التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2583 2733 - وقال عقيل ، عن الزهري : قال عروة : فأخبرتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحنهن ، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم ، وحكم على المسلمين ، أن لا يمسكوا بعصم الكوافر ، أن عمر طلق امرأتين : قريبة بنت أبي أمية ، وابنة جرول الخزاعي ، فتزوج قريبة معاوية ، وتزوج الأخرى أبو جهم ، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم ، أنزل الله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم [الممتحنة : 11] والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار ، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن ، وما نعلم أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها . وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا مهاجرا في المدة ، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله أبا بصير ، فذكر الحديث . [انظر : 2713 - مسلم: 1866 - فتح: 5 \ 333]


ذكر فيه حديث المسور بن مخرمة ، ومروان ، وساق حديث الحديبية .

وهو أتم ما جاء في سياقته ، وقد شرحناه في باب كيف يكتب الصلح تعجيلا .

ونذكر هنا ما أهملناه هناك ، وتكلمنا هناك على قوله : ("ما خلأت القصواء" ) والقصواء -ممدودة- ناقته - عليه السلام - .

قال الخطابي : وكانت مقصوة الأذن ; وهو قطع طرفها .

[ ص: 145 ] وقال الداودي : سميت بذلك ; لأنها كانت لا تكاد أن تسبق ، وكأنهم لها يقولون : أفضل السبق والجري ; لأن آخر كل شيء أقصاه ، ويقال لها : العضباء لأن طرف أذنها كان مقطوعا .

وقال ابن فارس : العضباء : لقب ناقته ، وهي لغة : المشقوقة الأذن ، والذي قاله أهل اللغة -كما ذكره ابن التين- أن القصواء مأخوذة من القصا وهو صدف في أذن الناقة ، وجاء بلفظ فاعل ، ومعناه : مقصوة

قال الأصمعي : ولا يقال : بعير أقص ، قال : وضبط القصوى بضم القاف والقصر في بعض النسخ ، وفي بعضها بالفتح والمد وهو الصحيح في اللغة .

قال في "أدب الكاتب" : القصوى -بالضم والقصر- شذ من بين نظائره وحقه أن يكون بالياء مثل : الدنيا والعليا ; لأن الدنيا من دنوت ، والعليا من علوت .

قوله : (من أهل تهامة ) . قال الداودي : تهامة مكة وما حولها من البلد ، وحدها من جهة المدينة العرج ومنتهاها إلى أقصى اليمن .

وقال ابن فارس : التهم : شدة الحر وركود الريح . قال : وبذلك سميت تهامة . يقال : أتهم : أتى تهامة .

وقوله : (فقال : إني تركت عامر بن لؤي ، وكعب بن لؤي ) هما قبيلان من قريش .

[ ص: 146 ] وقوله : (وهو من قوم يعظمون البدن ) أي : ليسوا ممن يستحلها ، ومنه قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله [المائدة : 2] فكانوا يعلمون شأنها ، ولا يصدون من أم البيت الحرام فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإقامتها لهم من أجل علمه بتعظيمه لها ليخبر بذلك قومه فيخلوا بينه وبين البيت .

والبدن : من الإبل ، والبقر ، وقيل : لها بدن لسمنها وهي الهدايا .

وقوله : (رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ) فيه دلالة على جواز ذلك ، وخالف فيه أبو حنيفة كما سلف حيث قال : لا يجوز الإشعار ، وصفته أن يكون عرضا من العنق إلى الذنب ، وفي كتاب ابن حبيب : طولا ، ويكون ذلك في الشق الأيسر .

هذا مشهور قول مالك . وخالف في "المبسوط" فقال : في الأيمن .

وقوله في مكرز : ("هو رجل فاجر" ) يحتمل أن يكون أخبر بالوحي أو أن يكون ذلك ظاهر حاله ، وأراد مساوئ أفعاله غير الشرك .

وأنكر سهيل البسملة ; لأنهم كانوا في الجاهلية يكتبون : باسمك اللهم .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بدء الإسلام يكتب كذلك فلما نزلت : بسم الله مجراها ومرساها [هود : 41] فلما نزلت : أو ادعوا الرحمن [الإسراء : 110] كتب : الرحمن ، فلما نزلت : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [النمل : 30] كتب كذلك ، وأدركتهم حمية الجاهلية .

والميم في قوله : ("اللهم" ) بدل من ياء في قول البصريين ، وقال الكوفيون : المعنى يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل فيها ، وفي إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم في ذلك بعض المسامحة .

وفيه : إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم في أمور الدين ما لم يكن مضرا بأصله .

[ ص: 147 ] وقوله : (أنا أخذنا ضغطة ) أي : مفاجأة ، قاله الداودي ، وقال الجوهري : يقال : ضغطه يضغطه ضغطا زحمه إلى حائط ونحوه ومنه ضغطة القبر .

و (الضغطة ) بالضم : الشدة والمشقة . يقال : ارفع عنا هذه الضغطة ، وأخذت فلانا ضغطة إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشيء .

وسهيل أسلم بعد وحسن إسلامه ، خرج في خلافة عمر إلى الجهاد فمات هناك ، وكان من المؤلفة قلوبهم .

وقوله : (يرسف في قيوده ) سلف في باب الصلح مع المشركين وأنه مشي المقيد ، أي : يثب وثبا خفيفا قدر استطاعته .

وقوله : (أول ما أقاضيك ) أي : أعاقدك .

وقوله : (فعملت لذلك أعمالا ) ، قد أسلفت عن ابن الجوزي أنه إشارة إلى الاستغفار والاعتذار .

وقوله : (أن عمر طلق امرأتين : قريبة بنت أبي أمية ، وابنة جرول الخزاعي ، فتزوج قريبة معاوية ، وتزوج الأخرى أبو جهم ) . وقال قبله : إنه تزوج إحداهما صفوان بن أمية .

وذكر بكر في كتاب "الأحكام " قولين كما تقدم وهي : بنت جرول ، قيل : بالحاء وقيل بالجيم .

و (قريبة ) -بفتح القاف- كذا بخط الدمياطي ، وقال ابن التين : ضبطها بعضهم بالضم ، وبعضهم بالفتح .

[ ص: 148 ] وقوله : (فضربه حتى برد ) أي : مات . ويقال للسيوف : البوارد ، أي : القواتل .

وقال الداودي : إذا مات برد جسمه ، فلم يبق فيه من حر الضرب شيء .

وقوله : ("رأى هذا ذعرا" ) أي : فزعا . يقال : ذعر فهو مذعور .

وقوله : (معه عصابة ) أي : جماعة .

وقوله : (فأرسلت قريش تناشده الله والرحم ) أي : يسألونه بالله . قال الداودي أي : يذكرونه بالله .

وقوله : (فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم لما أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سؤال قريش من أتاه فهو آمن .

وقال الداودي : ألقي في قلوبهم ، ولكنه - عليه السلام - ترك القتال ، وقال قتادة : كف أيدي المشركين حين خرجوا إلى الحديبية وكف أيديهم عنكم . قال : فطلع رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له : زنيم فرماه المشركون فقتلوه ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذوا اثني عشر فارسا فأتوا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : "لكم عهد أو ذمة ؟ " ، قالوا : لا . فأطلقهم فنزلت عليه الآية .

وقوله : والهدي معكوفا [الفتح : 25] أي : محبوسا .

وقوله : أن تطئوهم [الفتح : 25] أي : تقتلوهم .

وقوله : معرة بغير علم أي : عيب .

[ ص: 149 ] وقوله : (نزلت : وإن فاتكم شيء الآية [الممتحنة : 11] ، والعقب : ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار ، وقيل : أن تغزي في هذه الغزاة غزاة أخرى فيعطوا المؤمنين من الفيء ما فاتهم من أزواجهم من المهور .

وقال الزهري : هذا في المسلم تخرج زوجته إلى بلد الشرك ولا يجيء منهم أحد ، فعلى المسلمين إذا غنموا أن يعطوه صداقها .

وقال مسروق : معنى فعاقبتم أي : غنمتم ، وقال الأعمش : هي منسوخة ، وقيل : هذا كله مما ترك العمل به وهو معنى أو ننسها [البقرة : 106] .

وفيه : الحكم على الغائب ، قاله الداودي والمعاقبة بمثل ما يؤتى إلى المرء في الأمانة في المال وغيره .

