التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3135 3313 - فحدثه أبو لبابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل جنان البيوت، فأمسك عنها. [انظر: 3397 - مسلم: 2233 - فتح: 6 \ 351]


ذكر فيه عشرة أحاديث:

أحدها:

حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "يوشك أن يكون خير مال المسلم.. " الحديث، وسلف في الإيمان.

و("يوشك"): يسرع. و("شعف الجبال"): أعلاها التي تنبت الكلأ.

و("يفر بدينه من الفتن") يعني: موت عثمان الذي قال حذيفة فيه: تموج كموج البحر، فحذر - عليه السلام - من التبس عليه الأمر أن يدخل في ذلك، وكان ممن اعتزل سعد وسعيد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد.

الحديث الثاني:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - عليه السلام -قال: "رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والابل، والفدادين في أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم" ويأتي في المغازي، وأخرجه مسلم أيضا.

[ ص: 237 ] الحديث الثالث:

حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو: أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده نحو اليمن فقال: "الإيمان يمان ها هنا، ألا إن (القسوة) وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر" ويأتي في المغازي والطلاق، وأخرجه مسلم أيضا.

يريد أن رأس الكفر كان في عهده (حين) قال ذلك، وأن خروج الدجال من المشرق أيضا.

فصل:

وخروجه من قرية تسمى رستقاباد فيما ذكره الطبراني، وهو (هنا) من ذلك منشأ الفتن العظيمة.

والفخر: الافتخار وعد المآثر القديمة; تعظيما.

والخيلاء: الكبر والإعجاب بالنفس، واحتقار الناس، قال تعالى: إن الله لا يحب كل مختال فخور [لقمان: 18]

والوبر: وإن كان من الإبل (دون الخيل) فلا يمتنع أن يكون وصفهم به; لكونهم جامعين بينهما، وكأنه إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل.

[ ص: 238 ] فصل:

الفدادون: بتشديد الدال، جمع فداد، وهو من بلغت إبله مائتين فأكثر إلى ألف، قاله القزاز. وقال أبو عبيد نحوه: هم المكثرون من الإبل، وهم جفاة وأهل خيلاء. وقال أبو العباس: هم الجمالون والرعيان والبقارون (والحمالون).

وقال الأصمعي: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم. قال: والفديد: الصوت الشديد.

وقال أبو عمرو الشيباني: هو بالتخفيف جمع فداد بالتشديد، وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها، وأهلها أهل جفاء; لبعدهم عن الأمصار، حكاه أبو عبيد وأنكر عليه، وعلى هذا المراد بذلك أصحابها، بحذف مضاف، قال القرطبي: أما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره، وفي ابن فارس: "في الحديث الجفاء والقسوة في الفدادين" قال: يريد: أصحاب الحروث والمواشي. قال: وفديدهم: أصواتهم وجلبتهم. قال:


أنبئت أخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد



قال الخطابي: هو جمع الفداد; وهو الشديد الصوت، وذلك من دأب من يعالج الإبل من أصحابها. قال: وهذا إذا رويته بالتشديد، [ ص: 239 ] من فد يفد، إذا رفع صوته، فإن رويته بالتخفيف فهو جمع الفدان، وهو آلة الحرث السكة وأعواده. قال: وإنما ذم ذلك وكرهه; لأنه يشغل عن أمر الدين ويلهي عن الآخرة فيكون معها قساوة القلب.

فصل:

السكينة: السكون والطمأنينة والوقار والتواضع بخلاف ما ذكره في الفدادين، قال ابن خالويه: وهو مصدر سكن سكينة، وليس في المصادر له شبيه إلا قولهم: عليه ضريبة.

قلت: قال أبو علي الفارسي في "الحجة" وذكر قوله: شبيه هذا كثير جدا مثل النكير والنذير وغدير الحي، ولا اعتداد بالهاء.

فصل:

قوله: ("الإيمان يمان") أثنى على أهل اليمن; لإسراعهم إلى الإيمان وحسن قبولهم إياه. وقد قبلوا البشرى حين لم يقبلها بنو تميم، وجعله يمانيا; لظهوره من اليمن، ولذلك قيل الركن اليماني، يراد: الركن الذي يلي اليمن، مثل قوله:


وسهيل إذا استقل يماني



وفي رواية أخرى: "أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة" يريد بلين القلوب: سرعة خلوص الإيمان في قلوبهم. ويقال: الفؤاد غشاء [ ص: 240 ] القلب، حبته وسويداؤه فإذا رق الغشاء أسرع نفوذ الشيء إلى ما وراءه. وقال بعض العلماء: كان - عليه السلام - حين قال: "الإيمان يمان" بأرض تبوك. وكانت المدينة ومكة والحجاز كله من جهة اليمين فقال ذلك في المدينة وما والاها إلى أرض اليمن.

