التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2562 [ ص: 91 ] 13 - باب: الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك

وقال ابن عباس : لا بأس أن يتخارج الشريكان ، فيأخذ هذا دينا ، وهذا عينا ، فإن توي لأحدهما لم يرجع على صاحبه .

2709 - حدثني محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : توفي أبي وعليه دين ، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه ، فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : "إذا جددته فوضعته في المربد آذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" . فجاء ومعه أبو بكر وعمر فجلس عليه ، ودعا بالبركة ، ثم قال : " ادع غرماءك ، فأوفهم" . فما تركت أحدا له على أبي دين إلا قضيته ، وفضل ثلاثة عشر وسقا : سبعة عجوة ، وستة لون -أو ستة عجوة وسبعة لون- فوافيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، فذكرت ذلك له فضحك ، فقال : "ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما" . فقالا : لقد علمنا إذ صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صنع أن سيكون ذلك . وقال هشام عن وهب ، عن جابر : صلاة العصر . ولم يذكر : أبا بكر ، ولا : ضحك ، وقال : وترك أبي عليه ثلاثين وسقا دينا . وقال ابن إسحاق ، عن وهب ، عن جابر : صلاة الظهر . [انظر : 2127 - فتح: 5 \ 310]


قال ابن عباس : لا بأس أن يتخارج الشريكان ، فيأخذ هذا عينا وهذا دينا ، فإن توي لأحدهما لم يرجع عليه .

ثم ساق حديث جابر وفي وفاء دين والده وفضل . . بطوله .

وقد سبق غير مرة .

[ ص: 92 ] ثم قال : وقال هشام عن وهب عن جابر : صلاة العصر ، وقال ابن إسحاق عن وهب عن جابر : صلاة الظهر .

واختلف العلماء في أثر ابن عباس ، فقال الحسن البصري : إذا اقتسم الشريكان الغرماء وأخذ هذا بعضهم ، وهذا بعضهم فتوي نصيب أحدهما ، وخرج نصيب الآخر قال : إذا أبرأه منه فهو جائز ، وقال النخعي : ليس بشيء ، وما توي أو خرج فهو بينهما نصفان ، وهو قول مالك ، والكوفي والشافعي .

وحجة من لم يجز ذلك أنه غرر ، إذ قد يتوي على ما على أحدهما ، ولا يحصل للذي خرج إليه شيء من حق الشريكين أن يتساويا في الأخذ .

وحجة من قال : لا يرجع أحدهما على صاحبه أن الذمة تقوم مقام العين ، فإذا توي ما على أحد الغرماء ، فإنه يبيعه به دينا .

وقال سحنون إذا قبص أحد الشريكين من دينه عرضا ، فإن صاحبه بالخيار إن شاء جوز له ما أخذ ، وأتبع الغريم بنصيبه، وإن شاء رجع على شريكه بنصف ما قبض وأتبعا الغريم جميعا بنصف جميع الدين ، فاقتسماه بينهما نصفين ، وهذا قول ابن القاسم .

وقال أبو عبيد : معنى الإتواء : إذا كان المتاع بين ورثة لم يقتسموه ، أو بين شركاء ، وهو في يد بعضهم دون بعض ، فلا بأس أن يتبايعوه وإن لم يعرف كل واحد نصيبه بعد ، ولم يقبضه .

قال : ولو أراد أجنبي شراء نصيب بعضهم لم يجز حتى يقبضه البائع قبل ذلك ، وظاهره خلاف هذا ، وإنما معناه : أن بأيديهما عينا ، ولهما دين ، فيأخذ أحدهم الحاضر ، والآخر الدين ، فهذا جائز إذا كان من عليه الدين حاضرا مقرا ، يعرف سلامته من عدمه ، وكان آخذ الدين يطوع

[ ص: 93 ] لقابض الحاضر بالسلف ، وهذا إذا كان الحاضر والدين عينا كله أو كان الحاضر يجوز بيعه ، فالدين المؤجل على هيئته .

وأما إن كان الحاضر فضة والدين ذهبا ، أو كانا طعامين مختلفين كالتمر والبلح فلا يجوز ذلك ، والذي يدل على خلاف قول أبي عبيد قوله : (فإن توي لأحدهما ) ، ولو كان كما ذكره من أن ذلك بأيديهما ما قال ذلك ; لأن كل واحد قبض ما ابتاعه .

وقوله : (توي ) بكسر الواو على وزن علم ، ومعناه : هلك واضمحل ، وضبطه بعضهم بفتح الواو على وزن علا وليس ببين كما قاله ابن التين ، واللغة على الأول .

وفي حديث جابر : الجلوس على الطعام ، وذلك أنه لم يقصد به امتهانه .

وقوله : (حتى إذا جددته ) أي : قطعته ، يقال بالدال المهملة والمعجمة ، وكان الدين الذي على والد جابر ثلاثين وسقا من تمر كما ذكره البخاري في باب : إذا (قاضاه ) ، أو جازفه في دين فهو جائز ، وقال فيه جابر : (توفي أبي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود ) ، وأسلفنا هناك أنه لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرا مجازفة في دينه ; لأن ذلك من الغرر ، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في ذلك أقل من دينه ، وكذلك أيضا لا يجوز عندهم أن يأخذ من طعام مكيل معلوم الكيل طعاما جزافا من جنسه ، إلا أن يكون طعاما مخالفا لجنس الطعام المكيل يجوز التفاضل فلا يجوز إلا يدا بيد .

[ ص: 94 ] وروى ابن القاسم عن مالك : أنه كره لمن له دين على رجل أن يأخذ فيه ثمرة يجتنيها ، أو دارا يسكنها ، أو جارية يواضعها ، وكذلك إن اشترى منه بدينه كيلا من حنطة كره أن يفارقها حتى يقبض الحنطة ; لأنه يكون دينا في دين ، وقال أشهب : لا بأس بذلك كله ، وهو قول أبي حنيفة .

قالوا : وليس من الدين بالدين ; لأنه إذا شرع في اجتناء الثمرة ، وفي سكنى الدار فقد خرج من معنى الدين بالدين ; لأن ما كان أوله مقبوضا ، وتأخر قبض سائره فهو كالمقبوض .

قال مالك : ولا يجوز لمن له طعام من بيع أو سلم أن يصالحه على دراهم ليعجلها أو يؤخرها ; لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى ، فلم يجز لجابر أن يعطي اليهودي مما كان على أبيه من التمر دراهم .

ووجه حديث جابر في هذا الباب أنه كان على أبيه دين من جنس تمر حائطه ، فرغب إلى الغرماء أن يأخذوا تمر نخله ، ويسقطوا عنه ما بقي من دينهم ; لاتفاقهم أن الثمرة لا تبلغ قدر الدين ، ومثل هذا يجوز عند جميع العلماء ; لأنه حط وإحسان وليس ببيع ، ويجوز عند جماعة العلماء في الصلح ما لا يجوز في البيع ، وإلى هذا المعنى ذهب البخاري في ترجمته ، قاله ابن بطال .

التالي السابق


الخدمات العلمية