وقوله : (بلغنا أن أبا بصير بن أسيد ) ، هو بالباء الموحدة المفتوحة ، وكذا بالهمزة المفتوحة في أسيد . وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بضم الهمزة ، وبعضهم بفتحها وكسر السين قيل : وهو الصحيح ; لأن أبا بصير مهاجر ، وكل مهاجري أسيد بفتحها ، وفي الأنصار ضمها . واستثنى هذا بعضهم ، وقال : هذا يوافق الأنصار أنه بالضم .

وفي الحديث من الفقه : جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجها .

وفيه : كتابة الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ليكون ذلك شاهدا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه .

[ ص: 150 ] وفيه : الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش ، وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة .

وفيه : جواز التنكيب عن الطريق بالجيوش وإن كان في ذلك مشقة .

وفيه : بركة التيامن في الأمور كلها .

وفيه : أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا الشبهة في قضاء الله في الأمم الخالية ، ويمسكوا صواب الخير فيه ، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم ، ونبهوا عليه كما امتثله الشارع في أمر ناقته وبروكها في قصة الفيل ; لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت ، وإذا صرفت عنها مشت كما دأب الفيل ، وهذا خارج عن العادة ; فعلم أن الله صرفها عن مكة كالفيل . ولذلك قال : "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" ، يريد بذلك موافقة الرب جل جلاله في تعظيم الحرمات ; لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دينه أفواجا ، وقد سبق .

وفيه : علامات النبوة وبركته عليه أفضل الصلاة والسلام وبركة السلاح المحمولة في سبيل الله ، ونبع الماء من السهم ، وإنما قدم - عليه السلام - مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة ، ولا أخذ إذنهم في ذلك ; لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين ، فلما علم الله تعالى أنهم صادوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيها له على الإبقاء عليهم .

وقوله : ("إن قريشا قد نهكتهم الحرب" ) على وجه بذل النصيحة للقرابة التي كانت بينهم ، فقال لهم : "إن شئتم ماددتكم" أي : صالحتكم

[ ص: 151 ] مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال ، وتدعوني مع الناس ، يعني : طوائف العرب ، فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه .

وإنما نصحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فهم عن الله في حبس الناقة أنهم سيدخلون في الإسلام ، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله تعالى فيها قلوبهم ، وفي لين قول بديل وعروة لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميل إليه كما قال في الحديث .

وقول عروة له : (أرأيت إن استأصلت قومك ) دليل على أنه - عليه السلام - كان يومئذ في جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم وقد سلف ذلك .

خاتمة : في مواضع مفرقة من الحديث أيضا : تدلكهم بالنخامة منه على وجه التبرك ورجاء نفعها في أعضائهم .

وفيه : طهارة النخامة بخلاف من نجسها ونجس الماء بها ، إنما أكثروا من ذلك بحضرة عروة ، وتزاحموا عليه لأجل قوله : (إني لأرى وجوها وأشوابا من الناس . . ) إلى آخره ، فأروه أنهم أشد اغتباطا وتبركا بأمره وتثبتا في نصرته من القبائل التي تراعي الرحم بينهم .

وفيه : التفاؤل من الاسم وغيره كما سلف ، وقول سهيل : ما نعرف الرحمن . قد أخبر الرب جل جلاله عن العرب بذلك حيث قال : قالوا وما الرحمن [الفرقان : 60] .

وفي يمين المسلمين : (والله لا نكتب إلا البسملة ) أن أصحاب السلاطين [يجب عليهم مراعاة أمره] وعونه وعزة الله تعالى التي

[ ص: 152 ] بها عزة السلطان ، وتركه إبرار قسمهم مع أنه أمرنا بإبراره ، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمل .

وأما من حلف عليه في أمر لا يحسن ولا يجمل في دين ولا مروءة فلا يجيب إليه ، كما لم يجب إلى ما حلف عليه أصحابه ; لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة بالصلح ، مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادا في أسمائه تعالى ، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله ليس فيه إلحاد في الرسالة ; فلذلك أجابه - عليه السلام - إلى ما دعا إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة ، وقد جاء في بعض الطرق : (هذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله ) ، فخشي أن ينعقد في مقالهم الإقرار برسالته ، وقد سلف أيضا .

وقوله : (وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ) يدل أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء ، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذه الرواية ; لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال ; من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال خاصة ، ثم نزلت الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبينة لما تقدم من حكم ذلك، وقد سلف ذلك أيضا .

