التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3631 3844 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي، قال غيلان بن جرير: كنا نأتي أنس بن مالك فيحدثنا عن الأنصار، وكان يقول لي: فعل قومك كذا وكذا يوم كذا وكذا، وفعل قومك كذا وكذا يوم كذا وكذا. [انظر: 3776- فتح: 7 \ 149]


ذكر فيه أحاديث مجموعها ثلاثة عشر حديثا:

[ ص: 453 ] أحدها:

حديث عائشة- رضي الله عنها- في صوم يوم عاشوراء.

وقد سلف في بابه.

ثانيها:

حديث ابن عباس- رضي الله عنهما-: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض.

الحديث سلف في الحج.

وقوله: (كانوا يسمون المحرم صفرا)، سلف أنه شق عليهم اجتماع ثلاثة أشهر متوالية حرم، ففصلوا بينها بأن جعلوا المحرم صفر بأن يقوم رجل إذا صدروا عن ميامن كنانة، فيقول: أنا الذي لا يرد قضاؤه، فيقولون: أنسئنا-أي: أخرنا- شهر الحرمة المحرم، واجعلها من صفر; لأن معايشهم كانت من الإغارة فيحل لهم في المحرم فأنزل الله تعالى: إنما النسيء زيادة في الكفر [التوبة: 37].

وقوله: (برا الدبر) يقال: برئت من المرض وبرأت، وهو هنا بفتح الراء كما ضبط، والدبر: جمع دبرة، معناه: إذا انصرفت الإبل عن الحج، وظهورها دبرة.

وقوله: (وعفا الأثر) أي: درس يعني أثر الدبر، قاله الخطابي، وقال الداودي: عما أثر الحجيج، وما ناله في حجه من التعب.

وقوله: (فأمرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يجعلوها عمرة) هو فسخ للحج،

[ ص: 454 ] وهو خاص بهم كما أسلفناه هناك، وعليه أكثر أهل العلم خلا أحمد وداود فإنهما أجازاه.

الحديث الثالث:

حديث سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء سيل في الجاهلية فكسا ما بين الجبلين. قال سفيان: ويقول: إن هذا الحديث له شأن.

وقوله: (فكسا ما بين الجبلين) أراد بالجبلين اللذين بجانب الوادي الذي فيه المسجد.

وقوله: (إن هذا الحديث له شأن) هو ما جاء في رواية أخرى أن السيل كان يدخل المسجد فيثبت بموضع البيت قبل أن يبنى وهو ربوة، ولا يعلوه، وسيل الحرم (لا) يخرج إلى الحل ولا يدخل سيل الحل الحرم ولما أراد تحديد الحرم دعا شيوخا كانوا يزعمون في الجاهلية فسألهم عن حدود الحرم فأخبروه فنصب تلك الأعلام، وإنما أخبروه بالأماكن التي يخرج إليها السيل.

الحديث الرابع:

حديث قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر- رضي الله عنه- على امرأة من أحمس يقال لها: زينب. فرآها لا تكلم، [فقال: ما لها لا تكلم؟] قالوا: حجت مصمتة.

قوله: (من أحمس) أي: من قوم أحمس.

[ ص: 455 ] ومعنى (مصمتة) ساكتة، يقال: أصمت إصماتا، وصمت صموتا وصماتا، والاسم: الصمت.

وقوله: (أنا أبو بكر). فيه: تكنية المرء نفسه إذا كان لا يعرف إلا بذلك كما نبه عليه الداودي.

وقوله: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح) يعني: ما كانوا عليه على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما جاءهم من الهدى وما بسط لهم من الدنيا، قال المغيرة: كنا في بلاء شديد نعبد الشجر والحجر، ونمص الجلد والنوى من الجوع، فبعث إلينا رب السموات رسولا منا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، وأمرنا نبينا بعبادة الله وحده وترك ما يعبد آباؤنا، وذكر الحديث، وما كانوا عليه في عهد أبي بكر- رضي الله عنه- من الأمر واجتماع الكلمة وأن لا يظلم أحد أحدا.

الحديث الخامس:

حديث عائشة- رضي الله عنها- في صاحبة الحفش، وقد سلف في المساجد.

و(الحفش) البيت الرديء كما قال مالك، أو الصغير كما قاله ابن فارس، أو الصغير الخرب كما قاله ابن حبيب، أو البيت الذليل القريب السمك كما قاله الشافعي، سمي بذلك لضيقه.

[ ص: 456 ] وقال أبو عبيد: الدرج سمي به لضيقه.

