التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2332 [ ص: 639 ] 21 - باب: صب الخمر في الطريق

2464 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى، أخبرنا عفان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم. فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية [المائدة: 93]. [4617، 4620، 5580، 5582، 5583، 5584، 5600، 5622، 7253 - مسلم: 1980 - فتح: 5 \ 112]


ذكر فيه حديث أنس رضي الله عنه: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم. فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا .

هذا الحديث ذكره فيما يأتي بألفاظ أخر منها، فقال أبو طلحة : فاخرج فانظر لنا ما هذا الصوت فخرجت، فقلت: هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، ومنها: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، وفي لفظ: وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء، فقال أبو طلحة : قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. قال أنس : فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت؛ ويأتي في التفسير أيضا، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأشربة. [ ص: 640 ]

إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

سميت الخمر لمخامرتها العقل، أي: مخالطتها له أو لتغطيتها إياه، تذكر وتؤنث.

وجزم ابن التين بالتأنيث. قال ابن سيده : هي ما أسكر من عصير العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد تذكر، والجمع: خمور.

وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في "ناسخه": سميت؛ لأنها صعد صفوها ورسبت كدرتها.

وقال ابن الأعرابي : لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها.

وجعلها أبو حنيفة الدينوري من الحبوب وهو تسمح؛ لأن [ ص: 641 ] حقيقتها من العنب، ولها عدة أسماء نحو المائتين عددتها على حروف المعجم في "لغات المنهاج" فراجعها منه.

ثانيها:

(الفضيخ) بفاء مفتوحة، ثم ضاد وخاء معجمتين. قال أبو حنيفة عن الأعراب: هو ما اعتصر من العنب اعتصارا فهو الفضيخ؛ لأنه يفتضخ، وكذلك فضيخ البسر.

قال ابن سيده : وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ - يعني: المشدوخ - زاد الجوهري : من غير أن تمسه النار.

وقال ابن فارس : يشدخ وينبذ، وفي "مجمع الغرائب": ويروى عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوح.

وقال بعضهم: هو شراب يتخذ من البسر المشدوخ، فهو فضيخ أو فضوح؛ لأنه من البسر المشدوخ. أي: لأنه يسكر صاحبه فيفضحه.

وقال الداودي : يهشم البسر ويجعل معه الماء، وقاله الليث، وسيأتي إيضاحه في الأشربة أيضا.

ثالثها:

كان تحريم الخمر في السنة الثالثة من بعد غزوة أحد، قاله ابن سعد. [ ص: 642 ]

وقوله: (فأمر مناديا ينادي) وفي رواية: (وأتاهم آت)، يعني: أن الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الآمر يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله، قاله الداودي . والظاهر كما قال ابن التين أنهما مختلفان، وفيه الإشهار بالنداء.

والسكك: الطرق، جمع سكة.

وقوله: (كنت ساقي القوم) لأنه ربيب أبي طلحة، والذين سقاهم أبو طلحة وأبو عبيدة وأبي بن كعب وغيرهم كما سلف.

وقوله: (اخرج فأهرقها) قال ابن التين : الهاء زائدة ليست أصلية؛ لأن فاءه راء، وإنما دخلت الهاء لأنها دخلت في مستقبله وثبتت فيه بخلاف غيره لإبدالها هاء، وكذا أرقت الماء فأنا أهريقه، بدلت من الهمزة لقرب الهاء منها، والأمر من المستقبل.

وقوله: (فهرقتها) بدلت أيضا من الهمزة، وليست من أصل الفعل. أعني: الهمزة والهاء.

رابعها:

كان هذا في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، وأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق، نبه عليه ابن التين، وعلله بخوف أذى المسلمين.

قال: وقد منع سحنون أن يصب ماء من بئر وقعت فيه فأرة في الطريق، وأيضا فكان صبها في الطريق أشهر؛ لبيان تحريمها وإظهاره، وكذا قال المهلب : إنما جاز هرقها في الطرق للسمعة بذلك، والتشنيع والإيثار لله في رفضها، والإعلان بنبذها، ولولاه ما حسن هرقها في الطرق من أجل أذى الناس في ممشاهم، ونحن [ ص: 643 ] نمنع من إراقة الماء الطاهر في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم، فكيف الخمر !

واستدل لابن حزم على طهارتها بهذا الحديث؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافيا فما يصيب قدمه لا ينجس به.

خامسها:

فيه: قبول خبر الواحد .

سادسها:

حرمة إمساكها، ونقل النووي اتفاق الجمهور عليه.

سابعها:

قول من قال: (قتل قوم وهي في بطونهم) صدر عن غلبة خوف وشفقة أو عن غفلة عن المعنى؛ لأن الخمر كانت مباحة أولا، ومن فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع.

التالي السابق


الخدمات العلمية