التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3051 3223 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم، فيقول: كيف تركتم [عبادي]؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم يصلون ". [انظر: 555 - مسلم: 632 - فتح: 6 \ 306]


(الملائكة) جمع ملك. قال ابن سيده: هو مخفف عن ملاك.

وقال القزاز: هو مأخوذ من الألوك وهي الرسالة.

وقد زعم قوم أنه يجوز أن يكون من الملك; لأن الله قد جعل لكل تملك ملكا، كملك الموت ملكه قبض الأرواح، وكإسرافيل ملكه الله الصور، وكذا سائرهم.

ويفسد هذا قولهم: "ملائكة" بالهمز، ولا أصل له على هذا القول في الهمز. وقد جاء الملك جمعا كما قال تعالى: والملك على أرجائها [الحاقة: 17].

قال البخاري: وقال أنس: قال عبد الله بن سلام للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن جبريل عدو اليهود من الملائكة.

وقال ابن عباس: لنحن الصافون [الصافات: 165]: الملائكة.

ثم قال: حدثنا هدبة بن خالد، ثنا همام، عن قتادة، [ ص: 57 ] عن أنس، عن مالك بن صعصعة ثم قال: وقال همام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "في البيت المعمور".

وقال في موضع آخر: حدثنا ابن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن قتادة. وقال لي خليفة: ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، ثنا ابن عباس فذكر حديث الإسراء.

أما تعليق أنس فقد أسنده بعد فيما يأتي قريبا عن محمد بن سلام، عن مروان بن معاوية، عن حميد، عنه مطولا.

وهو معنى قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل الآية [البقرة: 97].

وأما أثر ابن عباس فرواه الطبري، عن محمد بن سعد، حدثني أبي: حدثني عمي: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس بزيادة: الملائكة صافون تسبح لله -عز وجل-.

وروى نحوه مرفوعا من حديث عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قال: كان مسروق يروي عن عائشة بلفظ: "ما في السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم" فذلك قوله تعالى: وإنا لنحن الصافون [الصافات: 165] ثم ساق عن عبد الله وعمر نحوه.

ورواه أيضا عن مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.

وحديث أنس بن مالك فيه هنا: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان".

[ ص: 58 ] وفيه: رؤية عيسى ويحيى في السماء الثانية، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم.

وفي حديث أبي ذر أنه رأى إبراهيم في السادسة.

وأخرجه مرة من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة الإسراء في مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو قائم في المسجد الحرام، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى النائم، والنبي نائمة عيناه ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء. فتولاه جبريل ثم عرج به إلى السماء.

قال الإسماعيلي: جمع البخاري، أي: في حديث ابن عباس بين حديثي شعبة وسعيد على لفظ سعيد ولم يفصله.

وفي حديث سعيد زيادة ظاهرة على ما في حديث شعبة، ولفظه: "موسى رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة" وقال: "عيسى جلد" وفي لفظ: "جعد مربوع".

فصل:

(مالك بن صعصعة) جده وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. أخرج له مسلم أيضا، وعنه أنس فقط.

وفي الرواة ابن صعصعة اثنان آخران:

أحدهما: ابن أبيه زفر بن صعصعة بن مالك بن صعصعة بن مالك بن صعصعة أخي مالك وهو أخو مالك وأخوهما عبد الله روى له ولأبيه [ ص: 59 ] أبو داود، وهما ثقتان.

الثاني: قيس بن صعصعة بن وهب شهد أحدا، أنصاري نجاري. وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الخزرجي المازني عقبي بدري أمير الساقة يوم بدر، وهو قيس بن صعصعة.

روى حبان بن واسع عن أبيه قلت: يا رسول الله، وهذا أصح.

وفي "الموطأ" عن إسحاق بن عبد الله، عن زفر، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن صعصعة وأخوه رفاعة.

فصل:

وهى ابن حزم حديث شريك فقال: لم نجد للبخاري شيئا لا يحتمل مخرجا إلا حديث شريك هذا، تم عليه في تخريجه الوهم مع إتقانه وحفظه وصحة معرفته.

وألفاظ هذا الحديث مقحمة منكرة، والآفة من شريك، من ذلك:

أولها: قوله: (إن ذلك قبل أن يوحى إليه) وأنه حينئذ فرضت عليه الخمسون صلاة، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم أن ذلك كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه (باثنتي عشرة) سنة، فكيف يكون ذلك قبل أن يوحى إليه؟ ولم يذكر مسلم في "صحيحه" هذه الزيادة.

ومنها قوله: ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى وتبعه عبد الحق فقال: زاد شريك زيادة مجهولة، وأتى بألفاظ غير معروفة.

وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين كابن شهاب، [ ص: 60 ] وثابت البناني، وقتادة، عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك.

وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث.

وقال ابن الجوزي: لا يخلو هذا الحديث من أمرين: إما أن يكون -عليه السلام - قد رأى في المنام ما جرى له مثله في اليقظة بعد سنين، أو يكون في الحديث تخليط من الرواة.

وقد انزعج لهذا الحديث الخطابي وقال: هذا الحديث منام، ثم هو حكاية يحكيها أنس ويخبر بها من تلقاء نفسه لم يعزها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يروها عنه.

قلت: وقد تأول قوله: (قبل أن يوحى إليه) أي: من أمر الإسراء، أو في أمر الصلاة; لأن فرضها ليلة الإسراء وهي المهم.

وقوله: (جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) على ظاهره، ثم جاءوا إليه مرة أخرى بعد البعث فيما يرى عليه، يوضحه قوله: "فلم يرهم حتى جاءوا إليه ليلة أخرى" فلا منافاة بين قوله: (قبل أن يوحى إليه) وبين فرض الصلاة، ودعواه الاتفاق أنه كان قبل الهجرة بسنة يرده قوله في موضع آخر عن ابن سعد أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرا لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان ليلة السبع.