و(الأدم) بفتح الهمزة والدال، جمع أديم، وهو الجلد.

وقوله: (إذ أقبلت الحديا). قال ابن التين: صوابه الحدياة; لأنه تصغير حدأة، قلت: وكذا سلف هناك إذ مرت الحدياة.

وقوله: (حتى وازت برءوسنا)، أي: قابلتها.

الحديث السادس:

حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-: "ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله". فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".

سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في بابه.

الحديث السابع:

حديث القاسم أنه كان يمشي بين يدي الجنازة ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان أهل الجاهلية يقومون لها، ويقولون إذا رأوها: كنت في أهلك ما أنت. مرتين.

أما القيام للجنازة فقد فعله الشارع، واختلف في نسخه، فقال مالك وأصحابه: هو منسوخ بجلوسه- صلى الله عليه وسلم- والمختار أنه باق، واختاره ابن الماجشون، قال: هو على التوسعة والقيام فيه أجر وحكمه باق.

وقال أبو حنيفة: إذا بعد منها لم يجلس حتى تحضر، يصلى عليها، وكان أبو مسعود البدري وسهل بن حنيف يقومان لها وأبو سعيد.

[ ص: 457 ] وقد سلف أن جيم الجنازة مكسورة ومفتوحة قال ابن الأعرابي: هو بالكسر للميت وبالفتح للسرير، وعكسه غيره.

الحديث الثامن:

حديث عمرو بن ميمون قال: قال عمر- رضي الله عنه-: إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تشرق الشمس على ثبير، فخالفهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأفاض قبل أن تطلع الشمس.

وقد سلف في الحج في باب: متى يدفع من جمع.

ومعنى: (لا يفيضون): لا يدفعون.

و(جمع) المزدلفة.

و(تشرق) بفتح أوله وضم ثالثه، قال ابن التين: كذا ضبط والمعروف في المثل: أشرق ثبير كيما نغير، وهي إضاءة الشمس على ثبير.

الحديث التاسع:

حديث عكرمة وكأسا دهاقا [النبأ: 34] قال: ملأى متتابعة.

قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسا دهاقا.

فيه: الاحتجاج في التفسير بقولهم; لأنه نزل بلغتهم.

الحديث العاشر:

حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم".


[ ص: 458 ] يروى أن بعض الكفار أنشد هذا البيت، فقال له بعض الصحابة: صدق، ثم قال:


وكل نعيم لا محالة زائل



فلطمه الكافر حتى احمرت عينه، ثم عاد القول فعاد له وقال: عيني الأخرى إلى أن يلطمها أحوج مني التي لطمت، وأراد أن يؤذى في الله.

وفي "الصحابة" للذهبي: لبيد بن ربيعة بن عامر المعافري ثم الجعفري أبو عقيل الشاعر المشهور، قدم في بني جعفر بن كلاب فأسلم وحسن إسلامه، ولم يقل سوءا منذ أسلم، مات عام الجماعة.

الحديث الحادي عشر:

حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان لأبي بكر- رضي الله عنه- غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه الصديق، فأخبر أنه من كهانة وأنه لا يحسنها وإنما خدعة، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه.

فيه: مخارجة العبد، وأكله من كسب عبده; لأنه من عمل يده، وقد صح: "أطيب ما أكل المؤمن من عمل يده" وقد يكون ثمن العبد من عمل يد أبي بكر- رضي الله عنه-.

[ ص: 459 ] وذكر أبو الثناء وغيره أن أبا بكر أول من قاء من الشبهات فإنه لما أخبره بما ذكره استقاءه.

قال ابن التين: والله تعالى قد وضع ما كان في الجاهلية، ولو كان في الإسلام مثل ما أكل أو قيمته إن لم يكن مما يقضى فيه بالمثل، ولا يزيل عنه العادة ما يلزمه من ذلك.

فائدتان متعلقتان بالحديث الذي قبله أخرتهما اتفاقا.

الأولى: اسم أبي الصلت هذا: ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن منبه (بن) ثقيف، قال المرزباني: ويقال: اسم أبي الصلت عبد الله بن ربيعة، ويقال: هو أمية بن أبي الصلت بن وهب بن علاج بن أبي سلمة، وكنية أمية هو أبو عثمان، ويقال: أبو القاسم.

