التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
18 [ ص: 539 ] 11 - باب

18 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وكان شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، وحوله عصابة من أصحابه: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك. [3892، 3893، 3999، 4894، 6784،6801، 6873، 7055، 7199، 7213، 7468 - مسلم 1709 - فتح: 1 \ 64]
نا أبو اليمان أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت وكان شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب [به] في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك.

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هكذا وقع هذا الباب في البخاري غير مضاف، وهو صحيح، [ ص: 540 ] وأخرجه البخاري -أعني: هذا الحديث- في خمسة مواضع: هنا، والمغازي، والأحكام عن أبي اليمان عن شعيب، وفي وفود الأنصار، عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب عن ابن أخي الزهري، وعن علي عن ابن عيينة.

قال البخاري عقبه: وتابعه عبد الرزاق عن معمر، وفي الحدود عن ابن يوسف، عن معمر. وأخرجه مسلم في الحدود عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر والناقد وإسحاق وابن نمير عن ابن عيينة، وعن عبد الرزاق عن معمر، كلهم عن الزهري به.

الوجه الثاني: في التعريف برواته.

فأما أبو اليمان وشعيب والزهري فسلف ذكرهم.

وأما عبادة (ع) فهو: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم -وهو: قوقل- ابن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين الأولى والثانية، وبدرا وأحدا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلها.

روي له مائة حديث وأحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على ستة، وانفرد كل واحد بحديثين. روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس [ ص: 541 ] وغيرهم منهم: بنوه الوليد وعبيد الله وداود، وهو أول من ولي قضاء فلسطين -ولاه عمر- مات بالشام سنة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل: بالرملة.

وكان معاوية قد خالفه في شيء من مسائل الربا، أنكره عليه عبادة فأغلظ له معاوية في القول. فقال له عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدا، ورحل إلى المدينة.

فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا أمر لك عليه.

فائدة:

عبادة بن الصامت هذا فرد في الصحابة، وفيهم عبادة بدون ابن الصامت اثنتا عشرة نفسا.

[ ص: 542 ] وأما الراوي عنه فهو أبو إدريس (ع) عائذ الله -بذال معجمة قبلها همزة- ابن عبد الله بن عمرو الخولاني الدمشقي، سمع خلقا من الصحابة منهم: عبادة وأبو ذر، وعنه جمع من التابعين منهم: الزهري ومكحول. وقال: ما أدركت مثله، ولد يوم حنين ومات سنة ثمانين. تقضى بدمشق وكان من عبادهم وقرائهم، وهذا من رواية القضاة بعضهم عن بعض: أبو إدريس عن عبادة.

الوجه الثالث:

ذكر البخاري هذا الحديث هنا; لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بهذه البيعة التي عقدت على الإسلام مع أن المهاجرين كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثلها، فالأنصار هم المبتدئون بالبيعة على إعلام توحيد الله وشريعته حتى يموتوا، فحبهم علامة الإيمان -كما سلف في الحديث السالف- مجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم في أموالهم، كما وصفهم الله تعالى، واتباعا لحب الله تعالى لهم. قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] وكان الأنصار ممن تبعه أولا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحبه الله وجب على العباد حبه.

الرابع: النقباء -واحدهم نقيب- وهو الناظر على القوم. ونقباء الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 543 ] الخامس:

هذه العقبة هي العقبة التي بمنى التي تنسب إليها جمرة العقبة. وقد كان بهذه العقبة بيعتان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايع الأنصار فيهما على الإسلام، ويقال فيهما: العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت الأولى أول بيعة عقدت على الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلا من الأنصار كما ذكره النووي- ويأتي (خلافه) - ثم كانت العقبة الثانية في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلا من الأنصار أيضا، كما ذكره.

وإيضاح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعرض نفسه على القبائل، فلقي رهطا من الخزرج ستة عند العقبة في الموسم فقال: "ألا تجلسون أكلمكم؟ ". فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم، وكانوا (هم) أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا يبعث الآن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك النفر قال بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه وصدقوه.

وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم حروب، فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. فانصرفوا إلى المدينة، ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 544 ] والستة هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث-وهو ابن عفراء-، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، ومنهم من يسقط جابرا ويجعل بدله عبادة بن الصامت.

فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة المذكورين فلم يكن فيهم جابر، والسبعة الباقون: معاذ بن الحارث -وهو ابن عفراء أخو عوف-، وذكوان بن قيس -قتل يوم أحد- وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة بن فضلة.

ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فبايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة على بيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعد، فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمانهم ويدعوانهم إلى الإسلام، فكان مصعب -يدعى القارئ- يؤمهم، وجمع بهم في حرة بني بياضة، وهم أربعون رجلا، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام.

وكان مصعب نزل على أسعد بن زرارة، وإنما كان يؤمهم; لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وذكر ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ورواه عنه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". وقال: صحيح على شرط مسلم، فأسلم على يد مصعب خلق كثير، منهم:

[ ص: 545 ] سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. ثم لقيه ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان في الموسم، وواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق.

فلما فرغوا من الحج، وكانت الليلة، خرجوا من الميعاد فبايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يمنعوه مما يمنعوا منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن (يرحل) إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس ذلك وهو على دين قومه، فتكلم العباس، فقالوا: تكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم - صلى الله عليه وسلم - وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا" وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء من الخزرج.

وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن المشهور من السبعين: ابن الهيثم، ورفاعة بن منذر، وأبو بردة هانئ بن نيار، وعويم بن ساعدة، ومن الخزرج: أبو أيوب [ ص: 546 ] الأنصاري، ومعوذ، ومعاذ، وعوف بنو الحارث وهم بنو عفراء، وأبو طلحة سهل بن زيد النجاري، وأبو مسعود الأنصاري، وبشر بن البراء بن معرور، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله -وكان من أحدثهم سنا- والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة، وأم منيع أسماء.

كانت البيعة الثانية على حرب الأسود والأحمر، وجعل ثوابهم الجنة، وذلك حين أذن له في الحرب وفي الأولى لم يؤذن له كما سلف.

ثم بعد هاتين البيعتين بيعة ثالثة -وهي بيعة الرضوان- خرج - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة ست معتمرا (فصدته) قريش، فبعث إليهم عثمان، فبلغه أنهم قتلوه، فقال: "لا نبرح حتى نناجز القوم". فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانوا ألفا وخمسمائة، فروي أنه بايعهم على الموت، وأنكره جابر، وإنما بايع على أن لا نفر. قال تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا [الفتح: 18] أي: أعطاهم من أجل تلك البيعة: فتحا قريبا يعنى خيبر، ووعدهم مغانم كثيرة تأخذونها [الفتح: 20] أي: مستمرة إلى يوم القيامة، وأخرى لم تقدروا عليها [الفتح: 21]، أي: قتل فارس والروم، وقيل: فتح مكة.

[ ص: 547 ] الوجه السادس:

قد ساق البخاري صفة هذه المبايعة. وجاء في رواية أخرى: فتلا علينا آية النساء أن لا يشركن بالله شيئا [الممتحنة: 12].. الآية.

وفي الأخرى: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه:

فبايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا. وزاد: ولا ننتهب. وفي أخرى في مسلم: أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ على النساء، أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضا. ومعنى يعضه -بفتح الياء والضاد المعجمة- لا يسخر، وقيل: لا نأتي ببهتان يقال: عضه الرجل، وأعضه إذا أفك.

وأخرجه النسائي وقال فيه: بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهط، فقال: "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تشربوا، ولا تقتلوا أولادكم" وذكر نحو باقيه، وسيأتي حديث عبادة أيضا في: المبايعة بطوله في موضعه. وأوله: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر.. إلى آخره.

وجاء أيضا في البيعات العامة والخاصة أحاديث كثيرة متفرقة منها:

حديث عوف بن مالك، وابن عمر، وجرير بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع.

وذكر البخاري جملة منها في أواخر الكتاب عند قوله: كيف يبايع الإمام الناس. وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- ولم يرد - صلى الله عليه وسلم - فيما [ ص: 548 ] بايعهم عليه حصر المعاصي بل ذكر أنواعا يكثر ارتكاب أهل ذلك الوقت لها.

الوجه السابع:

قوله: وحوله عصابة -هو بفتح اللام- يقال: حوله أو حواله وحوليه، وحواليه -بفتح اللام- في كلها كما سلف في حديث هرقل أي: يحيطون به، والعصابة: الجماعة.

الثامن:

البهتان: الكذب، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا إذا كذب عليه; لأنه يبهت من شدة فكره، ويبقى مبهوتا منقطعا. قال الجوهري: بهت الرجل -بالكسر- إذا دهش وتحير وبهت -بالضم- مثله، وأفصح منهما بهت; (لأنه) يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بهيت، قاله الكسائي. قلت: وقرئ بالأولين في الشواذ.

وقال القزاز وابن دريد في "الجمهرة": رجل باهت وبهات. وقال ابن سيده: عندي أن بهوتا جمع باهت، لا جمع بهوت.

وقال الهروي: البهتان هنا الإتيان بولد ينسب إلى الزوج. ويقال: كانت المرأة تلقط الولد فيتبناه. وقال الخطابي: معناه هنا قذف المحصنات وهو من الكبائر.

[ ص: 549 ] التاسع:

إنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البهت لوجهين:

أحدهما: أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال والأكساب إليهما. قال تعالى: فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30].

وثانيهما: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيب كفاحا كما يقال: فعلت هذا بين يدي فلان أي: بحضرته.

العاشر:

قوله: "ولا تعصوا في معروف" هو نحو قوله تعالى: ولا يعصينك في معروف [الممتحنة: 12] أي: في طاعة الله; وقيل: في كل بر وتقوى.

قال الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما (تأمرهن) به; فإنك لا تأمر بغير المعروف.

قال النووي: ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني (ولا أحدا ولي عليكم) من تباعي إذا أمرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدا إلى التباع. ولهذا قال: "تعصوا" ولم يقل: تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، (وقيد) بالمعروف تطييبا لنفوسهم; لأنه لا يأمر إلا بالمعروف.

الحادي عشر:

قوله: "فمن وفى منكم" أي: ثبت على ما بايع به، يقال: بتخفيف الفاء وتشديدها، وفى بالعهد وأوفى ووفى ثلاثي ورباعي. ووفى [ ص: 550 ] الشيء -ثلاثي- تم. ووفت ذمتك أيضا، وأوفى الشيء، ووفى، وأوفى الكيل، ووفاه. ولا يقال فيها: وفي ثلاثي.

الثاني عشر:

قوله: ("ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به")... إلى آخره المراد: غير الشرك.

أما الشرك: فلا يسقط عنه عذابه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يعفى عمن مات عليه بلا شك.

قال النووي: فعموم (الحديث) مخصوص، قلت: أو يؤول قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئا" أي: غير الشرك المذكور أولا.

الثالث عشر:

في الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة ومات ولم يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. وحاصله أن من مات صغيرا أو كبيرا ولا ذنب له، بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، ولا يدخل النار ولكن يردها.

كما قال تعالى: وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] وفي الورود: الخلاف المشهور. وسيأتي إيضاحه في موضعه -إن شاء الله-. وإن مات مصرا على كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فدخل الجنة في أول مرة، وإن شاء عاقبه بالنار، ثم أخرجه فأدخل الجنة، ولا يخلد أحد في النار مات على التوحيد، وأخطأ من كفر بالذنب وهم الخوارج، ومن [ ص: 551 ] قال: لا بد من عقاب الفاسق وهم المعتزلة.

الرابع عشر:

فيه دلالة لمذهب الأكثرين. كما نقله القاضي عياض أن الحدود كفارة لأهلها ومنهم من (وقف) لحديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أدري الحدود كفارات" لكن حديث عبادة أصح إسنادا، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة أولا، قبل أن يعلم ثم أعلم، واحتج من وقف بقوله تعالى: ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم [المائدة: 33]. والجواب عن ذلك من وجهين:

أحدهما: أن الآية في الكفار على من قال ذلك.

الثاني: أن حديث عبادة مخصص لها، وحكي عن القاضي إسماعيل: أن قتل القاتل حد وردع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم; لأنه لم يصل إليه حق، وقيل: يبقى له حق التشفي.

الخامس عشر:

قال ابن التين في شرح البخاري : قوله: "فعوقب في الدنيا" يريد القطع في السرقة والحد في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس، فكنى بالأولاد عنه.

التالي السابق


الخدمات العلمية