التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2494 [ ص: 464 ] 2 - باب: إذا عدل رجل رجلا فقال: لا نعلم إلا خيرا أو: ما علمت إلا خيرا 2637 - حدثنا حجاج، حدثنا عبد الله بن عمر النميري، حدثنا ثوبان. وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله، عن حديث عائشة رضي الله عنها -وبعض حديثهم يصدق بعضا- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، فأما أسامة فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وقالت بريرة: إن رأيت عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يعذرنا من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ". [انظر: 2593 - مسلم: 2770 - فتح: 5 \ 248]


ساق حديث الإفك حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا".

وقد اختلف العلماء في قول المسئول عن التزكية: ما أعلم إلا خيرا.

فذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال: ما علمنا إلا خيرا.

وذكر الطحاوي، عن أبي يوسف أنه إذا قال ذلك قبلت شهادته ولم يذكر خلافا عن الكوفيين، واحتجوا بالحديث.

[ ص: 465 ] وقال محمد بن سعيد الترمذي: سألني عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل شهد عنده فزكيته له فقال لي: هل تعلم منه إلا خيرا; فقلت: اللهم غفرا، قد أعلم منه غير الخير، ولا تسقط بذلك عدالته. يلقي كناسته في الطريق، وليس ذلك من الخير. فسكت.

وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله: (لا أعلم إلا خيرا) تزكية.

وقال: لا يكون تزكية حتى يقول: رضي وأراه عدلا.

وذكر المزني عن الشافعي قال: لا يقبل في التعديل إلا أن يقول: عدل علي ولي. ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته، فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك.

قلت: الأصح عندنا أنه يكفي هو عدل، ولا يشترط علي ولي.

حجة مالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير، ويعلم غيره منه غير الخير، مما يجب رد شهادته، فيجب أن يقول: أعلمه عدلا رضى; لأن الوصف الذي أمر الله بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: وأشهدوا ذوي عدل [الطلاق: 2] وقال: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا.

وأما قول أسامة السالف، فإنه كان في عصره - عليه السلام- الذين شهد الله لهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة; لأنهم كانوا كلهم على العدالة، فتعديلهم أن يقال: لا أعلم إلا خيرا.

[ ص: 466 ] نبه عليه المهلب قال: وأما اليوم فالجرحة أعم في الناس، فليست لهم شهادة من كتاب الله، ولا سنة رسوله بعدالة مستولية على جميعهم فافترقا.

وقال ابن التين: وقع ذلك في الحديث; لبراءة عائشة، وأنهم لم يعلموا سوءا، فلا يجزئ ذلك التعديل.

فائدة: (أغمصه) في قول بريرة، وفيه دليل على من اتهم في دينه بأمر، أنه يطلب في سائر أحواله نظير ما اتهم به، فإن لم يوجد له نظير لم يصدق عليه ما اتهم فيه، وإن وجد كذلك نظير قويت الشبهة، وحكم عليه بالتهمة في أغلب الحال لا في (العبث).

التالي السابق


الخدمات العلمية