قال الكلاباذي: كان يهوديا مات في حصار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الطائف، وقال أبو الفتح في "مبهجه": هو تحقير أمة وهو عندنا فعلة; لأنها أوقاتا تدل على أنها فعلة فيكسرهم إياهم على أفعل، وهي أم. قال: والصلت البارز المشهور، وذكر الثعلبي أنه كان في ابتداء أمره قد قرأ الكتب يزعم أن الله يرسل رسولا في ذلك الوقت، فرجا أن يكون هو، فلما أرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حسده، فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فنشط سقف البيت ونزل فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه أوعى؟ قال: أوعى، فسألته عن ذلك فقال: خيرا زيدي، ثم صرف عني، ثم غشي عليه فأفاق فقال:


كل عيش وإن تطاول دهرا     سائر مرة إلى أن يزولا
[ ص: 460 ] ليتني كنت قبل ما بدا لي     في رءوس الجبال أرعى الوعولا
مع أن يوم الحساب يوم عظيم     يشاب فيه الصغير يوما ثقيلا



فقال- صلى الله عليه وسلم-: "أنشديني من شعره" فقالت:


لك الفضل والنعماء ربنا     ولا شيء أعلى منك مجدا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن     لعزته تعنو الوجوه وتسجد



.. القصيدة.

ثم أنشدته:


عند ذي العرض يعرضون عليه     يعلم الجهر والسر الخفيا
يوم يأتي الرحمن وهو رحيم     إنه كان وعده مأتيا
يوم يأتيه مثلما قال فردا     لا بد راشدا أو غويا
أسعيد إسعادة إنا نرجو     أم مهان بما أكسبت شقيا



فقال- صلى الله عليه وسلم-: "آمن في شعره، وكفر قلبه"، ونزلت: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا الآية
[الأعراف: 175].

الثانية: تصديقه- صلى الله عليه وسلم- لبيد في قوله:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

كيف يجمع بينه وبين قوله- صلى الله عليه وسلم- في مناجاته "أنت الحق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، ولقاؤك حق"، وعنه جوابان ذكرهما السهيلي:

[ ص: 461 ] أحدهما: أن يريد بقوله (ما خلا الله): ما عداه، وعدا رحمته الذي وعد بها فإن وعده حق، وما عدا عقابه الذي توعد به، والباطل ما سواه، والجنة وما وعد به من رحمته، والنار وما وعد به من عقابه، وما سوى هذا باطل أي: مضمحل.

والثاني: أن الجنة والنار وإن كانتا حقا، فإن الزوال عليهما جائز لذاتهما، فإنهما يبقيان بإبقاء الله لهما، وأنه خلق الدوام لأهلهما على قول من جعل البقاء والدوام معنى زائدا على الذات، وهو قول الأشعري.

وإنما الحق على الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال، وهو القديم الذي انعدامه محال، ولذلك قال- صلى الله عليه وسلم-: "أنت الحق" معرفا أي: المستحق لهذا الاسم حقيقة.

"وقولك الحق"; لأن قوله قديم وليس بمخلوق فيبيد، "ووعدك الحق" كذلك; لأن وعده كلامه وهذا مقتضى الألف واللام.

ثم قال: "الجنة حق، والنار حق" بغير ألف ولام، "ولقاؤك" كذلك; لأن هذه أمور محدثات، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وإنما علمنا بقاءهما من جهة استحالة الفناء عليهما، كما يستحيل على القديم سبحانه الذي هو الحق، وما خلاه باطل; لأنه إما جوهر أو عرض، وليس في الأعراض إلا ما يجب له الفناء ولا في الجواهر إلا ما يجب عليه الفناء والبطول فإن بقي ولم يبطل فجائز أن يبطل، والحق سبحانه [ليس من] قبيل الجواهر والأعراض، فاستحال عليه ما يجب لهما أو يجوز لهما.

[ ص: 462 ] الحديث الثاني عشر:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة.

وقد سلف في البيوع بتفسيره.

الحديث الثالث عشر:

حديث غيلان بن جرير: كنا نأتي أنس بن مالك فيحدثنا عن الأنصار، وكان يقول لي: فعل قومك كذا وكذا يوم كذا وكذا، وفعل قومك كذا وكذا يوم كذا وكذا.

هذا الحديث سلف في أول مناقب الأنصار، وغيلان هو اسم معولي، ومعول وحدان وبجر وزياد أولاد شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن الأزد.

قال ابن سعد: وغيلان هذا العتكي عتيق بن الأزد بن عمرو مزيقيا، مات سنة تسع وعشرين ومائة وهو تابعي.

وفيه: التحديث بما وقع في الجاهلية طبق ما ترجم له.

التالي السابق


الخدمات العلمية