وقوله لسهيل : ("إنا لم نقض الكتاب بعد" ) ، أراد أن يخلص أبا جندل ، وقد كان تم الصلح بالكلام ، والعقد قبل أن يكتب .

وفيه : أن من صالح أو عاقد على شيء بالكلام ولم يوف له به ، أنه بالخيار في النقض .

وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنهم على الحق : (ولم نعط الدنية في ديننا ) أي : نرد من استجار بنا من المسلمين إلى المشركين . فقال له : "إني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولست أعصيه" تنبيها لعمر كما سلف .

[ ص: 153 ] وفيه : جواز المعارضة في العلم حتى تبين المعاني .

وفيه : أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص .

ألا ترى أن عمر حمل كلامه على الخصوص ; لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك العام فأخبره أنه لم يعده بذلك في ذلك العام ، بل وعده وعدا مطلقا في الدهر حتى وقع فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتي دليل الخصوص .

وفي قوله : (فإنك آتيه ) دليل أنه من حلف على فعل ولم يوقت وقتا أن وقته أيام حياته.

قال ابن المنذر : فإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم .

فقالت طائفة : لا يطؤها حتى يفعل الذي حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه ، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي ، وأبي عبيد .

وقالت طائفة : إن مات ورثته وله وطؤها ، روي هذا عن عطاء .

وقال يحيى بن سعيد : ترثه إن مات ، وقال مالك : إن ماتت امرأته يرثها ، وقال الثوري : إنما يقع الحنث بعد الموت ، وبه قال أبو ثور ، وقال أبو ثور أيضا : إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه حتى يموت ، ولا يقع حنث بعد الموت ، فإذا مات لم يكن عليه شيء . قال ابن المنذر : وهذا النظر .

وقالت طائفة : يضرب لها أجل المولى أربعة أشهر . روي هذا عن : القاسم وسالم ، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعي .

وقال أبو حنيفة : إن قال : أنت طالق إن لم آت البصرة ، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة ، فله الميراث ، ولا يضره أن لا يأتي

[ ص: 154 ] البصرة بعد ; لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث ، ولو مات قبلها حنث ، وكان لها الميراث ; لأنه فار ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل الموت بقليل ، فلها الميراث .

ولو قال لها أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت ، فماتت فليس له منها ميراث ، وإن مات قبلها فلها الميراث ، ولا يضرها أن لا تأتي البصرة .

وفيه قول سادس ; حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال : إن أخذ الحالف في التأهب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلا بالبر ، وإلا فهو حانث عند ترك ذلك .

قال ابن المنذر : في هذا الحديث دليل أن من لم يحد ليمينه أجلا ، أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف يفعله .

وتوقف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النحر والحلق لمخالفتهم العادة التي كانوا عليها ، أن لا ينحر أحد حتى يبلغ الهدي محله ، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعي حتى شاور الشارع أم سلمة ، فأراه الله بركة المشورة ففعل ما قالت ، فاقتدى به أصحابه .

فكذلك لو فعل في حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان .

معنى هذا من الفقه : أن الفعل أقوى من القول .

وفيه : جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأي ، وأما إسلامه - عليه السلام - لأبي بصير وصاحبه إلى رسل مكة هو على ما انعقد في الرجال .

وأما قتل أبي بصير لأحد الرسل بعد أن (أسلمه ) إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم ، ولا عليه القود ممن قتل

[ ص: 155 ] في الله وجاهد ; لأن هذا لم يكن من شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقود من أبي بصير على ما سلف .

وقول أبي بصير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (قد أوفى الله ذمتك ) أنك رددتني إليهم كما شرطت لهم ، ولا تردني الثانية فلم يرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما لا شك فيه من الوفاء ، فسكت عنه ، ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به . وذلك قوله : "لو كان له أحد" يعني : من ينصره ويمنعه ، فعلمها أبو بصير وخرج سيف البحر ، وجعل يطلب غرة أهل مكة وأذاهم ، حتى لحق به أبو جندل وجماعة ، فرضي المشركون بحل هذا الشرط ، وأن يكفيهم الشارع نكايته ويكف عنهم عاديته .

وقوله : (ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات في ذلك الصلح ) فهو منسوخ عن الشعبي وعطاء ومجاهد ، وقد سلف .

التالي السابق


الخدمات العلمية