قال الفراء : لا يقال: أقرن. وقال غيره: إنما يقال: أقرن على الشيء إذا قوي عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى: وما كنا له مقرنين [الزخرف: 13] أي: مطيقين. قال: وقد جاء في "الصحاح": أقرن الدم العرق، واستقرن أي: كثر، فيحتمل أن الإقران في هذا الحديث على ذلك، ويكون معناه النهي عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى.

ونقل المنذري عن أبي محمد المعافري أنه يقال: قرن بين الشيئين وأقرن: إذا جمع بينهما. والنهي عن القران وجهان ذكرهما أبو موسى في "مغيثه" أحدهما: ذهبت عائشة وجابر إلى أنه قبيح وفيه شره وهلع وهو يزري بصاحبه. الثاني: أن التمر كان من جهة ابن الزبير وكان ملكهم فيه سواء، فيصير الذي يقرن أكثر أكلا من غيره، فأما إذا كان ملكا له فله أن يأكل، كما روي أن سالما كان يأكل التمر كفا كفا.

وقيل: إذا كان الطعام بحيث يكون شبعا للجميع كان مباحا له لو أكله، وجاز أن يأكل كما شاء. [ ص: 612 ]

وحمل أهل الظاهر النهي على التحريم مطلقا، وهو منهم ذهول عن مساق الحديث ومعناه، وحمله جمهور العلماء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث، وقد اختلف العلماء فيما يملك من الطعام حين وضعه، فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم فيحرم أن يأكل أحد أكثر من الآخر، وإن قلنا إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه فهو سوء أدب وشره ودناءة وكان مكروها.

وحمله ابن التين على ما إذا استوت أثمانهم فيه، مثل أن يتخارجوا في ثمنه أو يهبه لهم رجل أو يوصي لهم به، وأما إن أطعمهم هو فروى ابن نافع عن مالك: لا بأس به.

وفي رواية ابن وهب : ليس بجميل أن يأكل تمرتين أو ثلاثا في لقمة دونهم.

وقال النووي: اختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب، والصواب التفصيل - كما سبق - وستأتي له تكملة في كتاب: الأطعمة، إن شاء الله.

وقوله في حديث أبي مسعود : (وأبصر في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع) إنما ذلك ليعظم، وتتأسى أمته به.

وفيه: أنهم كانوا يرصدون أحواله.

وقوله: ("إن هذا تبعنا") كذا في الأصول. قال ابن التين : كذا وقع عند أبي ذر، ووقع عند أبي الحسن (اتبعنا) بالألف. قال الداودي : معنى اتبعنا: سار معنا، وتبعهم: لحقهم. واحتج بقول الشاعر:


مازلت أتبعهم حتى تبعتهم

[ ص: 613 ] وقال ابن فارس : تبعت فلانا: إذا تلوته، واتبعته: إذا لحقته، وبنحوه ذكره الجوهري : تبعت القوم: إذا تلوتهم وقفوني فسرت معهم. وقال الأخفش : تبع وأتبع سواء مثل ردف وأردف.

قال ابن التين : والصواب: أن يقرأ اتبعنا بتشديد التاء على بناء افتعل من تبع، فمعناه مثل معنى تبع. وعلى قول الداودي : إنه رباعي يتوهم أنه يناقض الحديث؛ لأنه قال في رواية في أوله: فتبعهم رجل. وقوله: (تبعهم): لحقهم. لم يقله أحد غير الفراء قال: تبعهم: لحقهم، وأتبعهم: ألحقهم، والشعر الذي ذكره ليس بشعر، وإنما هو مثل كما نص عليه الهروي، وهو صحيح؛ لأن معناه لا يستقيم على ما توهمه أبو جعفر؛ لأنه على قوله مازلت أسير معهم حتى لحقتهم، وهو كلام غير صحيح.

التالي السابق


الخدمات العلمية