التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
25 [ ص: 607 ] 17 - باب : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [التوبة: 5]

25 - حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". [ مسلم: 22 - فتح: 1 \ 75]
نا عبد الله بن محمد المسندي، نا أبو روح الحرمي بن عمارة نا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه، ولم يقل: "إلا بحق الإسلام". وأخرجاه من حديث أبي هريرة أيضا، وفيه: "ويؤمنوا بي وبما جئت به". وأخرجه البخاري من حديث أنس كما سيأتي في الصلاة، وأخرجه مسلم من حديث جابر.

[ ص: 608 ] ثم الكلام عليه من وجوه:

أحدها: في التعريف برجاله:

وقد سلف التعريف بابن عمر، وشعبة، وعبد الله المسندي، بفتح النون.

وأما محمد -والد واقد- فهو محمد (ع) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، سمع جده، وابن عباس، وابن الزبير، وعنه بنوه الخمسة: أبو بكر وعمر وعاصم وواقد وزيد. قال أبو حاتم وأبو زرعة: ثقة.

وأما واقد ابنه فهو -بالقاف-، وليس في "الصحيحين" وافد بالفاء.

كما قدمته في الفصول أول هذا الشرح، وهو قرشي كما ذكرته، مدني، وهو والد عثمان بن واقد أيضا، روى عن والده ونافع وغيرهما، وعنه: شعبة وغيره، وثقه أحمد وغيره. روى له مع البخاري ومسلم، أبو داود والنسائي.

وأما أبو روح فهو حرمي -بفتح الحاء والراء- ابن عمارة بن أبي حفصة نابت -بالنون وقيل: (بالثاء) وقيل: عبيدة العتكي مولاهم البصري، سمع شعبة وغيره، وعنه: القواريري وغيره، مات سنة إحدى ومائتين.

[ ص: 609 ] قال يحيى: صدوق، روى له الجماعة سوى (الترمذي).

فائدة:

حرمي أيضا اثنان: ابن حفص العتكي روى له البخاري وأبو داود والنسائي. وابن يونس (المؤدب)، روى له النسائي واسمه إبراهيم.

ثانيها: في ألفاظه ومعانيه:

معنى ("تابوا"): خلعوا الأوثان، وأقبلوا على عبادة الله تعالى، ومنه قوله تعالى في الآية الأخرى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة .. إلى قوله: فإخوانكم في الدين [التوبة: 11]، وهذه الآية التي ذكرها البخاري حكي عن أنس أنها آخر ما (نزل) من القرآن، ومعنى: وأقاموا الصلاة المداومة عليها بحدودها.

[ ص: 610 ] ومعنى: ("عصموا": منعوا)، والعصم: المنع، والعصام: الخيط الذي يشد فم القربة، سمي به; لمنعه الماء من السيلان.

ومعنى قوله: "إلا بحق الإسلام" أنه إن صدر منهم شيء يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قصاص أو حد أوغرامة متلف أو نحو ذلك استوفيناه، وإلا فهم معصومون.

ومعنى "وحسابهم على الله": أن أمر سرائرهم إليه، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم.

ثالثها: في فوائده:

الأولى: وجوب قتال الكفار إذا طاقه المسلمون حتى يسلموا، أو يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تقبل منهم.

الثانية: وجوب قتال تاركي الصلاة أو الزكاة، وفيه رد على قول المرجئة: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال.

[ ص: 611 ] الثالثة: قتل تارك الصلاة عمدا مع اعتقاده وجوبها -وهو مذهب الجمهور-. والصحيح عندنا أنه يقتل بترك صلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة، وقال أحمد بن حنبل في رواية أكثر أصحابه عنه: تارك الصلاة عمدا يكفر ويخرج من الملة، وبه قال [ ص: 612 ] بعض أصحابنا، فعلى هذا له حكم المرتدين فلا يورث، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته، وقال أبو حنيفة والمزني: يحبس ولا يقتل، والصحيح ما سلف عن الجمهور.

فرع: لو ترك صوم رمضان حبس، ومنع الطعام والشراب نهارا; لأن الظاهر أنه ينويه; لأنه معتقد لوجوبه.

فرع: لو منع الزكاة أخذت منه قهرا، ويعزر على تركها.

الرابعة: أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان كففنا عنه، ولا نتعرض إليه إلا لقرينة تظهر منه.

الخامسة: قبول توبة الزنديق، وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وهذا هو الصحيح، وقول الجمهور، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويعلم ذلك (منه) إما باطلاع الشهود على كفر كان يخفيه، وإما بإقراره، أصحها ما ذكرناه، وهو ما نص عليه الشافعي، والأحاديث دالة عليه. ومنها حديث أسامة: "أفلا شققت عن قلبه" ومنها حديث: "ما أمرت أن أشق عن قلوب الناس ولا عن بطونهم".

[ ص: 613 ] وثانيها: وبه قال مالك: لا تقبل، نعم إن كان صادقا في ذلك نفعه عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين.

والثالث: إن كان من الدعاة (إلى الصلاة) لم تقبل توبته، وتقبل توبة عوامهم.

والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبا ابتداء، وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكاه ابن التين عن مالك أيضا.

وخامسها: أن (من) تاب مرة قبلت، وإن تكررت منه فلا.

[ ص: 614 ] السادسة: اشتراط النطق بكلمتي الشهادة في الحكم بإسلام الكافر، وأنه لا يكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما، قال القاضي حسين: وإنما يندفع السيف بهما مع الإقرار بأحكامهما لا بمجردهما. وفيما قاله نظر كما تقدم.

السابعة: هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء (من) الأحاديث المطلقة، ومنها مناظرة عمر للصديق في شأن (قتال) مانعي الزكاة، إذ فيه: فقال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه، وحسابهم على الله؟ " فقال الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فانتقاله إلى القياس واعتراض الفاروق عليه أولا دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما حديث ابن عمر وأبي هريرة، كما خفي عليهم حديث جزية المجوس، وشأن الطاعون، وهذا وأمثاله مما يرجح به مأخذ [ ص: 615 ] الشافعي في أنه إذا صح الحديث لا يعدل عنه; لجواز خفائه على البعض.

الثامنة: الحكم بالظاهر كما سلف.

التاسعة: أن الاعتقاد الجازم كاف في النجاة، وأبعد من أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطا للإسلام، والأحاديث الصحيحة متظاهرة على ذلك، ويحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف.

العاشرة: عدم تكفير أهل البدع.

التالي السابق


الخدمات العلمية