يؤيده قوله في حديث جابر: "والإيمان في أهل الحجاز" فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة، ومن عند يلملم إلى أوائل اليمن. وقيل: كان بالمدينة; لأن كونها هو الغالب عليه، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سباق أهل اليمن وإلى القبائل اليمنية الذين وفدوا على الصديق بفتح الشام وأوائل العراق، وإليه الإشارة بقوله: "إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن" وقيل: أراد مكة والمدينة.

قال النووي: فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريدهما ونسبهما إلى اليمن; لكونهما من ناحيته.

وقال أبو عبيد: إنما بدأ الإيمان من مكة لأنها مولده ومبعثه ثم هاجر إلى المدينة. ويقال: إن مكة من أرض تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا تسمى مكة وما وليها من أرض اليمن التهائم، فمكة على هذا يمانية، وقيل: أراد بهذا القول الأنصار; لأنهم يمانون، وهم نصروا المؤمنين وآووهم، فنسب الإيمان إليهم. قاله أبو عبيد. وأغرب منه قول الحكيم الترمذي أنه إشارة إلى أويس.

[ ص: 241 ] قال ابن الصلاح: ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد اليمن وأهله وما هو مفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ من ألفاظه: "أتاكم أهل اليمن" والأنصار من جملة المخاطبين بذلك. فهم إذا غيرهم، وكذا قوله: "جاء أهل اليمن" وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه وصفهم بما يقتضي بكمال إيمانهم ورتب عليه الإيمان، فكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة; لأن من اتصف بشيء، وقوي إيمانه به، وتأكد اضطلاعه، نسب ذلك الشيء إليه; إشعارا بتميزه به فكذا (حال) أهل اليمن حينئذ في الإيمان وحال الوافدين منه في حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما، ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم كذلك; إشعارا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم; فلا منافاة بينه وبين قوله: "الإيمان في أهل الحجاز".

ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، وهذا هو الحق في ذلك.

فائدة:

قوله: ("الإيمان يمان") أصله: يماني، فخففوا ياء النسبة، كما قالوا: تهامون، وأشعرون، وسعدون. وكذلك يقال: سيف يمان.

[ ص: 242 ] فصل:

قوله: ("القسوة وغلظ القلوب") زعم السهيلي أنهما لمسمى واحد كقوله: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [يوسف: 86] والبث: هو الحزن، ويحتمل -كما قال القرطبي- أن يقال: القسوة: يراد بها أن تلك القلوب لا تلين ولا تخشع لموعظة، وغلظها; لعدم فهمها.

وقوله: ("عند أصول أذناب الإبل") أي: إنهم يبعدون عن الأمصار فيجهلون معالم دينهم، ذكره الداودي.

وقوله: ("في ربيعة ومضر") هو بدل من ("الفدادين") أي: القسوة في ربيعة ومضر الفدادين، يعني: من بالعراق منهما، فمن مضر: العراق وبنو تميم وربيعة، وهم أهل بدو بنواحي البصرة. قال الأحنف لعمر أول ما قدم عليه وفد العراق: إنا نزلنا سبخة هشاشة طرف لنا (بالفلاة)، وطرف لنا بالماء الأجاج فيأتينا ما يأتي في مريء النعامة، وإن من إخواننا من أهل الأمصار نزلوا في مثل حدقة البعير من المياه العذب فتأتيهم فواكههم لم تخضد، فإن أنت لم ترفع خسيسنا وتجبر وكيسنا بعطاء تفضلنا به على سائر الأمصار نهلك.

فصل:

قرنا الشيطان: جانبا رأسه، وقيل: هما جمعاه اللذان يغويهما الناس. وقيل: شيعتاه من الكفار. والمراد بذلك: اختصاص المشرق بمزيد تسلط الشيطان ومن الكفر. قال الخطابي: ضرب المثل بقرن [ ص: 243 ] الشيطان فيما لا يحمد من الأمور. وقيل: المراد به ما ظهر من العراق من الفتن كوقعة الجمل وصفين والخوارج، فإن أصل ذلك ومنبعه بالعراق ومشرق نجد، وهي مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك.

الحديث الرابع: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانا".

وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا.

و"الديكة": جمع ديك -بكسر الدال وفتح الياء- على وزن قردة جمع قرد، وهو ذكر الدجاج، كما قاله ابن سيده، وقوله:


وزقته الديك بصوت أزقا



إنما أنث على إرادة الدجاجة; لأن الديك دجاجة أيضا، والجمع القليل: أدياك، والكثير: ديوك وديكة. وأرض مداكة: كثيرة الديكة، وعن الداودي: وقد يسمى الديك دجاجة; والدجاجة تقع على الذكر والأنثى.

فصل:

فيه دلالة أن الله جعل للديك إدراكا، كما جعله للحمير، وأن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم في الشرع قطعا، والمنكر لشيء منها كافر، كما نبه عليه القرطبي قال: وكأنه إنما أمر [ ص: 244 ] بالدعاء عند صراخ الديكة; لتؤمن الملائكة على ذلك; ولتستغفر له وتشهد له بالتضرع والإخلاص فتتوافق الدعوتان، فتقع الإجابة. ومنه يؤخذ استحباب الدعاء عند حضور الصالحين.

وأما التعوذ بعد نهيق الحمار; فلأن الشيطان إذا حضر يخاف شره، فيتعوذ منه. وفي "صحيح ابن حبان" من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: "لا تسبوا الديك; فإنه يدعو إلى الصلاة".

وعند البزار: صرخ الديك قريبا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل: اللهم العنه. فقال - عليه السلام -: "مه، كلا إنه يدعو إلى الصلاة".

وعند أبي موسى الأصبهاني في "ترغيبه" من حديث معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع: حدثني أبي، عن أبيه أبي رافع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله تعالى، وصلوا (علي) ".

فائدة:

ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة -نبه عليها الداودي-: حسن الصوت، والقيام بالسحر، والسخاء، والغيرة، وكثرة النكاح.

الحديث الخامس:

حديث جابر - رضي الله عنه -: "إذا كان جنح الليل -أو أمسيتم- فكفوا صبيانكم" الحديث، وقد سلف حكمه قريبا في باب صفة إبليس وجنوده، وفي [ ص: 245 ] رواية لم يذكر التسمية، وأغفله المزي في "أطرافه" تبعا لخلف، واقتصرا على عزوه إلى صفة إبليس، وزعما أن البخاري رواه في الأشربة عن إسحاق بن منصور، عن روح، ورواه هنا عن إسحاق غير منسوب، ونسبه أبو نعيم هنا في رواية ابن إبراهيم. وقال الجياني: (قال البخاري) في باب ذكر الجن وتفسير سورة البقرة والرقاق: ثنا إسحاق، حدثنا روح. ولم أجد إسحاق هذا منسوبا عند أحد من شيوخنا في شيء من هذه المواضع. وقد حدث البخاري في تفسير سورة الأحزاب وسورة ص عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح، وحدث في الصلاة في موضعين، وفي الأشربة في غير موضع، عن إسحاق بن منصور، عن روح. كذا قال.

الحديث السادس:

حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفار، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت".

فحدثت بها كعبا، فقال: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله؟ قلت: نعم. قال لي مرارا. فقلت أفأقرأ التوراة؟!


الشرح:

عند مسلم "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه" الحديث، والظاهر أنه قال هذا أولا ثم أعلم بعد بما رواه مسلم من حديث ابن مسعود، وذكر عنده - عليه السلام - القردة والخنازير أهن [ ص: 246 ] مسخ؟ فقال: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا" وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. وقال ابن قتيبة: أنا أظن أن القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت، إلا أن يصح هذا الحديث.

قلت: قد صح. وقال ابن التين: قوله في الفأرة على ما ذكره من الظن لا يقطع فيه بشيء.

فصل:

سبب امتناع المسخ من شرب لبن الإبل; لأن شحومها وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون الغنم.

فصل:

قوله: (أفأقرأ التوراة؟!). وفي نسخة: أقرأ التوراة، وهذا بهمزة استفهام، وهو استفهام إنكار، معناه: ما لي علم ولا عندي شيء إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أنقل من التوراة.

الحديث السابع: حديث عائشة - رضي الله عنها - في قتل الأوزاغ.

سلف في الحج، وحديث أم شريك مثله، وهو الحديث الثامن ويأتي في أحاديث الأنبياء وأخرجه مسلم أيضا.

وقول أم شريك لا يضاد قول عائشة: "لم أسمع - عليه السلام - أمر بقتله" لأنها لم تسمع جميع مقالته، والزيادة من الثقة مقبولة.

والأوزاغ جمع وزغ، ووزغ جمع وزغة.

[ ص: 247 ] الحديث التاسع والعاشر:

حديث عائشة من طريقيه وكذا ابن عمر من طريقيه في قتل ذي الطفيتين. سلف قريبا الكلام عليه في الباب قبله، وقوله أنه - عليه السلام - هدم حائطا له، فوجد فيه سلخ حية، فقال: "انظروا أين هو" فنظروا، فقال: "اقتلوه".

(سلخ): بنصب السين، وكسرها أولى; لأنه اسم كما قاله ابن التين.

و"جنان": بكسر الجيم وتشديد النون الأولى، وهو جمع جان كما سلف.

وقوله: (نهى عن قتل جنان البيوت) قال مالك: أراد بيوت المدينة، وقيل: أراد المدينة وغيرها. واستحسن مالك ذلك في غير المدينة، وقال فيما وجد في الصحراء: يقتل ولا يتقدم إليها. وقد سلف ذلك أيضا.

التالي السابق


الخدمات العلمية