وقال الواقدي: ليلة سبعة عشر من ربيع الأول.

وقال الحربي: ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر.

وقال ابن قتيبة: بعد سنة ونصف من رجوعه من الطائف.

وقال القاضي عياض: بعد البعثة بخمسة عشر شهرا.

[ ص: 61 ] وقال ابن فارس: فلما أتت عليه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به.

وعن السدي: كان قبل الهجرة بستة أشهر، حكاه عنه ابن سالم في "ناسخه".

وقال ابن الجوزي في "الوفا": كان قبل الهجرة بثمانية أشهر. وقيل: كان في ليلة سبع وعشرين من رجب.

وعند ابن الأثير: قبل الهجرة بثلاث سنين.

وعند أبي عمر: بعد المبعث بثمانية عشر شهرا.

وقال الزهري: بعد البعثة بثمان سنين.

فصل:

لما ذكر الحاكم حديث شريك قال: وهم في مواضع أربعة: ذكر إدريس في السماء الثانية، والأخبار تواترت أنه في الرابعة.

وذكر هارون في الرابعة، والأخبار تواترت أنه في الخامسة.

وذكر إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، والأخبار تواترت على العكس.

قلت: ويجوز أن يحمل على تعدد الإسراء.

[ ص: 62 ] فصل:

جمع بعضهم فيما حكاه عياض في حديث شريك ثلاثة أوهام: شق الصدر، وذكر النوم، ودنو الرب -جل جلاله- إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره، مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره، وأنه لم يسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال مرة: عن مالك كما سلف، وفي مسلم: لعله عن مالك على الشك، وقال مرة: كان أبو ذر يحدث.

نعم، قال الحاكم في "إكليله": المعراج صح سنده بلا خلاف بين أئمة الحديث فيه. ومدار الروايات الصحيحة فيه على أنس، وقد سمع بعضه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع تمامه، فسمع بعضه عن أبي ذر، وبعضه عن مالك، وبعضه عن أبي هريرة.

وأما شق الصدر فقد أخرجه فيما مضى من حديث قتادة عن أنس، عن مالك، وأخرجه أيضا وأخرجاه من حديث محمد بن مسلم عن أنس، عن أبي ذر.

وفي "مغازي موسى بن عقبة" أنه - عليه السلام - أول ما رأى أن الله أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه، فذكرها لخديجة، فعصمها الله من التكذيب، ثم خرج من عندها فأخبرنا أنه رأى بطنه شق ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان، فقالت: هذا والله خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل.

وذكره ابن إسحاق أيضا في "المبتدأ" وفي "الدلائل" لأبي نعيم الحافظ.

[ ص: 63 ] و"الأحاديث الصحيحة" للضياء أنه - عليه السلام - قال: "شق صدري وأنا ابن عشر سنين" وأشار أبو نعيم إلى غرابته.

وأما ذكر النوم فقد ورد في الصحيح من غير حديثه فلا إنكار فيه، بل روى أبو نعيم من حديث أبان، عن إبراهيم، عن علقمة: أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم يأتي الوحي بعد.

فيحتمل أن يكون رآه أولا مناما، ثم يقظة.

وروى سعيد بن المسيب مرفوعا: "ما من شيء يجري لابن آدم إلا ويراه في منامه حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه" ذكره القيرواني في تعبيره المسمى بـ"البستان" وذكر العرني في مولده: أن حليمة رأت شق صدره في المنام على الهيئة التي أخبرها بها في اليقظة فقصتها على زوجها. ولفظ الدنو جاء في الصحيح تفسيره بشيء سائغ لا إنكار فيه، أن عائشة لما سئلت عنه قالت: ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال، وأنه رآه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء، وكذا ذكره مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود.

[ ص: 64 ] فصل:

روى الزبير من حديث يونس عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، وهذا رد على ابن حزم في قوله: لا خلاف أنها صلت معه بعد فرضها.

فصل:

(وقال همام: عن قتادة .. إلى آخره) هذا رواه أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن حمدان، أخبرنا الحسن بن سفيان، ثنا هدبة، ثنا همام به، أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون فيه.

ولا يعترض بعدم سماع الحسن من أبي هريرة، فقد ثبت في عدة أحاديث سماعه منه ولله الحمد، وصرح به موسى بن هارون وقتادة وغيرهما.

فصل:

في "صحيح ابن حبان": أن جبريل - عليه السلام - حمله - عليه السلام - على البراق رديفا له، ثم رجعا ولم يصل فيه ولو صلى لكانت سنة، وهو من أظرف ما يستدل به على الإرداف.

فصل:

أخرج البيهقي حديث الإسراء من حديث شداد بن أوس.

وفيه: أنه صلى تلك الليلة ببيت لحم.

ومن حديث عبد الرحمن بن هاشم، عن عتبة، عن أنس وحذيفة وأبي عمران الجواد الحوي عن أنس.

[ ص: 65 ] وروى أيضا من حديث ابن مسعود، وأن سدرة المنتهى في السادسة.

وأبي سعيد من حديث أبي هارون العبدي، ومن حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة.

وفي "طبقات ابن سعد": بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائم في بيته ظهرا، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت -فساق حديث الإسراء- وقال بعضهم: فقد رسول الله تلك الليلة، فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه، ويلتمسونه، وخرج العباس حتى بلغ ذا طوى فجعل يصرخ:

يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبيك" فقال: يا ابن أخي، عنيت قومك منك الليلة، فأين كنت؟ قال: "أبيت ببيت المقدس" قال: في ليلتك؟ قال: "نعم "قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: "ما أصابني إلا خير". وقالت أم هانئ: ما أسري به إلا من بيتنا; نام عندنا تلك الليلة.

