التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2400 [ ص: 199 ] 11 - باب: إذا أسر أخو الرجل أو عمه، هل يفادى إذا كان مشركا؟

وقال أنس: قال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فاديت نفسي، وفاديت عقيلا. [انظر: 421]

وكان علي له نصيب في تلك الغنيمة التي أصاب من أخيه عقيل وعمه عباس.

2537 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى، عن ابن شهاب قال: حدثني أنس رضي الله عنه أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. فقال: " لا تدعون منه درهما". [3048، 4018 - فتح: 5 \ 167]


ثم ساق حديث أنس: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. فقال: "لا تدعوا منه درهما".

الشرح: قوله: (وكان علي له نصيب في تلك الغنيمة)؛ يريد: فلم يعتق عليه أخوه عقيل ولا عمه إذ كان مشركا. كذا تأوله البخاري، ولا فرق عند مالك بين كونه مشركا أو مسلما; لأنه حكم بين مسلم ومشركين فيجري فيه حكم المسلمين، واحتج به لقول الشافعي: إن ملك أخاه لا يعتق عليه. ومشهور قول مالك أنه يعتق عليه. وانفصل عنه بعض الشافعية بأن نصيب علي لا يتعين إلا بالقسمة. وقد [ ص: 200 ] قال مالك: من سرق من الغنيمة قطع، أو زنى يحد. فقيل: له فيها نصيب. فقال: كم عسى نصيبه من ذلك! فعلى هذا إن قبل الغانمون لا يحد ويعتق ولا يقطع، وقيل: الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة؛ فلذلك لم يعتق عليه، وأما العم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يعتق عليه خلافا لابن وهب.

وقال سحنون: إن كان فيها من يعتق عليه أعتق نصيبه وغرم ما سواه وإذا أولد الجارية لم يحد; للشركة التي له، فرأى أنه ملك بنفس الغنيمة، وأشهب يقول: لا يحد ولا يقطع وإن سرق فوق سهمه أقل من ثلاثة دراهم، واختلف: هل يراعى حقه من جميع الغنيمة أو من المسروق خاصة؟

وقول الأنصار: (ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه) كان العباس جدته من بني النجار، تزوجها هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد المطلب، وقال الكلبي: اسمها سلمى.

[ ص: 201 ] واختلف في علة منعه إياهم من ذلك، فقيل: لأنه كان مشركا؛ ولذلك عطف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسلم وأعطاه من المغانم ما جبر به صدعه، وقيل: منعهم خشية أن يقع في قلوب بعض المسلمين شيء، كما منع الأنصار أن يبارزوا عتبة وشيبة والوليد وأمر قرناءهم عليا وحمزة وعبيدة أن يبارزوهم; لئلا يبارزهم الأنصار، فيصابوا فيقع في نفس بعضهم شيء.

وقيل: كان العباس أسر يوم بدر مع قريش ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الأنصار أن يتركوا له فداءه إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لقرابتهم منه، فلم يأذن لهم في ذلك ولا في أن يحابوه في ذلك، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية وصرفت مصرفها من حقوق الغانمين.

وفي هذه القصة في أسر العباس وعقيل معه دلالة على أن الأخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه كما يعتق عليه أصوله وفروعه، وكان لعلي جزء في الغنيمة، فلم يعتق عليه عقيل، كما سلف. والسبي يوجب الرق في الصغير والكبير.

قال المهلب: أسر العباس وعقيل مع من أسر يوم بدر، فأخذ عليه السلام رأي الصديق في استحيائهم وكره استعبادهم وأباح لهم أن يفادوا أنفسهم بالمال من ذلة العبودية، فقطع كل واحد على نفسه بعدد من المال وقطع العباس بفدائه وفداء ابن أخيه عقيل، فأراد الأنصار أن يتركوا فداء العباس; إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان عمومته وللرحم التي بينهم في الخئولة فقال لهم: "لا تدعون منه درهما" أراد أن يوهنهم بالغرم ويضعفهم، وسيأتي في الجهاد في باب فداء المشركين.

[ ص: 202 ] وإنما ذكر البخاري هذا هنا; لأنه استنبط منه أن العم وابن العم لا يعتقان على من ملكهما من ذوي رحمهما; لأن الشارع قد ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل بالغنيمة التي له فيها نصيب، وكذلك ملك علي منها المشركين في ذلك الوقت بنصيبه من الغنيمة ولم يعتقا عليه.

وهذا حجة على من قال من السلف: إن من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه، وهو قول الكوفيين.

وفيه حجة للشافعي في قوله: إنه لا يعتق الأخ على من ملكه; لأن عقيلا كان أخا علي، فلم يعتق عليه بما ملك من نصيبه منه.

وقد اختلف العلماء فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه، فذهب مالك أنه لا يعتق عليه إلا أهل الفرائض في كتاب الله تعالى، وهم الولد ذكرا كان أو أنثى، وولد الولد وإن سفلوا، وأبوه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم وإن بعدوا، وإخوته لأبوين أو لأب أو لأم، وبه قال الشافعي، إلا في الإخوة؛ فإنهم لا يعتقون على ما سلف في الباب.

وقال الكوفيون: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود، وعن عطاء والشعبي والحسن والحكم والزهري. وحجتهم ما رواه ضمرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا؟ "من ملك ذا رحم محرم، فهو حر"

انظر: "المدونة" .

انظر: "الهداية" .

رواه النسائي في "الكبرى" (4903).

انظر: "الإشراف على مذاهب أهل العلم" .

رواه ابن ماجه (2525)، والنسائي في "الكبرى" 3 \ 173 (4897)، وضعفه.

[ ص: 203 ] ورواه الحسن عن سمرة مرفوعا.

وقال ابن المنذر: قد تكلم الناس في هذين الحديثين، فقالوا: لم يرو حديث ابن عمر عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن عن سمرة، وقد تكلم الناس فيهما وليس منهما ثابت. والحجة لمالك أنه لا يجوز ملك الأخ، وأنه يعتق على من ملكه قوله تعالى حكايته عن موسى عليه السلام: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي [المائدة: 25]، وكما لا يجوز أن يسترق نفسه، كذلك لا يجوز أن يسترق أخاه. وحجة الجميع في أنه لا يجوز ملك الأبوين قوله تعالى: فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما [الإسراء: 23] واسترقاقهما أعظم من قول: أف، والأجداد داخلون في اسم الآباء، ولم يجز ملك الولد؛ لقوله تعالى: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، فلا يجوز أن يستعبد الابن بهذا النص.

وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه، فيعتقه" وفي رواية: "ولد والده".

التالي السابق


الخدمات العلمية