التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
[ ص: 235 ] 14 - باب: إذا قال : داري صدقة لله ، ولم يبين للفقراء أو غيرهم . فهو جائز ، ويضعها في الأقربين أو حيث أراد

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة ، حين قال : أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك . وقال بعضهم : لا يجوز حتى يبين لمن . والأول أصح . [فتح: 5 \ 384]


الشرح :

في بعض النسخ : أوقف . وهي لغة ، وهي ثابتة في كتاب ابن بطال ، وابن التين ، وقال : ضرب على الألف في بعض النسخ ، وإسقاطها صواب ، ولا يقال : أوقف -بالألف - إلا إن فعل شيئا ثم نزع عنه ، وجعل ابن بطال البابين ترجمة واحدة وزاد عليها ثالثة ، وهي : باب إذا قال : أرضي أو بستاني صدقة عن أمي فهو جائز ، وإن لم يبين لمن ذلك . ثم ساق حديث سعد بن عبادة .

قال الداودي : الذي قال البخاري هنا هو حمل الشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه ; لأنه هو يروي عن عمر ولاها ابنه ، وأن أبا طلحة دفعها إلى حسان وأبي . قال : وهذا يحكم . ودفع الظاهر عن وجهه ، وهذا يقدر عليه كل أحد إلا من منعته الديانة والحياء . وقال غير الداودي : إنما أراد البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - أخرج عن أبي طلحة ملكه بنفس قوله : (هي صدقة ) . وهذا كقول مالك : إن الصدقة تلزم بالقول وتتم بالقبض . وقول الداودي أشبه ; لأنه أتى في الباب بوقف عمر .

[ ص: 236 ] وقول بعضهم : لا تجوز حتى يبين لمن هي . معناه : لا يحكم عليه به . يريد : لما لم يعين المعطى .

وقد اختلف القول في مذهب مالك إذا جعل شيئا للمساكين في غير تعيين هل يجب عليه إخراجه ؟ ففي "المدونة " : لا يجب . وقال الداودي : قول من قال : لا يجوز . ليس بشيء وإن لم يكن فيه وضعها حيث شاء ، فكأنه تأوله على خلاف ما أسلفنا أن معناه : لا يحكم .

واختلف العلماء في الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن مات ، فقالت طائفة : يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض ، وهو قول أبي يوسف والشافعي . وقالت طائفة : لا يصح الوقف حتى يخرجه عن يده ويقبضه غيره ، هذا قول ابن أبي ليلى ومالك ومحمد بن الحسن .

وحجة الأول أن عمر وعليا وفاطمة وقفوا أوقافا أو أمسكوها بأيديهم ، وكانوا يصرفون الانتفاع بها في وجوه الصدقة ، فلم تبطل .

واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال : رأينا أفعال العبادات على ضروب ، فمنها العتاق وينفذ بالقول ، ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي ملكها ، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه ، فرأينا الرجل إذا وقف أرضه ، فإنما ملك الذي وقفها عليه منافعها ، ولم يملكه من رقبتها شيئا ، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله تعالى فثبت أن نظير ذلك ما أخرجه من ملكه إلى الله تعالى ، فكما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول ، كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول ، وأيضا فإن

[ ص: 237 ] القبض لو أوجبناه لكان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف فقبضه إياه وغير قبضه سواء ، وإليه ذهب البخاري .

واستدل من قوله : (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ) . أن الوقف لم يخرج من يد أبي طلحة ، وحجة من جعله شرطا في صحة الوقف إجماع أئمة الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول حتى يقبضها الذي ملكها .

ألا ترى أن الصديق قال في مرضه لابنته ، وقد كان نحلها جداد عشرين وسقا : لو كنت حزتيه لكان لك ، وإنما هو اليوم مال الوارث . وقد سلف ، فكان حكم الوقف حكم الهبات .

وقوله لأبي طلحة "أن تجعلها في الأقربين " لا حجة فيه لمن أجاز الوقف وإن لم يخرج عن يد (من وقفه ) ; لأنه ليس في الحديث أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده ، ولو استدل مستدل بقوله : (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ) أنه أخرجها عن يده لشاع ذلك ، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه بالتأويل .

واختلفوا إذا قال : هذه الدار أو هذه الضيعة وقف . لم يذكر وجوها تصرف فيه ، فعند مالك أنه يصح الوقف ، وكذا لو قال : على أولادي وأولادهم . ولم يذكر بعدهم الفقراء أو بني تميم ممن لم ينقطع نسلهم ، فإنه يصح الوقف ، ويرجع ذلك إلى فقراء عصبته ، وإن لم

[ ص: 238 ] يكونوا فقراء فإلى فقراء المسلمين ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وهو أظهر قولي الشافعي ، والثاني : لا يصح من أصله . .

وحجة الأول أنه إذا قال : وقف . فإنما أراد به البر والقربة ، وأن لا ينتفع هو بشيء من ذلك ، والانتفاع يكون محبوسا على ولده وولد ولده ، فإذا انقرضوا صرف ذلك إلى أقرب الناس به من فقراء عصبته ، وهذا المعنى يحصل به البر والقربة ، وكذا إذا قال : هذا وقف محرم ; لأنه معلوم أنه قصد به البر والقربة ، فحمل على ما علم من قصده ، كرجل أوصى بثلث ماله ، فإن ذلك يفرق في الفقراء المساكين وإن لم يسمهم ; لأنه قد علم ذلك من قصده .

ألا ترى قول سعد بن عبادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها . لم يسم على من يتصدق بالحائط ، ولم ينكره عليه بل أقره .

قال المهلب : ولا حاجة بنا إلى أن يذكر على من يكون الوقف ; لأن الله تعالى قد بين أصناف الذين تجب لهم الصدقات في كتابه ، وقد مضى من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة أبي طلحة ما فيه شفاء .

فرأى الشارع فيها أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد ، وهم أقارب أبي طلحة . قال ابن القصار : ولا يقاس هذا على ما إذا وقف على من لا يولد له ولم يكن له ولد في الحال ; لأنه وقفه على غير موجود ; لأنه قد يجوز أن لا يولد له ، وإذا وقفه ولم يذكر له مصرفا ، فالفقراء موجودون ففي أيها جعلها الإمام صح الوقف .

التالي السابق


الخدمات العلمية