وفي "الشفا" رأى موسى في السابعة، بتفصيل كلامه عز وجل له، ثم على فوق ذلك مما لا يعلمه إلا الله، فقال موسى: لم أظن أني لم يرفع علي أحد.

فصل:

اختلف العلماء: هل كان الإسراء بروحه أو بجسده؟ على ثلاث مقالات:

[ ص: 66 ] فذهبت طائفة إلى الأول، وأنه رؤيا منام، مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي وحق، وإلى هذا ذهب معاوية، وحكي عن الحسن، والمشهور عنه خلافه، وإليه أشار ابن إسحاق، وحجتهم قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الآية [الإسراء: 60].

وروى ابن مردويه من حديث الحسن بن علي: أنه - عليه السلام - قال: "رأيت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا" فأنزل الله هذه الآية، وذكره أيضا من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، مرسلا.

وما حكوا عن عائشة: "ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقوله: "بينا أنا نائم" وقول أنس: "وهو نائم في المسجد الحرام" وذكر القصة، وقال في آخرها: "فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام".

وذهب معظم السلف إلى الثاني، وأنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس فيما صححه الحاكم، وعدد في "الشفا" عشرين نفسا قال بذلك من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأنه دليل قول عائشة وقول الطبري، وجماعة عظيمة، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين.

وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [الإسراء: 1] فلو كان زيارة في الجسد لذكره ليكون أبلغ للمدح.

ثم اختلف هؤلاء: هل صلى ببيت المقدس أم لا؟

[ ص: 67 ] ففي حديث أنس وغيره: صلاته فيه، وأنكر ذلك حذيفة وقال: والله ما زال عن ظهر البراق حتى رجعا.

والصحيح والحق أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها. وعليه تدل الآية، وصحيح الأخبار، والاعتبار، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة؛ إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده، ولم يقل: بعبده وقوله: ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] ولو كان مناما لم يكن فيه معجزة ولا آية، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه، ولا ارتدوا -أي: ضعفاء من أسلم- وافتتنوا به; إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته، إلى ما ذكر في الحديث من صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس، وفي السماء على ما روى غيره.

وذكر مجيء جبريل له بالبراق، وشبه ذلك من مراجعته مع موسى، ودخوله الجنة، قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها لا رؤيا منام.

وعن الحسن فيه: "بينا أنا جالس في الحجر جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي" ذكر ذلك ثلاثا، قال في الثالثة: "فأخذ جبريل بعطفي فجرني إلى باب المسجد، فإذا بدابة".

وحديث أم هانئ بين فيه أنه بجسمه، وكذا حديث الصديق والفاروق، ومن قال: إنها نوم احتج بالآية السالفة، فسماها رؤيا، وآية الإسراء ترده; لأنه لا يقال في النوم: "أسرى".

[ ص: 68 ] وقوله: (فتنة) يؤيده على أنه قيل: إنها نزلت في قصة الحديبية، وما وقع في نفوس الناس من ذلك وما سلف لا دلالة فيه; لأنه يحتمل أن يكون أول وصول الملك إليه كان وهو نائم، ولعل: "استيقظت" معناه: أصبحت، أو من نوم آخر بعد وصوله بيته، يوضحه أن مسراه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضه، أو استيقظت وأنا في المسجد لما كان غمزه من عجائب ما طالع من الملكوت فلم يستفق ويرجع إلى حالة البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام.

أو يكون نومه واستفاقته حقيقة على مقتضى لفظه، ولكنه أسري بجسده وقلبه حاضر، ورؤيا الأنبياء حق، وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو هذا.

قال: يغمض عينيه; لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله، ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء، ولعله كانت له في الإسراء حالات.

أو يعبر بالنوم هنا عن هيئة النائم من الاضطجاع.

يوضحه قوله في رواية عبد بن حميد، عن همام: "بينا أنا نائم" وربما قال: "مضطجع" وفي رواية هدبة: "مضطجع" وفي الرواية الأخرى: "بين النائم واليقظان" فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا: وقول عائشة: "ما فقدت جسده" فلم تحدث عن مشاهدة; لأنها لم تكن حينئذ زوجه، ولا في سن من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت، فإذا لم تشاهد ذلك دل أنها حدثت بذلك عن غيرها فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وغيرها يقول خلافه مما وقع نصا [ ص: 69 ] في حديث أم هانئ وغيره، وأيضا فليس حديث عائشة بالثابت عندنا. كذا قال عياض، لكنه في مسلم، والأحاديث الأخر أثبت (إسنادا يعني): حديث أم هانئ، وما ذكرت فيه (صريحة) وأيضا فقد روي في حديث عائشة: "ما فقدت" ولم يدخل بها - عليه السلام - إلا بالمدينة، وكل هذا يوهيه، بل الذي يدل عليه صريح الأخبار قولها: إنه بجسده; لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين، فلو كان عندها مناما لم تنكره.

وأما قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] فجعل ما رآه القلب - وهو دال على أنه رؤيا نوم ووحي لا مشاهدة عين وحس - يقابله قوله تعالى: ما زاغ البصر [النجم: 17] فقد أضاف الأمر للبصر، وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى: ما كذب الفؤاد [النجم: 11] أي: لم يوهم القلب العين غير الحقيقة بل صدق رؤيتها، وقيل: ما أنكر قلبه ما رأته عينه.

فائدة:

ذكر أبو خالد في كتاب: "الاحتفال في أسماء الخيل وصفاتها": أن البراق ليس بذكر ولا أنثى، ووجهه كوجه الإنسان، وجسده كجسد الفرس، وقوائمه كقوائم الثور، وذنبه كذنب الغزال.

وروى التيمي عن أنس مرفوعا: "أتاني جبريل بالبراق" فقال الصديق: قد رأيتها يا رسول الله، قال: هي بدنة، فقال: "صدقت فقد رأيتها يا أبا بكر".

[ ص: 70 ] فصل:

في ألفاظ الحديث:

الطست مؤنثة، وجمعها: طسوس، ولذلك قال ملأى على وزن سكرى، قاله ابن التين لكن بخط الدمياطي.

"ملئ": بضم أوله قال: وفي باب ذكر إدريس: "ممتلئ" قال ابن التين هناك: وصوابه ممتلئة; لأن الطست مؤنثة إلا أنه يجوز على ما تقرر في المؤنث الذي لا فرخ له أنه يجوز تذكيره.

والحكمة: كل كلمة عدل لا خلل فيها، ومنه: "إن من الشعر لحكما" أي: منه ما يدعو إلى الخير.

وقوله: ("فشق من النحر إلى مراق البطن") أي: أسفله المغابن وما يليها، وأصله: مراقق، فأدغمت القاف في القاف، وهي على وزن مفاعل، سميت بذلك; لأنها موضع رقة الجلد.

وقوله: ("أتيت بدابة أبيض") ولم يقل: بيضاء; لأنه أعاده على المعنى، أي: بمركوب أو براق. وبكاء موسى - عليه الصلاة والسلام - لا يتأول على معنى المحاسدة له والمنافسة فيما أكرم به، فذلك لا يليق بصفات الأنبياء وأخلاق الأجلة من الأولياء، وإنما بكى لنفسه ولأمته حين بخس الحظ منهم؛ إذ قصر عددهم عن مبلغ عدد أمة محمد شفقا على أمته، وتمنى الخير لهم، وقد يليق هذا بصفات الأولياء.

[ ص: 71 ] والبكاء على ضروب: فقد يكون مرة حزنا أو ألما، ومرة من إسكان أو عجيب، ومرة من سرور وطرب.

وفيه: كما قال الداودي: تمني الخير والتنافس فيه، وتمني المرء مثل ما لغيره له، وإنما قال: يدخل الجنة من أمته أكثر; لأن لكل نبي أجر من اتبعه واهتدى به.

وأما قوله: ("هذا الغلام") فمعناه: على تعظيم المنة لله عليه فيما أناله من النعمة، وأحفه له من الكرامة من غير طول عمر بلغه في عبادته، وأفناه مجتهدا في طاعته، وقد تسمي العرب الرجل المستجمع السن غلاما ما دامت فيه بقية من قوة، وذلك مشهور في لغتهم، قال الداودي: يقال لمن لم يبلغ خمسين: غلام وكهل وفتى وشاب.

وقال ابن فارس: الغلام الطار الشارب، وقال ابن التين في باب المعراج: المعروف أن من قارب الخمسين يسمى كهلا لا غلاما.

فصل:

وذكره إدريس في السماء الرابعة قيل: هو معنى قوله تعالى: ورفعناه مكانا عليا [مريم: 57] قاله أبو سعيد الخدري، وقيل: رفعناه في المنزلة والرتبة، وقيل: إنه سأل ملك الموت أن يريه النار، فأراه إياها، ثم الجنة، فأدخله إياها، ثم قال له: اخرج، فقال: وكيف أخرج وقد قال الله: وما هم منها بمخرجين [الحجر: 48] وقيل: سأل إدريس ربه أن يذيقه الموت ثم يرد إليه روحه، ففعل ذلك، ثم سأله أن يدخله الجنة ففعل، فلما رآها قال له رضوان: اخرج، قال: إن الله قضى [ ص: 72 ] لمن دخلها ألا يخرج، وقد ذقت الموت المحتوم على العباد، فأمره الله بتركه.

(وروي عن كعب أنه قال لابن عباس: لم نزلت هذه الآية؟ فقال كعب: كان إدريس صديق ملك فقال له: كلم لي ملك الموت في تأخير قبض روحي. فحمله الملك تحت طرف جناحه، فلما بلغ به السماء الرابعة لقي ملك الموت، فكلمه فقال: أين هو؟ فقال: ها هو ذا. فقال: من العجب أني أمرت أن أقبض روحه هنا، فقبضها).

وفيه: دليل على النسابة في قولهم: إن إدريس جد نوح; إذ لو كان كذلك لقال: مرحبا بالابن الصالح كما قال إبراهيم وآدم، وإنما قال: الأخ الصالح، قال ابن عباس: وإدريس هو اليسع، فعلى هذا هو مرسل، ذكره ابن التين، وقوله في إبراهيم: إنه في السابعة، ذكر في أول البخاري أنه في السادسة، ويجمع بينهما بتعدد الإسراء، فإن كان واحدا فلعله وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم في السابعة.

واختلف في موسى: هل هو في السادسة أو السابعة، واحتج بأنه في السابعة بأنه أول من مر به فلذلك كلمه في نفس الصلاة، قاله ابن التين، قال: وما ذكره من رؤياه إياه فإنما رأى الأرواح إلا عيسى، فإنه لم يمت، قال ابن عقيل الحنبلي: أشكل أرواحهم على هيئة صور أجسامهم، قلت: الأنبياء أحياء، وهي مسلوبة الروح.

وقوله: ("فإذا نبقها") يقال: بكسر الباء وسكونها، وهي: ثمر السدر.

[ ص: 73 ] وقوله: ("كقلال هجر") قيل: في القلة مائتا رطل وخمسون رطلا، بالرطل البغدادي. كذا قاله ابن التين، وهو الأصح في مذهبنا أنهما خمسمائة رطل.

