التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3824 4050 - حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت: سمعت عبد الله بن يزيد، يحدث عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم. وفرقة تقول: لا نقاتلهم. فنزلت: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا [النساء: 88] وقال: " إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة". [انظر: 1884- مسلم: 1384 - فتح: 7 \ 356]


[ ص: 143 ] الشرح:

كانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه عند ابن عائذ، وعند ابن سعد: لسبع ليال خلون منه على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره . وقال ابن إسحاق: للنصف منه ، وعند البيهقي عن مالك: كانت بدر لسنة ونصف من الهجرة وأحد بعدها بسنة، وفي رواية: كانت على أحد وثلاثين شهرا .

وأحد: جبل من جبال المدينة على أقل من فرسخ منها; سمي أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، وكان - عليه السلام - يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم يشتق من الأحدية.

قال السهيلي: وفيه: قبر هارون بن عمران فيه قبض، وكان هو وأخوه موسى مرا به حاجين أو معتمرين ، ويقال له: ذو عينين. وعينان: تثنية عين، جبل بأحد وهو الذي قام عليه الجيش يوم أحد وقال: إن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قد قتل، وبه أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرماة يوم أحد، وقد يخفف فيقال: أحد، وقد عقد بابا في آخر هذه الغزوة في أنه جبل يحبنا ونحبه، وقد سلف أيضا ، والظاهر حمله على ظاهره وأن الله خلق فيه ذلك كما خلق في الجبال المسبحة مع داود، ويحتمل أن يتأول أن المراد أهله، أو أن المراد أنه كان يبشره إذا أتاه بالقرب من أجله ولقائهم.

[ ص: 144 ] وفي الآثار المسندة أنه يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها، في بعضها أنه ركن لبابها، ذكره ابن سلام في "تفسيره" وفي "المسند": من حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا: أنه على باب الجنة ، قال ابن إسحاق كما حدثني الزهري وغير واحد -عددهم- لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، فمشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: أيا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب منا ففعلوا .

وقال ابن سعد: لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان موقوفة في دار الندوة فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا: نحن طيبوا أنفس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فباعوها فصارت ذهبا فكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجاراتهم بكل دينار دينارا .

[ ص: 145 ] قال ابن إسحاق: حرضهم -كما ذكر لي بعض أهل العلم- أنزل الله: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله الآية [الأنفال: 36]، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة .

وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب إلى نصرتهم فأوعبوا فكانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وثلاثة آلاف بعير وأجمعوا على إخراج الظعن معهم ليذكرنهم قتلى بدر فيكون أحب لهم وكن خمس عشرة امرأة.

قال ابن سعد: وكتب العباس به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبرهم كله فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن الربيع بكتاب العباس .

قال ابن إسحاق: وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، وكان في الأسارى فقال: يا رسول الله، إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علي صلى الله عليك، فمن عليه ثم خرج عليه فأمر بقتله، - واستشار - عليه السلام - أصحابه في الخروج فكان رأي كبارهم كرأيه وخالف فيه شبابهم فخرج في ألف بعد صلاة الجمعة، فلما كان بمكان يقال له الشوط انخزل ابن أبي بثلاثمائة ، ويقال: بل أمرهم - عليه السلام - بالانصراف لكفرهم.

[ ص: 146 ] وقال موسى بن عقبة: فلما رجع عبد الله سقط في أيدي الطائفتين من المسلمين وهما أن يقتتلا، وهما: بنو حارثة وبنو سلمة ، وقال - عليه السلام - للرماة: "لا تغيروا من مكانكم" فلما تغيروا هزموا وقتل من المسلمين سبعون منهم حمزة بحربة وحشي، ويقال: خمسة وستون، منهم أربعة مهاجرون، وأصيب - عليه السلام - وشج جبينه و (كسر) رباعيته اليمنى السفلى يومئذ عتبة بن أبي وقاص.

