التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3375 3568 - وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: ألا يعجبك أبو فلان؟ جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسمعني ذلك، وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يسرد الحديث كسردكم. [انظر: 3567- مسلم: 2493- فتح: 6 \ 567]


ذكر فيه عدة أحاديث:

[ ص: 132 ] أحدها:

حديث عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي. وهو يضحك.

وهو دال على فضل الصديق وحفظه لقربى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحبه من أحب.

وقوله: (بأبي) أي: فداك بأبي.

ثانيها:

حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان الحسن يشبهه.

وعنه: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان الحسن بن علي يشبهه قلت لأبي جحيفة: صفه لي. قال: كان أبيض قد شمط. وأمر لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- بثلاثة عشر قلوصا قال: فقبض النبي- صلى الله عليه وسلم- قبل أن نقبضها.

وعنه: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- ورأيت بياضا من تحت شفته السفلى العنفقة.

ومعنى شمط: خالطه الشيب، والقلوص الأنثى من الإبل، قال ابن التين: وكان حقه أن يقول ثلاث عشرة قلوصا، وقيل: القلوص الباقية من النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم. وقال الداودي: هي الثنية من الإبل.

والعنفقة ما بين الشقة السفلى والذقن، قال في "المخصص": هي ما بينهما كان عليها شعر أو لم يكن. وقيل هو ما كان ينبت على

[ ص: 133 ] الشفة السفلى والذقن. (وعند القزاز هي تلك الهمزة التي بين الشفة السفلى والذقن). وقال (الخليلي) : هي الشعرات بينهما، (ولذلك يقولون) في التحلية: نفي العنفقة إذا لم يكن (بينهما) شعر، وقال أبو بكر: العنفق خفة الشيء وقلته، ومنه اشتقاق العنفقة، فدل هذا أن العنفقة الشعر، وأنه سمي بذلك لقلته وخفته.

الحديث الثالث:

حديث حريز بن عثمان-بالحاء المهملة- أنه سأل عبد الله بن بسر-بالسين المهملة- صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: أرأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- كان شيخا قال: كان في عنفقته شعرات بيض.

قلت: ولعله المراد من حديث أبي جحيفة الذي قبله: ورأيت بياضا من تحت شفته (السفلى) العنفقة.

الحديث الرابع:

حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليس بجعد قطط ولا سبط رجل، أنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه،

[ ص: 134 ] وبالمدينة عشر سنين، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره، فإذا هو أحمر فسألته، فقيل: احمر من الطيب.


وعن أنس أيضا مثله بطوله، ويأتي في اللباس أيضا، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي في الزينة مختصرا.

قوله: (ليس بالطويل ولا بالقصير) هو بيان لقوله: (ربعة) فليس بالطويل البائن كما في الرواية الثانية الذاهب طولا المضطرب القامة، مضطرب من طوله كما قاله الأخفش (قال) : وهو عيب في الرجال والنساء. (وأزهر اللون) هو البياض المشرب بحمرة، وقيل: هو أبيض اللون ناصعه.

وقوله: (ليس بأبيض أمهق، ولا آدم)، الأمهق: الشديد البياض الذي لا يخالط بياضه شيء من الحمرة، وليس بنير ولكن كلون الجص ونحوه، يقول: فليس هو كذلك. وقال الأخفش وغيره: هو الأبيض الذي ليس بمشرب يتوهم أنه مرض من شدة بياضه (وإنما كان بياضه) مشربا بحمرة.

وقال ابن التين: قوله: (ليس بأبيض) يريد أنه ليس بأبيض أمهق، وقال الداودي: إنما ابتدلت اللفظتان في رواية مالك: ليس بالأبيض، وقد عرفت أن رواية البخاري: ليس بأبيض أمهق. بالجمع بينهما،

[ ص: 135 ] وقد (نقله) هو بعد.

ونقل عن الداودي أن قوله: (أمهق) وهم، إنما هو ليس بأمهق، وهذا في رواية أبي ذر، وليس في رواية الشيخ أبي الحسن.

وقال القاضي عياض: وقع في رواية المروزي: (أزهر اللون أمهق) وهو خطأ. وجاء في أكثر الروايات: (ليس بالأبيض ولا بالآدم) وهو غلط أيضا وصوابه: (ليس بالأبيض الأمهق).