قال الخطابي: القلال: الجرار، وهي معروفة عند المخاطبين معلومة القدر، وقد حدد بها الماء، والتحديد لا يقع بمجهول، وعبارة ابن فارس: القلة: ما أقله الإنسان من جرة أو حب، قال: وليس في ذلك عند أهل اللغة حد محدود إلا أن يأتي في الحديث (تفسير) فيجب أن نسلم، وعبارة الهروي: القلة منها تأخذ مزادة من الماء، سميت بذلك; لأنها تقل أي: ترفع.

وهجر -بفتح الهاء والجيم- بلد، لا تنصرف للتعريف والتأنيث.

فائدة:

قيل: إن علم الخلائق انتهى إلى سدرة المنتهى لم يجاوز ما وراءها.

وقوله: ("فنوديت: إني قد أمضيت فريضتي") قال ابن التين: احتج به من قال: إن الله -عز وجل- كلم محمدا ليلة الإسراء، وقد اختلف هل كان الإسراء يقظة أو مناما؟ قلت: قد روي: أن ملكا نادى بذلك، ولا خلاف في تكليمه، وإنما الخلف هل رآه؟

والمشهور: نعم، وفي رواية البخاري: "فنودي: إني قد أمضيت فريضتي".

[ ص: 74 ] فصل:

قوله: "الأخ الصالح" إنما عبر بصالح لشموله سائر الخلال الحسنة.

وفيه: استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والدعاء والترحيب، وإن كانوا أفضل من الداعي.

وفيه: جواز مدح الإنسان في نفسه إذا أمن عليه أسباب الفتنة.

فصل:

ينعطف على ما مضى أول الباب، ذكر الزجاج في "المعاني": أن الرسل من الملائكة - صلوات الله عليهم وسلامه -: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.

وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري عن سعيد بن المسيب قال: الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون.

وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل للريح والجنود وميكائيل للنبات والقطر، وملك الموت لقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل إليهم بما يؤمرون.

وروى الكلاباذي في "أخباره" من حديث الفضل بن عيسى، عن عمه يزيد بن أبان، عن أنس مرفوعا: "يقول الله -عز وجل- لملك الموت بعد فناء الخلق: من بقي؟ فيقول: جبريل وميكائيل، فيقول: خذ نفس ميكائيل فيقع في صورته التي خلقه الله عليها مثل الطود العظيم، ثم يقول: من بقي؟ فيقول: جبريل وملك الموت. فيقول: مت يا ملك الموت فيموت، ويبقى جبريل، فيأخذ الله روحه، فيقع على ميكائيل، وإن فضل خلقه على فضل ميكائيل كفضل الطود العظيم على الضرب من الضرار".

[ ص: 75 ] قال محمود بن عمر: ويروى: أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة: فجناحان يكفان بهما أجسادهما، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله تعالى، وجناحان مرخيان على وجوههم؛ حياء من الله تعالى. وقال علي يصف الملائكة: منهم الأمناء على وحيه، ومنهم الحفظة لعباده، ومنهم السدنة لأبواب جناته، ومنهم الثابتة في الأرض السفلى أقدامهم في الأرض، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم ولقوائم العرش أكتافهم.

وعن أبي العالية: الكروبيون: سادة الملائكة منهم: جبريل وإسرافيل، ويقال لجبريل: طاوس الملائكة.

قال الكلاباذي: سمعت بعض شيوخ المتكلمين تقول: إن جبريل يخلقه الله في وقت نزوله على محمد إنسانا وبشرا.

وهذا لا يستقيم; لأنه لو كان كما قالوا لكان قول المشركين: "إنما يعلمه بشر" صدقا، والله تعالى يقول: علمه شديد القوى [النجم: 5] نزل به الروح الأمين [الشعراء: 193] فجبريل جبريل، وإن كانت الصورة صورة إنسان، إذن فالصورة ليست الملك، وإن كان الملك هي بدل الصورة.

روينا عن علي مرفوعا: "إن في الجنة سوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا صور الرجال والنساء، من اشتهى صورة دخل فيها" فأخبر أن الصورة غير التي يدخل فيها.

[ ص: 76 ] فصل:

اختلف في البيت المعمور وفي مكانه، فقيل: البيت الذي بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض، فرفع إلى السماء في أيام الطوفان، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، والملائكة تسميه: الضراح، بالضاد المعجمة; لأنه ضرح عن الأرض إلى السماء، أي: أبعد، ومنه: نية ضرح وطرح: بعيدة.

وقال أبو الطفيل: سمعت عليا -وسئل عن البيت المعمور- قال: ذاك الضراح، بيت الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم القيامة.

قال محمود بن عمر: ويقال له الضريح أيضا، ومن قال الضراح فهو اللحن الصراح.

وعن ابن عباس والحسن: إنه البيت الذي بمكة معمور بمن يطوف به.

وعن محمد بن عباد بن جعفر: أنه كان يستقبل القبلة، ويقول: واحبذا بيت ربي ما أحسنه وأجمله! هذا والله البيت المعمور.

وقيل: البيت المعمور في السماء الدنيا، أو الرابعة، أو السادسة، أو السابعة، أقوال.

وعن جعفر بن محمد، عن آبائه: هو تحت العرش، وتقدم طرف منه في أول الصلاة.

[ ص: 77 ] والحديث الثاني من أحاديث الباب:

حديث أبي الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال عبد الله: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق قال: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه"... الحديث. وقد سلف الكلام عليه في الطهارة، وسيأتي في خلق آدم، والنذر، والتوحيد، وأخرجه مسلم والأربعة أيضا.

قال الخطيب في كتابه: "الفصل للوصل": رواه ابن عيينة وجماعات "عددهم" عن الأعمش، ثنا زيد، فذكره مطولا، وكذا رواه جماعات عن الأعمش "عددهم".

