التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2670 [ ص: 436 ] 27 - باب: وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية

وقوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا الآية . إلى قوله والله يعلم إنهم لكاذبون [التوبة : 41] إلى قوله يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض الآية [التوبة : 38] . يذكر عن ابن عباس : فانفروا ثبات [النساء : 71] : سرايا متفرقين ، يقال : أحد الثبات : ثبة .

2825 - حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان قال : حدثني منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " . [انظر : 1349 - مسلم: 1353 - فتح: 6 \ 37]


ثم ساق حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح : "لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " .

الشرح :

نسخ هذه الآية قوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وذلك أن قوله : انفروا خفافا وثقالا الآية قال أبو مالك الغفاري وابن النحاس : هذه أول آية نزلت من براءة ، ثم نزل أولها وآخرها .

واختلف في الخفاف والثقال ، فقال أبو طلحة : شبابا وشيوخا ،

[ ص: 437 ] وقال الحسن : في العسر واليسر ، وقال مجاهد : مشاغيل وغير مشاغيل ، وقال الأوزاعي : ركبانا ومشاة ، وقال قتادة : نشاطا وغير نشاط ، وقال زيد بن أسلم : المثقل من له عيال ، والمخف : من لا عيال له ، وهي أقوال متقاربة وقريب منه أصحاء ومرضى ، عزابا ومتأهلين ، جمع خفيف وثقيل أي : خف عليكم ذلك أو ثقل .

وقوله : اثاقلتم أصله : تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتي بألف الوصل ليتوصل به إلى النطق بالساكن ، قال مجاهد : في غزوة تبوك أمروا بالخروج في شدة الحر وقد طابت الثمار ، ومالوا إلى أهل الظلال .

وقوله : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة [التوبة : 38] أي : رضيتم بنعيم الدنيا عن نعيم الآخرة . عرضا قريبا فعلا قريب المتناول ، والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا لو كانت غنيمة قريبة . و وسفرا قاصدا أي : سهلا وسطا . الشقة : المسافة والغاية التي يقصد إليها .

وما ذكره البخاري عن ابن عباس ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره " عنه .

و (السرية ) : من يدخل دار الحرب مستخفيا وعند أهل اللغة : الثبات : الجماعات في تفرقة أي : حلقة حلقة كل جماعة منها ثبة ، و (الثبة ) : مشتقة من قولهم : ثبيت الرجل إذا أثنيت عليه في حياته ،

[ ص: 438 ] كأنك جمعت محاسنه ، ووقع في رواية أبي الحسن (ثباتا ) بالألف ، ولا وجه له ; لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات .

وحديث : "لا هجرة بعد الفتح " سلف تأويله فلعله يريد : لا هجرة لمن لم يهاجر قبل الفتح ، وكان في بدء الإسلام فرض على كل مسلم الهجرة إليه فليقاتل معه ، فلما فتح مكة وكسر شوكة صناديد قريش ، ودخل الناس في دين الله أفواجا قال ذلك . وسيأتي في آخر الجهاد ، باب لا هجرة بعد الفتح .

قال المهلب : والنفير والجهاد يجب وجوب فرض ، ووجوب سنة ، فأما من استنفر لعدو غالب ظاهر فالنفير فرض عليه ، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا قوي (للمسلمين ) فوجوب سنة ; من أجل أن طاعة الإمام (المستنفر لأن المستنفر للعدو ) الغالب قد لزم الجهاد فيه كل أحد بعينه ، وأما العدو المقاوم أو المغلوب فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان ، وإنما لزم الجماعة فمن انتدب له قام به ومن قعد عنه فهو في سعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية