التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3567 3778 - حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي التياح قال: سمعت أنسا- رضي الله عنه- يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة- وأعطى قريشا: والله إن هذا لهو العجب، إن

[ ص: 376 ] سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- فدعا الأنصار. قال: فقال "ما الذي بلغني عنكم؟" - وكانوا لا يكذبون- فقالوا: هو الذي بلغك.
قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم".
[انظر: 3146- مسلم: 1059- فتح: 7 \ 110]


ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

حديث غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار، كنتم تسمون به أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله، كنا ندخل على أنس فيحدثنا مناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي-أو على رجل من الأزد- فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا.

وحديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم- فقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، فقدمه الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم- في دخولهم في الإسلام.

وحديث أنس- رضي الله عنه- يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة- وأعطى قريشا- : والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- فدعا الأنصار. قال: فقال "ما الذي بلغني عنكم؟". وكانوا لا يكذبون. فقالوا: هو الذي بلغك. قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم".

الشرح:

معنى (تبوءوا): اتخذوا ولزموا، والدار: المدينة، قال محمد بن

[ ص: 377 ] الحسن بن زبالة المدني:
وكذا الإيمان ثم نعت أنفسهم فقال: يحبون من هاجر إليهم ، وقوله: ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا : المهاجرين، قال الحسن: الحاجة: الحسد، قال: ويؤثرون على أنفسهم قال الداودي: دعاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يقطع لهم بالبحرين، فقالوا: حتى تقطع لإخواننا المهاجرين، فقال: "سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني".

قال أبو هريرة- رضي الله عنه-: نزل رجلا من الأنصار - يقال له: أبو المتوكل ثابت بن قيس- ضيف، ولم يكن عنده قوت إلا قوته، وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج، ونومي الصبية، فنزلت ويؤثرون على أنفسهم الآية، وسيأتي في البخاري قريبا أتم من هذا وكذا الذي قبله.

فصل:

الأنصار اسم إسلامي لنصرتهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإنما كانوا يعرفون بأولاد قيلة وبالأوس والخزرج، ولما وفد النعمان بن بشير مع قومه من الأنصار على معاوية قال للحاجب: استأذن. فقال عمرو بن العاصي: ما هذا اللقب اخرج فناد من كان هنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل فدخل ناس قليل، قال: أخرج فناد من كان هنا من ولد قيلة أو من أولاد الأوس والخزرج فليدخل فلم يدخل أحد، فقال معاوية: اخرج

[ ص: 378 ] فقل: ليدخل الأنصار، فدخلهم يقدمهم النعمان، وهو يقول:


يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا نسب نجيب به سوى الأنصار     نسب تخيره الإله لصحبنا
أثقل به نسبا على الكفار     إن الذين نفروا ببدر منكم
يوم القليب هم وفود الأنصار



ذكره أبو الفرج الأموي.

فصل:

وقولها: (كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله) أي: قتل فيه رؤساء الأوس والخزرج; لأنهم لو بقوا أنفوا أن يقعوا تحت حكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

ويوم بعاث سلف في العيدين، وهو بالعين المهملة-وروي بالغين المعجمة- وبضم الباء وفتحها حكاهما في "الجامع"، والأشهر ترك صرفه، ويجوز صرفه حكاه في "المطالع"، وعند أبي ذر بالمعجمة بلا خلاف، وأنكر غيره، قال العسكري: لم يسمع من غير الخليل، وقال الأزهري: صحفه ابن المظفر، وما كان الخليل ليخفى عليه هذا اليوم; لأنه من مشاهير أيام العرب، وإنما صحفه الليث وعزاه إلى خليل نفسه وهو لسانه، وأما النووي فعزاها إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو يوم من أيام الأوس والخزرج معروف، وذكره الواقدي وابن إسحاق، وكان الظهور فيه للأوس.

[ ص: 379 ] وقال أبو موسى المديني: بعاث حصن للأوس، وقال أبو عبيد البكري: على ليلتين من المدينة، وقال العسكري: وهو يوم مذكور كان في الجاهلية، وإلى قبل الإسلام وكان الرئيس فيهم حضير الكتائب أبو أسيد، وكان فارسهم، ويقال: إنه ركز الرمح في قدمه يوم بعاث، وقال: أترون أني أفر فقتل يومئذ، وكان له حصن منيع يقال له: واقم.

قال في "الجامع": سمي بعاث لنهوض القبائل بعضها إلى بعض، قال في "الواعي" بقيت الحرب بينهم قائمة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام. وقال صاحب "مائدة الأدباء": فبقيت بينهم أربعين سنة، وقال ابن الأثير: سببه قتل المجذر بن زياد سويد بن الصامت.

فصل:

وقول الأنصار يوم فتح مكة: (وأعطى قريشا) أي: من غنائم حنين بعد فتح مكة; لأن أهل مكة لم تقسم أموالهم، ولا أخذت، ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وكان حكمهم وحكم أموالهم خلاف حكم غيرهم لم يسترقوا، ولم يجر على من أسر منهم رق، ولا عتق، ولا ولاء، ولم يقبل منهم جزية.

التالي السابق


الخدمات العلمية