ومن أول الحديث إلى قوله: ("شقي أو سعيد") كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما بعده كلام ابن مسعود، وقد رواه عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، عن الأعمش فاقتصر من المتن على المرفوع فحسب، ورواه بطوله سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب بفصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال بعد ذكر الشقاوة والسعادة: قال عبد الله: "والذي نفسي بيده إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة" الحديث، وذكر ابن مردويه في "مجالسه" من حديث يعقوب بن الطفيل، عن مجاهد، عن أبي الطفيل، قال: أتيت حذيفة بن أسيد الغفاري فذكرت له ما سمعته من ابن مسعود: "الشقي من شقي في بطن أمه" فقال: وما تنكر من ذلك؟ سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه خمسة وأربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك" الحديث.

[ ص: 78 ] ولا التفات إلى ما حكي عن عمرو بن عبيد، وكان من زهاد القدرية من إنكاره هذا الحديث، فهو أقل من هذا.

فصل:

معنى (الصادق المصدوق): الصادق في قوله وفيما يأتيه من الوحي، والمصدوق أن الله صدقه في وعده.

وقوله: ("في بطن أمه أربعين يوما") يريد: نطفة، قال بعض العلماء: وكذلك جعل على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا; لأن الأربعة لاعتبار الخلقة، وعشرا احتياطا، ولغيره ثلاث حيض; لأن عليها رقيبا، وأبيح لها أن تتزين وتغايظ زوجها، وجاء تفسيره عن ابن مسعود: إن النطفة إذا وقعت في الرحم، وأراد الله خلق بشر منها طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دما في الرحم، فذلك جمعها. والذي في الحديث الذي يجمع خلقه أربعين يوما. بخلاف تفسيره أنه يجمع بعد الأربعين.

والعلقة: واحد العلق وهو الدم قبل أن ييبس.

والمضغة: القطعة الصغيرة من اللحم قدر ما يمضغ كغرفة لمقدار ما يغرف.

وظاهر الحديث: أن أعمال الحسنات والسيئات أمارات وليس موجبات، وأن العاقبة في ذلك للسابقة.

فائدة:

روى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي الدرداء مرفوعا: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من رزقه، وأجله، وعمله، وأثره، [ ص: 79 ] ومضجعه" يعني: قبره فإنه مضجعه على الدوام وما تدري نفس بأي أرض تموت [لقمان: 34].

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -:

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".

وهذا الحديث سبق بيانه واضحا ويأتي في الأدب والتوحيد.

أخرجه مسلم أيضا، قال الطرقي: ذكر البخاري الحب في كتابه، ولم يذكر البغض، وهو في رواية غيره: "وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضه- قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضوه، ثم يوضع البغض في الأرض" وقد أسلفت ذلك من عند مسلم، ومعنى "يوضع له القبول في الأرض": عند أكثر من يعرفه من المؤمنين، ويبقي له ذكرا صالحا.

الحديث الرابع:

حديث ابن أبي جعفر عبيد الله المصري مولى علي به، مات سنة خمس أو ست وثمانين- عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الملائكة [ ص: 80 ] تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم".

هذا الحديث من أفراده بهذا السند، وروي نحوه من كتاب الأدب من حديث يحيى بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وكذا هو في مسلم، وليس في الكتب الستة ليحيى، عن أبيه غير هذا، وعلقه في صفة إبليس أيضا فقال: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة يرفعه: "الملائكة تحدث في العنان" الحديث.

وفيه: "فيقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة" وهو موصول أيضا من حديث خالد.

وصله أبو نعيم فقال: حدثنا سليمان، ثنا طالب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، ثنا خالد فذكره. قال أبو نعيم: ذكره -يعني: البخاري- عن الليث بلا رواية، قال: ويقال: إنه سمعه من عبد الله بن صالح، عن الليث، فعدل عن ذكره وتسميته، وفي الصحيحين أيضا عن عائشة قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان فقال: "ليس بشيء" قالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بشيء ويكون حقا، فقال - عليه السلام -: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة" وفي لفظ: "كقرقرة الدجاجة".

[ ص: 81 ] إذا تقرر ذلك فالعنان بفتح العين: السحاب جمع عنانة.

وقوله: "فيكذبون معها مائة كذبة" ظاهره أنهم الكهان، وقال الداودي: يحتمل أن يعني الكاهن أو الشيطان، وقوله في الرواية التي أوردناها: "ليس بشيء" أي: ليس قولهم بشيء يعتمد عليه ولا حقيقة له، وأخذ من هذا جواز إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلا.

والعرب تقول لمن عمل شيئا لم يحكمه: ما عملت شيئا.

وقوله فيها: "فيقرها" ضبطه ابن الجوزي بضم الياء، والنووي بفتحها مع ضم القاف، وتشديد الراء، وقر الدجاجة، أي: كصوتها إذا قطعته.

يقال: قرت الدجاجة تقر قرا، فإن رددته قيل: قرقرت قرقرة، والقرقرة: ترديد كالكلام في أذن الأطروش حتى يفهم; كما يستخرج ما في القارورة شيئا بعد شيء إذا أفرغت. وعند الإسماعيلي: قر الزجاجة بالزاي، وكأنه اعتبره باللفظ الذي هو فيه كما تقر القارورة، ويكون قر الزجاجة معناه: صوتها إذا فرغ ما فيها، قال الدارقطني: وهو تصحيف من الإسماعيلي، والصواب بالدال.

وعن أبي سليمان: الكهنة: قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين؛ لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بما في وسعها.