والآدم قيل: الأسمر، وقيل فوقها يعلوه سواد قليل. وعبارة ابن التين في كتاب اللباس: قوله: (وليس بالآدم) يعني: ليس بأسمر، قال الجوهري: الأدمة السمرة. وكذلك قال ابن فارس، وقيل هو الشديد السمرة، وذكر صاحب "الموعب" أن الأمهق: الجص البياض، وقيل: بياض في زرقة. وامرأة مهقاء ومقهاء، وقال بعضهم: هما الشديد البياض. وعن ابن دريد هو بياض سمج لا تخالطه حمرة ولا صفرة، وفي "التهذيب": بياض ليس بنير. وفي "الجامع": بياض شديد مفتح، أي: مثل بياض البرص. وقيل: المهق مثل المره سواء، وهو ترك الكحل، وقيل: هو شدة الخضرة. والجعد القطط يريد شدة الجعودة، وقال الأخفش: القطط الذي فيه تكسر والتواء لا يسترسل كشعر الحبش.

[ ص: 136 ] (قال الهروي: الجعد غير السبط محمود؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم).

وقوله (ولا سبط) أي ليس بمرسل الشعر كشعر الهند، كان بوسط الخلقة، كان فيه جعودة بصقلة، وقيل: المسترسل من الشعر الذي فيه تكسر هو السبط.

وقوله: (رجل) أي سرح الشعر (مسترسله).

فصل:

قوله: (أنزل عليه-أي: الوحي- وهو ابن أربعين) هو قول الأكثرين، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، وذلك يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع. وقيل: لأربع وعشرين ليلة منه، فيما ذكره ابن عساكر.

وعن أبي قلابة: نزل عليه القرآن لثمان عشرة (ليلة) خلت من رمضان.

وعند المسعودي: (يوم الإثنين) لعشر خلون من ربيع الأول، وعند ابن إسحاق: ابتدأ بالتنزيل يوم الجمعة من رمضان.

[ ص: 137 ] (وفي "تاريخ الجعابي") : بعثه وعمره أربعون سنة وعشرون يوما، وهو تاسع شباط لتسعمائة وأربعة وعشرين عاما من سنين ذي القرنين.

وقال ابن عبد البر: يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع منه وفي "تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي": على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، وعن مكحول: أوحي إليه بعد اثنتين وأربعين سنة.

وقال الواقدي، وابن أبي عاصم، والدولابي في "تاريخ": نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة لتسع وعشرين من رجب، قاله الحسين بن علي بن أبي طالب.

وجمع بين هذه الأقوال، والأول بأن ذلك حين حمي الوحي وتتابع، فتحصلنا في السن على أقوال، اثنين وأربعين ونيف، اثنين وأربعين، ثلاث وأربعين.

وفي الشهر على ثلاثة أقوال: ربيع الأول، رمضان، رجب.

وعند الحاكم مصححا أن إسرافيل وكل به أولا ثلاث سنين قبل جبريل، وأنكر ذلك الواقدي وقال: أهل العلم ببلدنا ينكرون أن يكون وكل به غير جبريل.

[ ص: 138 ] وزعم السهيلي أن إسرافيل وكل به تدربا وتدريجا لجبريل كما كان أول نبوته الرؤيا (الصادقة).

فصل:

قوله: (فلبث بمكة عشر سنين) هذا على رواية أنس، ومن يقول توفي ابن ثلاث وستين يقول: لبث بها ثلاث عشرة. وكذا يلزم من قال: توفي ابن خمس وستين أن يقول: لبث بها خمس عشرة سنة ومن يقول: اثنين وستين يقول: لبث ثنتي عشرة، إذ لم يختلف في إقامته بالمدينة أنها عشر سنين.

فصل:

وقوله: (فقيل أحمر من الطيب) أي أنه لم يختضب كما صرح به في الصحيح، وقد سلف الاختلاف فيه. واختضب أبو بكر بالحناء والكتم وعمر بالحناء بحتا-بالحاء المهملة ثم مثناة فوق- أي: خالصا، كما أخرجه مسلم.

الحديث الخامس:

حديث البراء: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير.

(خلقا) بضم الخاء كما وصفه الله بقوله وإنك لعلى خلق عظيم .

[ ص: 139 ] الحديث السادس:

حديث قتادة قال: سألت أنسا- رضي الله عنه-: هل خضب النبي- صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا، إنما كان شيء في (صدغيه). قد سلفت الإشارة إلى ذلك قريبا.

الحديث السابع:

حديث البراء بن عازب- رضي الله عنه-: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه.

وقال يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه: إلى منكبيه.

وهذا التعليق قد أسنده بعد عن أحمد بن سعيد، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء. ومن صفاته أنه كان كثير شعر الرأس كما رواه علي كذلك، وقالت أم هانئ: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قدمة وله أربع غدائر. تعني: ضفائر.

قال الداودي وقوله: شحمة أذنيه والأخرى إلى منكبيه قد نقص عنها، أو أحدهما وهم. قلت: لا وهم والجمع ممكن.

الحديث الثامن:

حديث أبي إسحاق قال: سئل البراء- رضي الله عنه-: أكان وجه النبي- صلى الله عليه وسلم- مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.

وفي لفظ: أكان وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حديدا مثل السيف؟ قال: لا، ولكنه كان مثل القمر.