وجرح شفته السفلى عبد الله بن قمئة، وقال: خذها وأنا ابن قمئة. فقال له: "أقمأك الله في النار"، فكان في غنمه على ذروة جبل، فنطحه تيس فأرداه من شاهقة الجبل فتقطع. وضربه بالسيف على شقه الأيمن فجرح وجنته، ودخلت فيه حلقتان من المغفر، ووقع في حفرة من الحفر التي يكيد بها المسلمون، عملها أبو عامر الراهب، فأخذه علي بيده، ورفعه طلحة حتى استوى قائما، واتقاه طلحة بن عبيد الله. وفيه نزلت: ليس لك من الأمر شيء الآية [آل عمران: 128] كما يأتي.

وذكر ابن هشام أن عبد الله بن شهاب الزهري -جد محمد بن مسلم الزهري- شج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جبهته ، وهو غريب، وصرخ ابن قمئة: إن محمدا قتل. ويقال: بل أزب العقبة. ويقال: بل إبليس يصوت في صوره فقاله. ولم يثبت معه يومئذ إلا أربعة عشر رجلا.

[ ص: 147 ] وفي مسلم: أفرد يومئذ في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش: طلحة، وسعد بن أبي وقاص .

وسيأتي في البخاري: لم يبق معه في تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد . ومنامه الثابت في حديث أبي موسى كما سيأتي في باب: من قتل بأحد أنه قال: "هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، ورأيت فيها أيضا بقرا والله خير، فإذا هم ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله به بعد يوم بدر" . وفي غيره: "رأيت في ذباب سيفي ثلمة، وأدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة" وعن ابن هشام: "فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل" قال ابن عقبة: ويقول رجال: الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه يومئذ، وفصموا رباعيته، وجرحوا وجنته وشفته. وعن ابن عائذ أن الرؤيا كانت ليلة الجمعة.

[ ص: 148 ] وروى الواقدي أنه أراد أن لا يخرج من المدينة لرؤيا رآها. وفيها: "إن سيفي ذا الفقار انقسم من عند ظبته، وأولته بقتل رجل من بيتي، وكأني مردف كبشا، وهو كبش الكتبية يقتل إن شاء الله" . وكان لواء المشركين يومئذ بيد طلحة، وهو ابن عثمان أخو شيبة من بني عبد الدار، كما بينه ابن عائذ فقتل، وكان لواء المسلمين بيد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أي: لواء المهاجرين. وقيل: كان بيد مصعب بن عمير. وكان لواء الأوس بيد أسيد بن حضير، ولواء الخزرج بيد سعد بن عبادة، وكان مع قريش ثلاثة آلاف رجل، ومائتا فرس، وليس في المسلمين فرس واحد. وقال الواقدي: فرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفرس أبي بردة.

فصل:

معنى قوله تعالى: تبوئ المؤمنين أي: تلزم، يقال: باء بكذا إذا لزمه ولا تهنوا : لا تضعفوا. قاله أبو عبيدة . قيل: إنه ضعف. قال الفراء: وهنه الله وأوهنه. زاد غيره: ووهنه.

القرح: بضم القاف وفتحها وفتح الراء مصدر قرح يقرح.

قال الكسائي: هو بالضم والفتح واحد، أي: الجراح. وقال الفراء وغيره: هو بالفتح مصدر قرحة، فهو نفس الجراحة. وبالضم: الألم. قال أبو البقاء: ويقرأ بضمها على الإتباع .

وقوله: وليعلم الله أي: ليعلم صبر المؤمنين إذا غلبوا، وقد كان تعالى يعلم ذلك غيبا، إلا أن علم الغيب لا تقع عليه المجازاة، فالمعنى: ليعلمه واقعا علم شهادة.

[ ص: 149 ] وقوله: ولما يعلم لما بمعنى لم، إلا أن (لما) عند سيبويه جواب لمن قال: قد فعل، ولم جواب لمن قال: فعل . ومعنى الآية: ولما يعلم الله ذلك واقعا منهم; لأنه علمه غيبا. وقيل: المعنى: ولم يكن بينهم جهاد فيعلمه الله.

وقوله: تمنون الموت قال مجاهد: كان قوم من المسلمين قالوا بعد بدر: ليت قتالا حتى نبلي، فانهزم بعضهم يوم أحد، (فعاتبهم) الله بهذه الآية . والبعض فسر يتمنون سبب الموت.