وفي البخاري في كتاب الطب "باب الكهانة" وذكر فيه حديث [ ص: 82 ] المرأتين من هذيل، وقال فيه: عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في الجنين. مرسل رواه الإسماعيلي من حديث معن، عن مالك به مرسلا، ثم قال: قد أسنده ابن أبي ذئب ويونس، وأرسله مالك، وفليح.

وقال البخاري إثر حديث علي: عن هشام، أنا معمر، عن الزهري، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ناس من الكهان، الحديث.

وقال علي: قال عبد الرزاق: مرسل. وقال الإسماعيلي: بلغني أن عليا أسنده بعد.

ورواه أبو نعيم عن سليمان، عن إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، فذكره مسندا.

واعلم أن الكهانة كانت في العرب على ثلاثة أضرب، ذكرها القاضي عياض:

أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره مما يسترق من السمع، وهذا القسم بطل بمبعث نبينا.

ثانيها: أن يخبره بما يطرأ -ويكون في أقطار الأرض- وما خفي عليه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين، وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده، لكنهم يكذبون ويصدقون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام.

[ ص: 83 ] ثالثها: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة وشدة ما، والكذب فيه أغلب. والكاهن لغة: الذي يضرب بالحصى، كما قاله في: "الجامع".

وفي "الموعب": كهن: صار منجما، وهو في كلامهم أيضا كما قال الأزهري: القائم بأمر الشخص الساعي له في حوائجه، وفي "المحكم": هو القاضي بالغيب.

قال في: "الجامع": وكان بعض العرب يسمي الكاهن طاغوتا، ويسمي كل من أخبر بشيء قبل حدوثه كاهنا، والمرأة: كاهنة.

وقال صاحب "مجمع الغرائب": الكاهن: هو الذي يدعي معرفة الأشياء المغيبة، فتصديقه فيما يدعي من علم الغيب قرع باب الكفر، نعوذ بالله منه.

قال القاضي عياض: ومن هذا الباب: العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات، يدعي معرفتها بها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن (بالزجر) والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة، وكلها تطلق عليها اسم الكهانة.

قال القرطبي: فإذا كان كذلك فسؤالهم -يعني: الكاهن والعراف والمنجم- عن غيب ليخبروا عنه حرام، وما يأخذون على ذلك حرام [ ص: 84 ] بلا خلاف; لأنه كحلوان الكاهن المنهي عنه، قاله أبو عمر، والأمة مجمعة عليه، ويجب على المحتسب أن يقيمهم من الأسواق وينكر عليهم أشد الإنكار، وإن صدق بعضهم في بعض الأمر فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جني أو موافقة قدر; ليغتر به بعض الجهال.

والكذبة: بفتح الكاف وكسرها وسكون الذال فيهما، وأنكر بعضهم كما قال عياض الكسر إلا إذا أراد الحالة أو الهيئة.

فصل:

قال ابن الأثير في حديث: "إنما هو من إخوان الكهان": إنما ضرب المثل بالكهان; لأنهم (كانوا) يروجون أقوالهم بالباطل، فأما إذا وضع السجع مواضعه فلا ذم، قال: ففيه ذمهم وذم من يتشبه بهم، والقائل: "كيف أغرم من لا نطق .. إلى آخره" يستحق بهذا السجع الذي احتج به على الشارع بالباطل شدة العقوبة في الدنيا والآخرة، غير أنه صفح عن الجاهل وترك الانتقام لنفسه، كما في ذاك الذي قال: "اعدل".

الحديث الخامس:

حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة والأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة..".

الحديث سلف في بابها، والأغر: هو سلمان أبو عبد الله المديني، [ ص: 85 ] وأصله من أصبهان، اتفقا عليه، ووقع لأبي ذر من طريق الهيثم وحده بدله الأعرج، والصواب الأول، والحديث به مشهور، وكذا هو في مسلم: أخبرني أبو عبد الله الأغر قال ابن السكن: ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد والأغر، فصح بهذا كله أن الحديث حديث الأغر.

وحديث الأعرج المذكور أخرجه النسائي في موضعين.

الحديث السادس:

حديث سعيد بن المسيب قال: "مر عمر في المسجد وحسان ينشد" الحديث، سلف في الصلاة، وأخرجه مسلم أيضا (وروح القدس) فيه هو جبريل.

الحديث السابع:

حديث البراء قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك" ذكره لأجل لفظة جبريل. ويأتي في المغازي والأدب، وأخرجه مسلم أيضا.

الحديث الثامن:

حديث أنس بن مالك: "كأني أنظر إلى بياض ساطع في سكة بني غنم".

[ ص: 86 ] زاد موسى: موكب جبريل.

وهذا ذكره في المغازي أيضا، وشيخ البخاري نسبه ابن السكن هنا ابن راهويه، وبه صرح الإسماعيلي وأبو نعيم. (موكب) بالخفض، وقيل: يعرب بالرفع، أي: "هو موكب" وقيل: بالنصب، بقوله: "انظر موكب جبريل".

قال ابن التين: وأحسن منهما: خفضه على البدل من غبار، أي: "غبار موكب" كقول الشاعر:


بسجستان طلحة الطلحات



أراد أعظم طلحة بذلك، كذلك "موكب" ههنا.

الحديث التاسع:

حديث عائشة - رضي الله عنها - أن الحارث بن هشام سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كيف يأتيك الوحي؟" الحديث، تقدم في أول الإيمان.

وقوله: ("فيفصم") هو: بفتح الياء، قال ابن فارس: الفصم: أن يصدع الشيء من غير أن يبين، قال: ويقال: أفصم الشيء: أقلع.

الحديث العاشر:

حديث أبي هريرة: "من أنفق زوجين في سبيل الله" تقدم في الجهاد.

[ ص: 87 ] الحادي عشر:

حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى" تريد النبي صلى الله عليه وسلم.

ويأتي بعد في المغازي والأدب والاستئذان والرقاق، وأخرجه مسلم أيضا. وهذا الحديث لما رواه النسائي، عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال: هذا خطأ، يعني: أن الصواب حديث الزهري، عن أبي سلمة، كما في البخاري.

ورواه الشعبي، عن أبي سلمة وليس للشعبي، عن أبي سلمة، عن عائشة في "الصحيح" غيره.

قال الترمذي: وفي الباب عن رجل من بني نمير، عن أبيه، عن جده.

فصل:

فيه: أنه - عليه السلام - يرى الملك، ولا يراه من معه، وفيه: فضل عائشة.

وفي القرآن: دليل (أن ذلك) كان بأمر الله; لقوله تعالى: ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6] وفي رد عائشة أن إنهاء السلام إلى البركة وهي سنة، قاله ابن عباس، وكان ابن عمر يقول: في ابتداء السلام وفي رده سواء: السلام عليكم.

[ ص: 88 ] فصل:

روي: "يا عائش" مرخما، فيجوز في الشين فتحها وضمها.

و"يقرأ عليك" ثلاثي، وفي رواية: "يقرئك" بضم الياء.

وفيه: استحباب بعث السلام، ويجب على الرسول تبليغه، وبعث سلام الأجنبي إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة، وأن الذي يبلغه السلام يرد عليه.

فرع:

الرد واجب على الفور، ويستحب أن يقول في الرد: وعليك أو وعليكم السلام، فلو حذف الواو أجزأه على الصحيح، وكان تاركا للأفضل، فإن قلت: هلا واجهها جبريل كما واجه مريم؟

قلت: عنه جوابان، ذكرهما ابن الجوزي:

أحدهما: أنه لما قدر وجود عيسى - صلى الله عليه وسلم - لا من أب، بعث جبريل; ليعلمها بكونه قبل كونه؛ لتعلم أنه يكون بالقدرة، فتسكن في زمن العمل، ثم بعث إليها عند الولادة; لكونها في وحدة فقال: ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا [مريم: 24] فكان خطاب الملك لها في الحالتين; ليسكن انزعاجها.

الثاني: أن مريم كانت خالية من زوج، فواجهها بالخطاب، وأم المؤمنين احترمت لمكان سيد الأمة، كما احترم الشارع قصر عمر الذي رآه في المنام خوفا من الغيرة، وهذا أبلغ في فضل عائشة; [ ص: 89 ] لأنه إذا احترمها جبريل الذي لا شهوة له حفظا لقلب زوجها سيد الأمة كانت عما قيل عنها في الإفك أبعد. أو يكون خاطب مريم لكونها نبية على قول، وعائشة لم يذكر عنها ذلك.

الحديث الثاني عشر:

حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل: "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ " قال: فنزلت: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا الآية [مريم: 64].

هذا الحديث يأتي إن شاء الله في التفسير والتوحيد.

قال الداودي: وهو دال على أن الله تعالى إذا أراد أمرا أمر ونهى بكلامه، وأنه لم يقل ذلك قبل الوقت الذي أمر به، وهذا الكلام شديد; لأنه -سبحانه وتعالى- لم يزل آمرا ناهيا في الأزل، وإنما يفهم المخلوقون ذلك فيعلمون وقت النزول متى يكون.

الثالث عشر:

حديثه أيضا: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف" وهذا ذكره في فضائل القرآن وسلف ذكرها.

وفي رواية أخرى: أن جبريل قال له: اقرأه على حرف، وكان ميكائيل عن شماله فنظر - عليه السلام - إلى ميكائيل (كالمستشير) فلم يزل [ ص: 90 ] يشير إليه يستزده حتى (قال) سبعة أحرف كلها شاف كاف; فلهذا قيل: إن المراء في القرآن كفر، وأنه لا ينبغي أن يقول أحد لبعض القراءة: ليس هي هكذا، ولا يقال: إن بعض القراءة خير من بعض.

الحديث الرابع عشر:

حديث ابن عباس: (كان أجود الناس) الحديث، تقدم في الصوم.

وروى أبو هريرة وفاطمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن جبريل كان يعارضه القرآن. الأول سلف في الوحي، والثاني يأتي في علامات النبوة وفضائل القرآن.

الحديث الخامس عشر:

حديث ابن شهاب "أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا" الحديث، تقدم في الصلاة.

الحديث السادس عشر:

حديث أبي ذر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، أو لم يدخل النار، قال: وإن زنى، وإن سرق؟! قال: "وإن" وسلف أيضا في الاستقراض.

[ ص: 91 ] السابع عشر:

حديث أبي هريرة: "الملائكة يتعاقبون فيكم.." إلى آخره.

سلف في الصلاة، وفي حديث أبي ذر إثبات دخول ونفي دخول، وكل (واحد) منهم متميز عن الآخر بنعت ووقت، والمعنى: أن من مات على الإسلام من أهل هذه الصفة فمصيره الجنة يخلد فيها، وإن ناله قبل ذلك من العقوبة ما ناله.

وأما قوله: ("ولم يدخل النار") فمعناه: دخول تخليد، ولا بد من هذا التأويل; لورود الآثار الكثيرة في الوعيد.

وقال الداودي: قوله: ("لم يدخل النار") يحتمل أن يعصم جميعهم منها، ويحتمل أن يعصم بعضهم من النار التي أعدت للكافرين ويصيبه من غيرها، ثم يصير إلى الجنة.

وفي هذا بيان لقوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" أنه لا يخرجه ذلك من (الإيمان) لقوله: "وإن".

ولأن العقوبات في السرقة والزنا مختلفة، وليس عقوبة من خرج من الإيمان إلى الكفر إلا القتل.

التالي السابق


الخدمات العلمية