التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2578 [ ص: 125 ] 12 - باب: الشروط مع الناس بالقول

2728 - حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبره قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير -يزيد أحدهما على صاحبه ، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير- قال : إنا لعند ابن عباس رضي الله عنهما قال : حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " موسى رسول الله" فذكر الحديث . قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف : 72] كانت الأولى نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا [الكهف : 73] . لقيا غلاما فقتله [الكهف : 74] فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه [الكهف : 74] . قرأها ابن عباس : أمامهم ملك . [انظر : 74 - مسلم: 2380 - فتح: 5 \ 326]


ذكر فيه حديث ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "موسى رسول الله" فذكر الحديث . قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف : 75] كانت الأولى نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا . قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا . لقيا غلاما فقتله فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه . قرأها ابن عباس : (أمامهم ملك ) .

هذا الحديث رواه الإسماعيلي بقصة في أوله من حديث هشام ، عن ابن جريج : إنا لعند ابن عباس إذ قال : سلوني . قال ابن جبير قلت : جعلني الله فداك ، بالكوفة قاص يقال له : نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل ، أما عمرو فقال : كذب عدو الله ، وأما يعلى فقال : حدثني أبي . . فساقه .

[ ص: 126 ] أراد البخاري بهذا الباب -والله أعلم- ليدل على أن ما يقع من الناس في محاوراتهم مما يكثر وقوعه بينهم ، فإن الشرط بالقول يغني في ذلك بالكتاب والإشهاد عليه .

ألا ترى أن موسى لم يشهد أحدا على نفسه حين قال : ستجدني إن شاء الله صابرا [الكهف : 69] ، وكذلك الخضر حين شرط على موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا ، لم يكتب بذلك كتابا ، ولا أشهد شهودا .

وإنما يجب الإشهاد والكتاب في الشروط التي يعم المسلمين نفعها، ويخاف أن يكون في انتقاضها والرجوع فيها جرم وفساد ، وكذا ما في معناها مما يخص بعض الناس ، فاحتيج فيها إلى الكتاب والإشهاد خوف ذلك ، ألا ترى أن سيد الأمة كتب الصلح مع سهيل بن عمرو وأهل مكة ; ليكون حاجزا للمشركين من النقض والرجوع في شيء من الصلح ، وشاهدا عليهم إن هموا بذلك .

وفيه : أن النسيان لا يؤاخذ به ، ووجوب الرفق بالعلماء ، وأن لا يهجم عليهم بالسؤال عن معاني أقوالهم في كل وقت إلا عند انبساط نفوسهم ، وانشراح صدورهم لا سيما إذا شرط ذلك العالم على المتعلم .

وفيه : أنه يجوز سؤال العالم عن معاني أقواله وأفعاله ; لأن موسى سأل الخضر عن معنى قتل الغلام ، وخرق السفينة ، وإقامة الجدار ، فأخبره بعلل أفعاله ، ووجه الحكمة فيها ، وإنما كان شرطه ألا يسأل عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا -والله أعلم- أنه أراد أن يتأدب عليه في تعلمه ، ويأخذ عفوه فيه حتى ينشط إلى الشرح والتفسير ، ففي

[ ص: 127 ] إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغي أن تعرف معانيها ، ووجه ما صنعت له ، لمعنى قوله : إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف : 67] أي : إنك سترى ما ظاهره منكر ، ولا تصبر عليه ; لأن الأنبياء والصالحين لا يصبرون على ذلك .

وقوله : (وكانت الوسطى شرطا ) يريد إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني [الكهف : 76] وقوله : ولا ترهقني من أمري عسرا [الكهف : 73] أي : لا تلحق بي عسرا من رهقه الشيء إذا غشيه ، وقيل : لا تعجلني ، وقيل : لا تضيق علي و [تشدد] .

وقوله تعالى : يريد أن ينقض [الكهف : 77] أي : يسقط بسرعة ، وروي : (ينقاص ) بصاد غير معجمة ، وقرأه ابن عباس : (أمامهم ) وقرأه الجماعة وراءهم قيل : المعنى واحد ، وقيل : هو بمعنى : خلف على بابه ، كأنه على طريقهم إذا رجعوا ، والأول أولى لتفسيره في قراءة ابن عباس ، واللغة تجوزه ; لأن ما يوارى عنك فهو وراء ، وإن كان أمامك ، وقد اختلف فيه : هل هو من الأضداد ؟ فقال أبو عبيدة وقطرب والأزهري وابن فارس ، وغيرهم : نعم .

وقال الفراء وأحمد بن يحيى : أمام ضد وراء ، دائما يكون من الأضداد في الأماكن ، والأوقات ، يقول الرجل : إذا وعد وعدا في

[ ص: 128 ] رجب لرمضان ، ثم قال : من ورائك شعبان يجوز وإن كان أمامهم ; لأنه يخلفه إلى وقت وعده ، وكذلك وراءهم ملك يجوز ; لأنه يكون أمامهم ، وطلبهم خلفه فهو من وراء مطلبهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية