التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
2928 [ ص: 390 ] 2 - باب: أداء الخمس من الدين

3095 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن أبي حمزة الضبعي قال: سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله، إنا هذا الحي من ربيعة، بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ منه وندعو إليه من وراءنا. قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله - وعقد بيده - وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت". [انظر: 53 - مسلم: 17 - فتح: 6 \ 208]


ذكر فيه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في وفد عبد القيس.

وقد سلف في كتاب الإيمان أول "الصحيح" في باب أداء الخمس من الإيمان.

وفائدة الجمع بين الترجمتين - كما قال ابن المنير - إن قدرنا الإيمان قول وعمل دخل أداء الخمس في الإيمان.

وإن قلنا: إنه التصديق دخل أداؤه في الدين، وهو عندي في لفظ هذا الحديث خارج عن الإيمان داخل في الدين؛ لأنه ذكر أربع خصال أولها الصلاة، وآخرها أداء الخمس. فدل أنه لم يعن بالأربع إلا هذه الفروع.

وأما الإيمان الذي أبدل منه الشهادة فخارج عن العدد، ولو جعل الإيمان بدلا من الأربع لاختل الكلام أيضا، والذي خلص من ذلك كله إخراج الإيمان من الأربع، وجعل الشهادة بدلا منه. فكأنه قال: آمركم بأربع أصلها الإيمان الذي هو الشهادة، ثم استأنف بيان الأربع

[ ص: 391 ] كأنه قال: والأربع: إقام الصلاة... إلى آخره.

وقال المهلب : وجه ما ترجم له في الإيمان بين؛ لأنه أمرهم بأربع، فبدأ بالإيمان بالله تعالى، وختم بأداء الخمس، فدخل ذلك كله في جملة الإيمان، وإنما لم يأمرهم بالحج؛ لأنه لم يفرض إذا، وأمرهم بأداء الخمس؛ لأنه لا يكون الخمس إلا من جهاد فأمرهم بالجهاد وداخل في أمرهم بالخمس وإنما قصد إلى أداء الخمس؛ لأن كل من بايع لا يبايع إلا على الجهاد.

وكان وفد عبد القيس أهل غارات، ولم يعرفوا أن يؤدوا منها شيئا؛ لأنهم كانوا من فتاك العرب، فقصدهم الشارع إلى أغلب ما كانوا عليه من الباطل فذمه لهم ونهاهم عن أشياء كلها في معنى الانتباذ؛ لأنهم كانوا كثيرا يفعلونه، فقصد لهم إلى الظروف التي كانوا يتزرعون فيها إلى السكر، لانتزاع النبيذ إلى السكر فيها.

ونسخ ذلك بعد هذا لما آمن منهم أهل التذرع إلى الدباء والمزفت، وسيكون لنا عودة إليه في الأشربة، ومعنى (لسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام). إنما قال ذلك؛ لأن كفار العرب كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم، ولا يحملون السلاح فيها.

وفيه: من الفوائد قدوم وفود العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقدوم بعض أهل العراق، (ولم تفتح) كما قاله ابن التين؛ وليتأمل.

وفيه: الانتساب إلى الجد الكافر.

[ ص: 392 ] وفيه: أن هجرة المقام بالمدينة لم تكن إلا على أهل مكة ومن سواهم لا ينفرون كافة، ومن نفر منهم كان له الرجوع إلى أهله.

وفيه: تعظيم الشهر الحرام في الجاهلية مما كان عندهم من بقية دين إبراهيم.

وفيه: أن أداء الخمس من الإيمان، وهو أحد الأربع بعد الإيمان كما سلف. ولم يذكر الجهاد؛ لأنه لم يكن إلا على أهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب.

وقوله: ("شهادة ألا إله إلا الله"، وعقد بيده) أي: ثنى خنصره. قاله الداودي فإذا ثنى خنصره، وعد الإيمان. (فهي) خمسة بلا شك.

و (الدباء) - بتشديد الباء والمد - القرع، الواحدة دباءة.

و (النقير) أصل النخلة، ينقر جوفها ثم يشدخ فيه الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت. وقال الداودي : هو الخشبة تنقر فيتخذ منها وعاء.

(الحنتم) الفخار أو المطلي منه أو بالأخضر، قال أبو عبيدة: جرار خضر كانت تحمل إلى المدينة فيها الخمر. وقال ابن فارس : وكل أسود حنتم. والخضر عند العرب سود.

و (المزفت) المطلي بالزفت، وهذا كله سلف واضحا وأعدناه مختصرا لطول العهد به.

التالي السابق


الخدمات العلمية