[ ص: 140 ] وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة قال له رجل: أكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجهه مثل السيف قال جابر: لا، مثل الشمس والقمر مستديرا، وفي رواية عنه: رأيته في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو كان أحسن في عيني من القمر.

الحديث التاسع:

حديث أبي جحيفة- رضي الله عنه-: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة. وزاد فيه عون، عن أبيه أبي جحيفة قال: كان تمر من ورائها المرأة، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب من رائحة المسك.

وقد سلف.

والبطحاء: المكان المتسع ليس فيه ماء ولا شجر. والعنزة العكازة أو العصا كان في أعلاه قرن. وفيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، (وقال الداودي: فيه أن الإمام سترة لمن خلفه) واعترض ابن التين فقال: ليس كما ذكر لما ذكرناه.

[ ص: 141 ] الحديث العاشر:

حديث ابن عباس: كان أجود الناس وقد سلف. أي: أعطاهم للمال.

الحديث الحادي عشر:

حديث عائشة- رضي الله عنها- أنه- صلى الله عليه وسلم- دخل عليها وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة - ورأى أقدامهما-: إن بعض هذه الأقدام من بعض؟ ".

الأسارير خطوط الجبهة وتكسرها، وإحداها: سر وسرر، والجمع: أسرار وأسارير، والأسارير جمع الجمع، ويظهر ذلك عند الفرج، وفيه العمل بالقافة خلافا لأبي حنيفة وأكثر أهل العراق، ومالك يقول به في الإماء، ومشهور قوله في الحرائر، والشارع لا يظهر الفرح إلا فيما كان حقا، وكان زيد أبيض، وأسامة أسود فارتاب الناس في أمرهما فمر بهما مجزز فأخبر بما أخبر فسر به.

الحديث الثاني عشر:

حديث كعب في تخلفه عن تبوك: فلما سلمت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. وهو وحديث عائشة- رضي الله عنها- الذي قبله في الدلالة واحد، وهو ظهور السرور على وجهه.

الحديث الثالث عشر:

حديث عمرو-وهو ابن أبي عمرو ميسرة- أبو عثمان مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول

[ ص: 142 ] الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منهم". وهو دال على كونه أفضل المخلوقات ولا شك فيه.

الحديث الرابع عشر:

حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأسه.

يسدل بضم الدال أي: يدع شعر ناصيته على جبهته.

وقوله: (ثم فرق رأسه)، أي فرق شعر رأسه كله وألقاه إلى جانبي الرأس، ولم يبق منه شيء على جبهته.

ومنه الحديث: أنه نهى عن السدل، ومعناه بعد ما كان يسدل، وتأول قوم ظاهر الحديث فكرهوا سدل الرداء من فوق الثياب في الصلاة.

وقوله: (كان يحب) إلى آخره، يعني فيما لا يخالفه، وإنما ذلك; لأنهم كانوا على بقية من دين الرسل فيما تبين أنهم لم يحرفوه ولا بدلوه، أحب موافقتهم فيه بقول الله تعالى: فبهداهم اقتده [الأنعام: 90]، ويحتمل أن يكون فرق بعدما يسدل لأمر أمر به؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.

الحديث الخامس عشر:

حديث عبد الله بن عمرو: لم يكن النبي- صلى الله عليه وسلم- فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقا".

وسببه أن الله تعإلى مدح خلقه فقال: وإنك لعلى خلق عظيم

[ ص: 143 ] [القلم: 4]، وفيه أبو حمزة عن الأعمش بالحاء المهملة والزاي.

الحديث السادس عشر:

حديث عائشة- رضي الله عنها-: ما خير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها.

قولها: (ما لم يكن إثما) تريد من أمور الدنيا، إذ لا إثم يكون في الآخرة.

واختلف في قولها: (وما انتقم لنفسه) إلى آخره، فقيل أرادت أكثر أحواله، وذلك لأنه أمر بقتل ابن خطل وقينتين كانتا تكثران من سبه، وقيل: أرادت إذا أوذي بغير السب الذي يخرج إلى الكفر مثل الأذى في المال، والجفاء في رفع الصوت فوق صوته، وجبذ الأعرابي لثوبه، وتظاهر عائشة وحفصة عليه، وما آذاه بالسب فهو كفر.

وفيه: أن المرء ينبغي له ترك ما عسر من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يضطر إليه، والميل إلى اليسر، وفيه الأخذ برخص الله ورسوله والعلماء ما لم يكن القول خطأ بينا، وفيه أن للعالم أن يعفو إن أحب أن يتأسى بالشارع، وأن على العالم أن يغضب عند المنكر ويغيره إذا لم يكن لنفسه، وأن الإنسان لا يقضي لنفسه في الأموال، (وقال الداودي: إنما لا ينتقم لنفسه في الأموال).

