التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3637 3850 - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عبيد الله، سمع ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: خلال من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة. ونسي الثالثة، قال سفيان: ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء. [فتح: 7 \ 156]


[ ص: 465 ] القسامة: بفتح القاف- اسم للأيمان، وقيل: للأولياء، وهي من الأمور التي كانت في الجاهلية وأقرت في الإسلام. واختلف في أول من سن الدية مائة من الإبل على أقوال:

أحدها: عبد المطلب. ذكره ابن إسحاق.

ثانيها: أبو سيارة، قاله أبو الفرج الأصبهاني.

ثالثها: القلمس.

رابعها: ذكر الزبير عن المستهل بن الكميت بن زيد، عن أبيه أنه قال: قتل النضر بن كنانة بن خزيمة أخاه لأبيه فوداه مائة من الإبل من ماله فهو أول من سنها، ذكر عن الكميت الأسدي ليزيد في ذلك شعرا دالا على ذلك.

خامسها: قال الكلبي في "الجمهرة": وثب ابن كنانة على علي بن مسعود فقتله فوداه خزيمة مائة، فهو أول دية كانت في العرب.

سادسها: وقال في كتاب "الجامع لأنساب العرب": قتل معاوية بن بكر بن هوازن أخاه زيدا فوداه عامر بن الضرب مائة من الإبل، فهي أول دية كانت في العرب مائة لعظم الإبل عندهم وليتناهوا عن الدماء.

وفي "الجمهرة" لابن حزم: تقول العرب أن لقمان كان جعل الدية أولا مائة جدي. وجزمت في "شرح المنهاج" بأن أول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية، وذكر الزبير أن عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، كان أجيرا لخداش بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، خرج معه إلى الشام، ففقد

[ ص: 466 ] خداش حبلا فذكر أنه أعطاه رجلا يعقل به جمله، فضرب خداش عمرا بعصاه (فرقى) في ضربته فمرض منها فكتب إلى أبي طالب يخبره، ومات منها وفي ذلك يقول أبو طالب:


أفي فضل حبل لا أبالك ضربه بمنسأة قد جاء حبل وأحبل



فتحاكموا إلى الوليد بن المغيرة فقضى أن يحلف خمسون رجلا من بني عامر بن لؤي عند البيت ما قتله خداش، حلفوا إلا حويطب بن عبد العزى فإن أمه افتدت يمينه، فيقال: ما حال الحول حتى ماتوا كلهم إلا حويطبا، وأم حويطب: زينب بنت علقمة من بني معيص بن عامر بن لؤي.

ثم ساق البخاري في الباب أحاديث:

أحدها:

عن أبي معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا قطن-هو ابن كعب القطعي البصري من أفراده- ثنا أبو يزيد المدني -ولا يعرف اسمه وهو من أفراده، وليس له عنده سواه وأهل البصرة يروون عنه ولا يعرف بالبصرة وهو ثقة - عن عكرمة- وهو من أفراده أيضا وإن أخرج له مسلم مقرونا- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم، استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فعضد الحبل، وإنه حذفه بعصا، كان فيه أجله وإنه أمر رجلا من أهل اليمن بإبلاغ ذلك في الموسم أبا طالب فخيره بين ثلاث: من أن يفديه بمائة من الإبل، وبين حلف خمسين من قومه أنه لم يقتله وإلا قتلناك به وحلف ثمانية وأربعون،

[ ص: 467 ] وفدا وأخذ يمينه ببعيرين، وجاءت امرأة فقالت له: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان فقبل، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف.

والكلام عليه من وجوه:

أحدها:

قوله: (لفينا) يعني: الحكم بها، وفيه دلالة كما قال الداودي أنهم كانوا يعرفونها؛ لأنه لم يذكر أنهم تشاوروا ولا تدافعوا.

قلت: وهو ذاك أيضا أن الدية لم تزل مائة من الإبل. وقوله: (لبني هاشم) إنما كانت في بني المطلب كما هو في الحديث لكنهما شيء واحد في الجاهلية والإسلام، فلذلك قال ذلك.

والفخذ: بكسر الخاء وإسكانها قال ابن فارس: بسكون الخاء دون القبيلة وفوق البطن.

ثانيها:

قوله (فقال أبو طالب: اختر منا إحدى ثلاث..) إلى آخره.

فيه: البداءة بالمدعى عليه كسائر الحقوق، وهذا مذهب أبي حنيفة، واتفق هو والشافعي على القول بها مع الوقت وإن كانا مختلفين في صفته.

واختلفوا أيضا هل يقتل بها فقال مالك: نعم، وقال الشافعي: لا بل يوجب الدية وقيل: يبدأ المدعون على كل حال.

[ ص: 468 ] ثالثها:

الجوالق: بضم الجيم وفتح اللام وكسرها فارسي معرب وأصله بالفارسية: كوالة، وجمع جوالق بفتح الجيم كما قال أبو منصور، وهو من نادر الجمع.

قلت: الذي في "كتاب سيبويه": جواليق بزيادة ياء قال: ولم يقولوا: جوالقات. استغنوا عنه بجواليق.

وقولها: (أحب أن تجيز ابني برجل). أي: تسقط عنه اليمين وتعفو عنه، ومعنى (لا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان) أصل الصبر في اللغة: الحبس، وصبرت الرجل إذا حلفته بأجهد اليمين.

وقيل: الصبر في الأيمان الإيجاب والإلزام حتى لا يسعه إلا بحلف و(حيث تصبر الأيمان): هو بين الركن والمقام، ومن هذا استدل الشافعي على أنه لا يحلف بين الركن والمقام على أقل من عشرين دينارا وهو ما تجب فيه الزكاة.

رابعها:

قوله: (ما حال الحول..) إلى آخره لعل ابن عباس أخبره بهذا جماعة، فتصور في نفسه ذلك فحلف عليه، ولأن الظاهر أن عمره لم يبلغ أن يكون حينئذ قد عقل.

وقوله: (عين تطرف) الطرف تحريك الجفن في النظر، وقيل: طرف بعينه إذا نظر بطرفة بعد طرفة، وفيه: الأخذ باليمين الكاذبة وإن اليمين في الحرم تهلك كاذبها.

[ ص: 469 ] الحديث الثاني:

حديث عائشة رضي الله عنها: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، قدمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام.

تقدم في مناقب الأنصار.

الحديث الثالث:

وقال ابن وهب: أنا عمرو، عن بكير بن الأشج، أن كريبا-مولى ابن عباس- حدثه: قال: [ليس] السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة سنة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون: لا نجوز البطحاء إلا شدا.

خولف فيه من الوجهين كما نبه عليه أيضا ابن التين، ولعله أراد السعي الشديد، وقد سلف أصله من فعل هاجر، وهو أحد أركان الحج والعمرة عند الشافعي، ومعنى (لا نجيز البطحاء): لا نخلفها يقال: جزت الموضع: سرت فيه، وأجزته: خلفته، وقطعته، وقيل: بل أجزته بمعنى: جزته.

الحديث الرابع:

حديث أبي السفر سعيد بن محمد-وقيل: ابن أحمد- الهمداني الثوري الكوفي: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: يا أيها الناس، اسمعوا مني ما أقول لكم، وأسمعوني ما تقولون، ولا تذهبوا

[ ص: 470 ] فتقولوا: قال ابن عباس. من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر، ولا تقولوا: الحطيم. فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه.

معنى: (اسمعوا مني) إلى آخره. أي: اعتمدوا على قولي إن كنتم حفظتموه، والطواف من وراء الحجر هو المشروع، فلو تجنب القدر الوارد في الحديث ودخل من إحدى الفتحتين، وخرج من أخرى لم يصح على المختار.

الحديث الخامس:

حديث نعيم بن حماد، ثنا هشيم، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة وقد زنت، فرجموها فرجمتها معهم.

حديث عمرو هذا رويناه مطولا من حديث عيسى بن حطان: سمعت قاضي مكة ومرة البكالي يسألان عمرو بن ميمون الأودي: ما أعجب ما رأيت في الجاهلية؟ قال: كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد معه قردة فتوسد يدها، فوضع خده فوق يدها فنام، قال: فرأيت قردا أصغر منه جاء يمشي خفيا حتى غمز القردة بيده، ثم ولى ذاهبا قال: فسلت يدها من تحت خده سلا رفيقا، ووضعت خده بالأرض، ثم تبعته قال: فوقع عليها وأنا أنظر إليه، ثم رجعت فجعلت تدخل يدها من تحت خده إدخالا رفيقا، فاستيقظ فزعا مذعورا، فأطاف بها يشمها، ثم شم حياها فصاح صيحة شديدة، فجعلت القرود تجيء يمنة ويسرة، ومن بين يديه ومن خلفه قال: فجعل يصيح ويومئ إليها بيده، ثم سكت فذهبت القرود يمنة ويسرة،

[ ص: 471 ] ومن بين يديه، ومن خلفه، فما لبثنا أن جاءوا به بعينه أعرفه فحفروا لهما حفرة فرجموهما، ولقد رأيت الرجم في غير بني آدم قبل أن أراه في بني آدم.

[ ص: 472 ] قال ابن التين: إنها تعقل إلا أنها لا تكلف، ويحتمل أن هذه من نسل الذين مسخوا، فنقبت فيهم تلك الفترة لعلها شريعة نبي، وقيل: المسوخ لا ينسلون.

الحديث السادس:

حديث عبيد الله سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلال من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة. ونسي الثالثة، قال سفيان -أحد رواته- ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء.

معنى خلال: أي خصال. و(الاستسقاء بالأنواء) هو قولهم: مطرنا بنوء كذا.

التالي السابق


الخدمات العلمية