وقوله: (وأنتم تنظرون) قيل: المعنى: تنظرون محمدا.

وقال: الأخفش بن سعد : (تنظرون) توكيد أي: وأنتم متيقنون.

إذ تحسونهم أي: تستأصلونهم قتلا.

وقوله: منكم من يريد الدنيا قال بعضهم: ما علمنا أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت الآية.

ومعنى ليبتليكم ليختبركم. وقيل: بالبلاء.

وقوله: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا جاء أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة عند العرش .

[ ص: 150 ] ثم ذكر في الباب أحاديث:

أحدها:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب".

فيه: استعمال الأداة في الحرب.

ثانيها:

حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها". قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وهذا الحديث سلف في الجنائز في باب: الصلاة على الشهيد، قال موسى بن عقبة: لم يصل على أحد منهم كما يصلي على الموتى.

وقال ابن عبد البر: اختلف هل صلى أم لا؟ قال ابن التين: اختلف فيها، فقيل: توديعا لهم كما في الأصل، وقيل: لأنه لم يكن صلى عليهم، وقيل: دعا لهم.

وقوله: (ثم طلع المنبر) يقال: طلعت على القوم إذا لقيتهم وقد طلعت عنهم إذا تنحيت عنهم، وطلعت الجبل بالكسر علوت قاله الجوهري ، والفرط للسباق، وأخبر عن الواحد بالجمع; لأن فرطا

[ ص: 151 ] جمع فارط، لما قال سلمان: كنت رجلا من المجوس، وكنت قطن النار ، روي بفتح الطاء جمع قاطن ذكره الهروي فيها جميعا.

وقوله: ("وأنا عليكم شهيد")، قال الداودي: قال ذلك لأنهم تقدموا قبله، وعلم ما وعده. وذكر بلفظ: "وأنا شهيد على هؤلاء" والذي في البخاري ما ذكرته; لقوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد الآية [النساء: 41].

وقوله: ("إني أنظر إلى الحوض من مقامي هذا") لا مانع من كيف ذلك كله.

وقوله: ("لست أخشى عليكم أن "تشركوا بعدي") يريد جميع أمته; لأنه أخبر أنه يظهر دينه على الدين كله.

الحديث الثالث:

حديث البراء: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: "لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم .. " الحديث

قوله: (فلما التقينا هربوا) هو بمعنى قوله: من بعد ما أراكم ما تحبون .

وقوله: (حتى رأينا النساء يشددن في الجبل). وفي نسخة: يشتددن فيها، أي يصعدن ويسندن بضم الياء ثم أسند، ومعناه: أنه صار في سند الجبل.

وقال الخطابي: يقال: سند الرجل في الجبل يسند إذا صعد فيه، والسند: ما ارتفع من الأرض في قبل واد .

[ ص: 152 ] وقوله: (فأصيب سبعون قتيلا). قال مالك: قتل من المهاجرين أربعة، ومن الأنصار سبعون. وقيل غير ذلك بما سلف، ولم يكن في عهده ملحمة هي أشد ولا أكثر قتلى من أحد.

وقول أبي سفيان (اعل هبل) أي: ليرتفع أمرك، ويعز دينك، فقد غلبت.

وقوله: (وسترون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني) هو بضم الميم للجماعة وبكسرها للأصيلي، وكلاهما صحيح، وهو التشويه للخلق من جدع الأنوف والآذان، وجمعها مثلات، ومثل جمع مثلة، قال تعالى: وقد خلت من قبلهم المثلات [الرعد: 6] أي: العقوبات. فقال ابن التين: هي بفتح الميم وضم الثاء. قال ابن فارس: مثل بالقتيل: إذا جدعه . قال: وهي المثلات. قيل: أراد ما مثلوا بهم. قال: وضبط بعضهم بالضم كقرحة، وفي رواية: بالفتح وسكون الثاء، وهو مصدر مثل يمثل مثلا.

الحديث الرابع:

حديث جابر - رضي الله عنه -: اصطبح الخمر يوم أحد ناس ثم قتلوا شهداء.

فيه فضيلة ظاهرة لهم [...] ، وذكره ابن التين بلفظ: فأنزل الله فيهم ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [المائدة: 93] يعني بشربهم إياها قبل تحريمها.

الحديث الخامس:

حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة مصعب بن عمير وحمزة.

[ ص: 153 ] سلف في الجنائز، وهو ظاهر في خشية تعجيل الحساب في الدنيا.

الحديث السادس:

حديث جابر قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة". فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل.

هذا الرجل هو عمير بن الحمام بن الخزرج بن زيد الأنصاري، ليس في الصحابة عمير بن الحمام سواه.

الحديث السابع: حديث خباب في قصة مصعب بن عمير.

سلف في الجنائز.

الحديث الثامن:

حديث أنس أن عمه غاب عن بدر. الحديث في قتله في أحد فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بضع وثمانون بين طعنة وضربة ورمية بسهم.

وقد سلف في أوائل الجهاد في باب: قول الله تعالى: من المؤمنين رجال وعمه هو أنس بن النضر، كما صرح به هناك.

وقوله: (ليرين الله ما أجد) وفي نسخة: (ما أصنع)، وهو ما ذكره هناك.

قال أبو زيد: جد وأجد والجد المبالغة في الشيء.

وقال الحربي: جد في الحاجة يجد بالغ فيها، وجد في الأمر يجد ويجد وكذلك أجد مثله. قاله الجوهري .

وقال ابن التين: ضبط (أجد) في بعض الروايات بضم الهمزة

[ ص: 154 ] وتشديد الدال، وصوابه فتح الهمزة، يقال: جد جدا إذا اجتهد في الأمر وبالغ، وفي بعضها بفتح المهملة وتخفيف الدال، ومعناه: ما أفعل و (ما أجد) بضم الهمزة فمعناه أنه صار في أرض مستوية، ولا يليق ذلك بمعنى الحديث، وإنما يصح (أجد) بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، وكذا ضبط في بعضها.

الحديث التاسع:

حديث زيد بن ثابت: فقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف.

وسلف في الجهاد، في باب قوله: من المؤمنين رجال والنحب في الآية النذر كان رجال حلفوا بعد بدر لئن لقوا العدو ليقاتلن حتى يستشهدوا، ففعلوا فقتل بعضهم، وبقي بعض ينتظر ذلك.

وقول زيد في الآية المذكورة إنما كانوا يثبتون في المصحف ما سمعه رجلان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس له مما يلقن بعضهم بعضا، وكان حفظ القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة كما سلف في مناقب زيد، وهو دال كما قال الداودي أن الأربعة لم يسمعوا الآية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما تلقوها ممن سمع منه، وليس كما قال، فقد قال هنا: إن زيدا سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها، وإنما المعنى أنه فقدها مكتوبة عنده، ووجدها عند خزيمة مكتوبة، يدل عليه الحديث الآخر أنهم جمعوا القرآن من الشقاق والصحاف، ويحتمل أنهم لم يكونوا يكتبون إلا ما سمعها اثنان، فسمع هذه الآية زيد وخزيمة فأثبتوها بعد ذلك، وإنما أتى البخاري بهذا الحديث لذكر النحب، وأنهم قضوه في أحد، إلا من ينتظر.

[ ص: 155 ] الحديث العاشر:

حديث زيد بن ثابت: لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم. وفرقة تقول: لا نقاتلهم. فنزلت: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم [النساء: 88] وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة".

هذا الحديث سلف في الحج في باب: المدينة تنفي الخبث. والراجع عبد الله بن أبي المنافق رجع بنحو ثلاثمائة، قيل: ثلث الجيش. وقوله: ("إنها طيبة") يعني المدينة، وهو حديث على حياله، فجمعهما الراوي.

قال الداودي: كان رجوعهم قبل الوصول إلى أحد، وفي الآية قول ثان: أنها نزلت في الذين تشاءموا حين قال عبد الله بن أبي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تؤذينا برائحة حمارك، وثالث: إنما نزلت في الذين شاوروا حين قال - صلى الله عليه وسلم -: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي " يعني: عبد الله بن أبي .

التالي السابق


الخدمات العلمية