وأما العرض فما نيل منه فقد اقتص لنفسه، واقتص أيضا من الذين

[ ص: 144 ] آذوه في المرض بعد نهيه عن ذلك مع ما أنهم كانوا متأولين أنه إنما نهاهم عنه كراهية الدوام، وأنه لم يكن نهيه عزما، مما يفسدوا في التأويل فاقتص منهم.

الحديث السابع عشر:

حديث أنس- رضي الله عنه- قال: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا شممت ريحا قط-أو عرفا قط- أطيب من ريح-أو عرف- النبي- صلى الله عليه وسلم-.

هذا الحديث سلف في الصوم، ومسست بكسر السين أفصح، وكذا شممت بكسر الميم.

والعرف بفتح العين الأرج وهو رائحة الطيب. قال ابن جرير: وفي صفة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- خلاف صفة أنس هذه؛ لأنه قال: شثن الكفين والقدمين أي غليظهما في خشونة، وفيه ضخم الكراديس أي عظيم رءوس عظام المنكبين والمرفقين والوركين والركبتين، يقال لكل واحد من ذلك كردوس.

الحديث الثامن عشر:

حديث عبد الله بن أبي عتبة بضم العين ثم مثناة فوق ثم باء موحدة مولى أنس بن مالك، عن أبي سعيد الخدري: كان- صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها. وفي رواية إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.

العذراء: البكر في خدرها وسترها، يريد في غير حدود الله وحقوقه، كان لا يمد رجليه بين يدي جليسه، ولا يصافحه أحد فينزع يده من يده، حتى يكون الرجل هو الذي (يرسل) يده، ولا يسأل شيئا يمكنه إعطاؤه

[ ص: 145 ] إلا أعطاه، ولا يحتقر أحدا لضعفه، ويقوم بحقوق الله في التأديب والإغلاظ، قال: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، وقال للمعترف بالزنا: "أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ حتى كان كالرشاء في البئر كالمرود في المكحلة"، بل قال (له) : "أنكتها" لا يكني كما ستعلمه في موضعه.

الحديث التاسع عشر:

حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: ما عاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه. هو من جميل خصاله المشرفة.

الحديث العشرون:

حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة الأسدي قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا سجد فرج بين يديه حتى يرى (إبطيه وفي لفظ) بياض إبطيه.

هذا الحديث سلف في الصلاة غير مرة. قال الشيخ أبو الحسن: ليس هو أسديا، إنما هو من أزد شنوءة.

وقد بسطنا الكلام على ذلك في الحديث الثالث من باب مناقب قريش فراجعه.

[ ص: 146 ] ومعنى فرج بين يديه: فتح ولم يضم مرفقيه إليه، وهذه سنة السجود كما سلف في موضعه.

الحديث الحادي والعشرون:

حديث قتادة عن أنس- رضي الله عنه- أنه- عليه السلام- كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. (وقال أبو موسى: دعا النبي- صلى الله عليه وسلم- ورفع يديه ورأيت بياض إبطيه) وحديث أنس سلف في الاستسقاء، ومراده الرفع البليغ، وإلا فقد رفع يديه في عدة مواضع، سلف التنبيه على بعضها.

الحديث الثاني بعد العشرين:

حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه- رضي الله عنه- قال: دفعت إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة فخرج بلال فنادى بالصلاة.. الحديث.

وفيه: (كأني أنظر إلى وبيص ساقيه). ووبيصهما: لمعهما، وما يظهر تحت الجلد من الدم فيحسن بذلك الجلد، يقال منه: وبص إذا برق يبص وبيصا، وبص يبص بصيصا.

الحديث الثالث والعشرون:

حديث عائشة- رضي الله عنها-: أنه- عليه السلام- كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه، وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: ألا يعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن

[ ص: 147 ] رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسمعني ذلك، وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يسرد الحديث كسردكم.


ومعنى (لأحصاه) أي: في ترسله وبيانه، ولعل من عابت عليه كان لا يستطيع إذا أمهل أن يأتي به على وجهه، والناس في ذلك مختلفون، منهم من يحفظ مع السرعة، ومنهم من يحفظ مع الإمهال.

فائدة:

روى البخاري هذا الحديث عن الحسن بن الصباح البزار، والحديث الذي قبله عن الحسن بن الصباح، وهذا-أعني: البزار- واسطي بغدادي، أحد الأعلام، من أفراد البخاري عن مسلم، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، والأول الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه أحد رواة القديم عن الشافعي، اختاروه لقراءة كتب الشافعي لما قدم بغداد; لأنه لم يكن أفصح ولا أحسن لسانا ولا أبصر باللغة ولا العربية منه، وهو من أفراد البخاري أيضا دون مسلم، مات سنة ستين ومائتين والله تعإلى أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية