التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2608 [ ص: 245 ] 18 - باب: قول الله -عز وجل - : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [النساء : 8]

2759 - حدثنا محمد بن الفضل أبو النعمان ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ، ولا والله ما نسخت ، ولكنها مما تهاون الناس ، هما واليان وال يرث ، وذاك الذي يرزق ، ووال لا يرث ، فذاك الذي يقول بالمعروف ، يقول : لا أملك لك أن أعطيك . [4576 - فتح: 5 \ 388]


ثم ساق عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ، ولا والله ما نسخت ، ولكنها مما تهاون الناس بها ، هما واليان وال يرث ، وذلك الذي يرزق ، ووال لا يرث ، فذاك الذي يقول بالمعروف ، يقول : لا أملك لك أن أعطيك .

هذا الحديث من أفراده وذكره في : التفسير من حديث عكرمة ثم قال : تابعه سعيد عن ابن عباس -يعني هذا - بزيادة . قال : هي (محكمة ) وليست منسوخة . وادعى أبو مسعود في "أطرافه " إرساله ، والوافي بالاصطلاح أنه موقوف ، قال ابن أبي حاتم في "تفسيره " : وممن قال : إنها محكمة جماعة ، وعدد فوق العشرة منهم عطاء ، ثم ساق ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه نسختها آية المواريث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أو كثر .

[ ص: 246 ] قال : وروي عن جماعة عددهم نحوه ، ونقل نسخها أبو داود في "ناسخه " عن سعيد بن المسيب والضحاك ، وقال النحاس : أحسن ما قيل في الآية أنها على الندب .

قلت : وهو قول أكثر أهل العلم . وقيل : إن الآية محمولة على الوصية لمن ذكر في الآية وفيمن حضر ، ولو كان الوارث صغيرا فهل يجب على وليه الإخراج من نصيبه ؟ قولان : حكاهما الماوردي في "تفسيره " على أنها محكمة ، أحدها : لا ، ويقول الولي لهم قولا معروفا . -أي : خذوا بورك لكم - . كما قاله سعيد بن جبير ، وأكثر أهل العلم على أنها محكمة . قال مجاهد : هي محكمة ، وواجب عند قسم الميراث ما طابت به أنفسهم . قال البخاري : هذا مجاهد يقول بوجوبها بالإسناد الذي يدفع صحته ، وهذا خلاف ما روي عنه عن ابن عباس ، غير أن هذا الإسناد أصح ، وأمر ابن المسيب أن يوصي بثلثه في قرابته . قال الطبري : وأولى هذه الأقوال من قال : إنها محكمة ، وإنه عني بها الوصية لأولي قربى الموصي ، وعنى باليتامى والمساكين أن يقال لهم قول معروف .

وأما ابن حزم فقال في "محلاه " : فرض على الورثة البالغين وعلى وصي الصغار ووكيل الغائب أن يعطوا حين القسمة ما طابت به أنفسهم مما لا يجحف بالورثة ، ويجبرهم الحاكم على ذلك إن أبوا ، وتلا الآية الكريمة ، وذكر ما روي عن ابن عباس ، وأبي موسى وقسم لحطان

[ ص: 247 ] بقوله : وإذا حضر القسمة [النساء : 8] قال : وصح أيضا عن عروة وابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر والشعبي والنخعي والزهري والحسن وأبي العالية والعلاء بن بدر وسعيد بن جبير ومجاهد ، وروي عن عطاء ، وهو قول أبي سليمان قال : وروي أنها ليست بواجبة عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وأبي مالك وزيد بن أسلم ، وبقول أبي حنيفة ومالك والشافعي قال : ولا نعلم لأهل هذا القول حجة أصلا . ونقل ابن الجوزي عن أكثر المفسرين أنهم قالوا : المراد بأولي القرابة هنا : من لا يرث . وفسروا قوله : فارزقوهم أعطوهم من المال . وقال آخرون : أطعموهم . وذلك على سبيل الاستحباب ، ومن قال بالإيجاب قال : إن كانوا كبارا تولوا الإعطاء وإلا فوليهم .

وقول ابن عباس : (ولكنها مما تهاون الناس ) أي : بتأويلها . ورأى غيره أنها محكمة كما سلف ، وأن يطعم من حضر ممن سمى غير الورثة ، وكان بعضهم يصنع الطعام من تركة الميت ويطعم من حضر ممن ذكر في الآية ، وذكر إسماعيل القاضي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حية ، فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه ، وتلا الآية . قال القاسم بن محمد : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : ما أصاب ، إنما ذلك في الوصية يريد الميت أن يوصي . وقال ابن المسيب : إنما ذلك في الثلث عند الوصية . وقد فعله كما تقدم .

[ ص: 248 ] وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال : ثلاث آيات في كتاب الله محكمات مدنيات قد ضيعهن الناس ، فذكر هذه الآية وآية الاستئذان : والذين لم يبلغوا الحلم [النور : 58] في العورات الثلاث ، وهذه الآية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى [الحجرات : 13] قال قتادة في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم [النساء : 9] قال : إذا حضرت وصية ميت فأمره بما كنت تأمر به نفسك مما يتقرب به إلى الله ، وخف في ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو تركتهم بعدك ، فاتق الله وقل قولا سديدا إن هو زاغ .

التالي السابق


الخدمات العلمية