التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2326 [ ص: 616 ] 16 - باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه

2458 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - - أخبرتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: " إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها". [2680، 6967، 7169، 7181، 7185 - مسلم: 1713 - فتح: 7 \ 105]


ذكر فيه حديث أم سلمة أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها ".

الشرح: الحديث دال على أن [القوي على البيان البليغ في تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيانه فيقضي له على خصمه، وليس ذلك يحل ما حرم عليه لقوله: "فإنما هي قطعة من النار" أي: يوجبها في الآخرة إلا أن يقتص لصاحبها منه أو يعوضه الله منه، وهذا هو معنى قوله تعالى: وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [البقرة: 188] وسيأتي بسط ذلك وما ينتزع منه في كتاب الأحكام، إن شاء الله.

ونذكر لك منه أمورا منها قوله: ("فليأخذها"): خرج بلفظ الخبر، والمراد به النهي والتهديد والوعيد كقوله: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] [ ص: 617 ] ومنها الحكم بالظاهر تشريعا للأمة وهو كقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله "، وقوله في حديث المتلاعنين: " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".

وحكم الحاكم لا يبيح محظورا؛ خلافا لأبي حنيفة إذا شهدا بزور أن فلانا طلق زوجته أن للشاهد تزوجها، كما ستعلمه في موضعه.

ومنها: أن كل مجتهد ليس مصيبا وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد ووقع الاجتهاد موضعه، وقام الإجماع على أن حكم الحاكم في المال لا يبيح محظورا، واختلفوا في النكاح والطلاق.

ومنها: حكمه بالاجتهاد وهو قول المحققين كما نقله القاضي .

ومنها: أنه روي في هذا: "إنما أحكم بما أسمع" و (إنما) للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع.

وقد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، وروي عن شريح . وذهبت فرقة أخرى إلى أنه (يقضي) بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود، وبه قال أبو ثور والشافعي في أحد قوليه، والأصح عنده أنه يقضي بعلمه إلا في الحدود. [ ص: 618 ]

وذهبت فرقة ثالثة إلى التفريق، فمنهم من قال: يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال خاصة، وهو قول الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه أيضا، ومنهم من قال: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره في الأموال خاصة؛ سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي في أحد قوليه.

وذهب بعض أصحابهم إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصة ولم يشترط مجلس القضاء.

واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأن ذلك ضروري في حقه.

ومنها: أن البينة مسموعة بعد اليمين وهو الذي فهمه البخاري وبوب له بعد: من أقام البينة بعد اليمين؛ وإن كان الإسماعيلي أنكر ذلك وقال: ليس في الخبر الذي ذكره دلالة على قبول البينة بعد يمين المسلم.

ومنها: معنى ("أبلغ من بعض") ، ولابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة : " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ".

قال الزجاج : بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. [ ص: 619 ]

وقال غيره: البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ولهم عبارات أخر، قيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار.

وذكر ابن رشيق في "عمدته" أنها قليل يفهم وكثير لا يسأم.

وقيل: إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، أو معان كثيرة في ألفاظ قليلة، أو إصابة المعنى وحسن الإيجاز، أو سهولة اللفظ مع حسن البديهة، أو لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية أو الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطأ.

وجعل ابن المقفع من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز، ولبعض الكلبيين:

واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالا

وقيل: إنها معرفة الفصل و (الوصل) أو يكون أول الكلام يدل على آخره وعكسه.

وأما اللحن، فقال أبو زيد : لحنت له بالقول ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره، واللحن بالتحريك كما قال الخطابي : الفطنة، وقد لحن بالكسر يلحن لحنا بسكون الحاء: الزيغ في الإعراب، والمصدر من الأول بفتح حائه وتسكن.

قال مالك بن أسماء الفزاري من أبيات:


منطق صائب وتلحن أحيا     نا وخير الحديث ما كان لحنا

[ ص: 620 ] وما ذكره الجاحظ في "تبيانه" من أن الجارية يستحسن منها اللحن، واستشهد بقول مالك، فقد رد عليه.

ومنها: وهو ينعطف على ما مضى - قال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو طلاق وما أشبه ذلك، أن ذلك كله إن كان في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما علم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم بالظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبا شيئا من تمليك ولا تحليل ولا تحريم، وممن قال ذلك أبو يوسف، وخالفهم آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن، كما قال - عليه السلام -: " فمن قضيت له شيئا " الحديث. وما كان من ذلك قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم الجرح، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهرا وباطنا.

واستدل بأنه - عليه السلام - فرق بين المتلاعنين، ولو علم صدق المرأة لحد الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا، ولم يفرق بينهما، فلما خفي عليه الصادق منهما وجب حكم آخر، وهو حرمة الفرج على الزوج ظاهرا وباطنا، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن يكون كل قضاء ليس فيه تمليك أموال أنه على الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم، والتحليل في الظاهر والباطن جميعا، وأنه خلاف الأموال [ ص: 621 ] التي يقضى بها على حكم الظاهر، وهي في الباطن على خلاف ذلك، فيكون حديث الباب على القضاء في الأموال، وأن حديث المتلاعنين على القضاء بغير الأموال حتى تتفق معاني الأخبار، وقد حكم الشارع في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها وتحرم على المشتري، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذا لقضى بما قال الصادق منهما ولم يقض بفسخ بيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا كان ذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجاب ابن رشد عن اللعان بأن الفرقة فيه إنما وقعت؛ عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب.

ومنها: العمل بالظن حيث قال: فأحسب أنه (صادق) وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم، ومنها مخرج الغالب حيث قال: ("من حق أخيه") فإنه خرج مخرج الغالب؛ لأن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية