التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
3906 [ ص: 254 ] 4137 - وقال أبو الزبير، عن جابر: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخل فصلى الخوف. [انظر: 4125- مسلم:843 - فتح: 7 \ 426]

وقال أبو هريرة: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة نجد صلاة الخوف. وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام خيبر. [انظر: 4125- مسلم: 843 - فتح: 7 \ 426]


اعلم أن ابن إسحاق ذكر غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير، وغزوة بني النضير عنده في ربيع الأول على رأس خمسة أشهر من وقعة أحد، قال: ثم أقام بعد غزوة بني النضير شهر ربيع -وقال الوقشي: الصواب: شهري ربيع وبعض جمادى- ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في سنة أربع ، ثم ذكر بعدها بدرا الآخرة، ثم دومة الجندل، ثم الخندق، ثم بني قريظة ، وذكرها أبو معشر بعد الخندق وقريظة.

و (محارب خصفة): هو محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان أخي قيس وأنمار ابني بغيض أخي أشجع ابني ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر أخي ربيعة ابني نزار.

وقوله: (من بني ثعلبة من غطفان) كذا في نسخة الأصيلي عن أبي أحمد وصوابه: وبني ثعلبة كما جاء بعد ذلك في حديث بكر بن سوادة حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى، عن جابر حدثهم: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم يوم محارب وثعلبة. وفي رواية القابسي: خصفة بني ثعلبة.

قال الجياني: وكلامه وهم، والصواب: محارب خصفة وبني ثعلبة بواو العطف، وهم بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض

[ ص: 255 ] ابن ريث بن غطفان
.

وقوله: (محارب خصفة). أراد التمييز; لأن محارب في العرب جماعة، وهذا ابن خصفة، فأراد تمييزه بأبيه من بين أولئك، وقال ابن سعد: ذات الرقاع كانت في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره ليلة السبت لعشر خلون منه في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة من أصحابه ، وعند البيهقي: أو ثمانمائة . وحديث أبي موسى يدل على أنها بعد خيبر; لأن قدومه كان بخيبر مع جعفر، فكيف حضر هذه الغزوة وهي قبلها بمدة، وخيبر سنة سبع أو ست كما قال مالك وهو حديث مشكل مع صحته، وما ذهب إليه أحد من أهل السير أي أنها بعد خيبر كما نبه عليه الدمياطي [وقال] البيهقي: إن كان الواقدي حفظ أنها سميت ذات الرقاع لجبل فيه بقع فيشبه أن تكون الغزوة التي شهدها أبو موسى وأبو هريرة وابن عمر غير هذه .

قلت: قد قال أبو معشر: إنها كانت بعد الخندق وقريظة. وقال ابن عقبة: لا ندري متى كانت غزوة ذات الرقاع قبل بدر أم بعدها أم فيما بينها وبين أحد أم بعد أحد.

[ ص: 256 ] فصل:

واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال: عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام ، وهي غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك; لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وسيأتي من حديث أبي موسى ، وقال الداودي: لرقع الصلاة فيها.

وقال ابن حبان في "سيرته": لأن الجبل كان فيه سواد وبياض . وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه أو الأرض كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى - عليه السلام - صلاة الخوف كما سيأتي، ثم انصرف بهم، قال ابن سعد: وكان ذلك أول ما صلاها .

وحكى ابن التين قولا آخر: أن أول ما صلاها في بني النضير. ثم ساق إلى ابن إسحاق من حديث جابر أن رجلا من بني محارب يقال له: غورث -أي: بالغين المعجمة، وبالمهملة أيضا- قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ فذكر أخذ السيف وإضمامه ومنعه الله منه، فأنزل الله إذ هم قوم الآية [المائدة: 11] .

وقد رواه من حديث جابر أيضا أبو عوانة وفيه: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "من يمنعك مني؟ " فقال: كن خير

[ ص: 257 ] آخذ، قال: "تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قال: لا، ولكن أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، ثم جاء. قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس .

ووقع في [...] قيل هذا لدعثور بن الحارث من بني محارب، وأن جبريل دفع في صدره، فوقع السيف من يده، ثم أسلم، ثم جاء قومه يدعوهم إلى الإسلام، ونزلت الآية السالفة، والظاهر أن الخبرين واحد وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في أمر بني النضير، والله أعلم.

وفي انصرافه - عليه السلام - من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه بيده الكريمة فانطلق فاشتراه، ثم رده وثمنه. وقال ابن سعد: قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له، فأخبر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنمار وثعلبة قد جمعوا له الجموع، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهما -كما سلف- فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، فلم يجد في محالهم إلا نسوة، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعال بن سراقة بشيرا بسلامته وسلامة المسلمين، قال: وغاب خمس عشرة ليلة .

وفي "الأوسط" للطبراني عن إبراهيم بن المنذر قال محمد بن طلحة: كانت غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة الأعاجيب . وسيأتي آخر الباب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة

[ ص: 258 ] نجد صلاة الخوف، وقدومه عام خيبر
،
وقال ابن عمر: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد فذكر صلاة الخوف وإجازته عام الخندق، وقد سلف ما فيه في باب صلاة الخوف .

ثم ذكر البخاري عن عبد الله بن رجاء فقال: وقال عبد الله بن رجاء: أنا عمران القطان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه في الخوف في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع.

وأخرجه مسلم أيضا، ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: صلاة الخوف بذي قرد- وسلف في الصلاة .

وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى، أن جابرا حدثهم: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم محارب وثعلبة .. الحديث.

وأبو موسى هذا ذكر أبو مسعود الدمشقي أنه علي بن رباح اللخمي، وقيل: إنه أبو موسى الغافقي واسمه: مالك بن عبادة وله صحبة. والقول الأول أولى كما قاله المزي .

ثم قال: وقال ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان، سمعت جابرا: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذات الرقاع من نخل فلقي جمعا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضا، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتي الخوف.

[ ص: 259 ] وهذا أخرجه ابن إسحاق كذلك .

ثم قال: وقال يزيد: عن سلمة: غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القرد.

قلت: هذا أسنده في باب: غزوة ذي قرد، عن قتيبة، عن حاتم، عن يزيد هو: ابن أبي عبيد، كما ستعلمه .

قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق بعد غزوة ذات الرقاع غزوة ذي قرد، والذي شك فيه أنها كانت بعد الحديبية -كما يأتي من عند البخاري بعد- وحديث سلمة ينطق بذلك قلت: وقرد ماء في شعب، وهي غزوة الطائف في ربيع الأول سنة ست بعد غزوة بني لحيان ناحية عسفان بليال.

ثم ساق أحاديث:

أحدها:

حديث أبي موسى - رضي الله عنه -: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك، قال: ما كنت أصنع بأن أذكره. كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه. وقد سلف.

وهو الذي ينبغي الاعتماد عليه في تسميتها بذات الرقاع; لأن الراوي أعرف بذلك.

[ ص: 260 ] ونقبت أقدامنا- بكسر القاف- وذلك لمشيهم حفاة، فقد نقبت الأرض بعض أقدامهم، وسقطت أظفارهم، يقال: نقب البعير - بالكسر- رق خفه.

وقوله: (كأنه كره) إلى آخره. وجهه أن فعل كتم الخير أولى من إظهاره، قال تعالى: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [البقرة: 271]

الحديث الثاني:

حديث صالح بن خوات، عمن شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع. فذكر صفتها.

وهو في مسلم أيضا، وهذا الشاهد هو سهل بن أبي حثمة كما ذكره بعد.

وقال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.

وقال معاذ: حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخل. فذكر صلاة الخوف.

تابعه الليث عن هشام، عن يزيد بن أسلم أن القاسم بن محمد حدثه قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني أنمار.

قال البيهقي، بعد ذكره عن البخاري هذا: ورويناه عن الواقدي في قصة الرجل الذي أخبر بالمدينة أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لكم جموعا، فيحتمل أن تكون هذه الصلاة صلاها أيضا في هذه الغزوة وإنما خالف بينها وبين ما روينا عن جابر في صلاتين، لاختلاف الحال به فيهما . قال: وقول من قال: عن أبي الزبير، عن جابر: (بنخل) يوهم أنها وغزوة

[ ص: 261 ] ذات الرقاع واحدة، ومنهما خرج إلى عسفان، كما أشار إليه ابن إسحاق واختلاف الروايات في كيفية صلاة الخوف، لاختلاف الأحوال به في صلاته -والله أعلم كيف كان- والمقصود معرفة كيفية صلواته.

الحديث الثالث:

حديث سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف.

وهو في مسلم أيضا، ثم ساقه من حديث صالح بن خوات، عن سهل أيضا.

ثم ساقه من حديث صالح، عن سهل حدثه قوله.

الحديث الرابع:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد، فوازينا العدو فصاففنا لهم. وقد سلف في بابه.

ثم ساقه من حديث ابن عمر أيضا.

الحديث الخامس: وقد سلف.

والعضاه: شجر من شجر البوادي كالطلح والعوسج، الواحدة عضه، الهاء أصلية، وقيل: عضهة، وقيل: عضاهة، فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت في الشفة، ثم ردت في العضاه كما في الشفاه وقد يقال: عضة مثل عزة، ثم تجمع على عزوات، وتقرأ العضاه بالهاء وقفا ووصلا; لأن جمعه جمع تكسير وليست بجمع السلامة مثل الشفاه والمياه.

ثم قال: وقال أبان -هو ابن يزيد العطار- ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع. فذكر القصة وسماه مشركا، فتهدده أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقيمت

[ ص: 262 ] الصلاة، وصلى بطائفة ركعتين، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتان.

وقال مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث وقاتل فيها محارب خصفة. وقال أبو الزبير، عن جابر: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخل، وإنما جاء أبو هريرة إلى رسول الله أيام خيبر. انتهى ما أورده.

وقصة غورث أسلفناها، وما ذكره عن مسدد أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس -يعني: اليشكري الثقة، عن جابر كما سلف، وزاد بعد قوله: من عند خير الناس: فلما حضرت الصلاة .. فذكر الحديث إلى أن قال: فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين ، وأخرجه البيهقي من حديث عارم محمد بن الفضل وعاصم بن علي عن أبي عوانة . وتعليق أبان أخرجه البيهقي من حديث عفان عنه به ،

وتعليق أبي الزبير سلف من حديث هشام عنه، وأسنده الطيالسي عن هشام .

تنبيهات على ألفاظ وقعت في أحاديث الباب:

وقد أوضحنا صلاة الخوف، وأحكامها في الصلاة.

[ ص: 263 ] قوله في حديث أبي موسى: (ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه) وفيه قول آخر أنهم كانوا ثمانية، وقيل: كانوا أكثر. مشوا حفاة لم يكن لهم إبل، فألقوا الرقاع على أرجلهم.

وقوله في حديث صالح: (وجاه العدو) هو بضم الواو وكسرها، أي: صلوا وجوههم تلقاء وجوههم.

وقوله: (ثم ثبت جالسا، ثم أتموا لأنفسهم، لم يسلم بهم) هو اختيار مالك -كما حكاه البخاري، كما سلف - وبه قال الشافعي وأصحابه، وقال بذلك مرة; لحديث القاسم بن محمد، وهو نحو الأول، إلا أنه ذكر فيه: أن الإمام يسلم ولا ينتظر أن تقضي الطائفة الثانية. وأخذ أشهب مرة بحديث ابن عمر أن الطائفة تمضي إلى مواجهة العدو. وقيل: تقضي، فإذا صلى بالثانية وقضت قضت الأولى بعدها. وحمل عليه ابن حبيب، أنهما يقضيان معا. وليس في البخاري كذلك، إنما قال: (ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم. وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم).

وفيه -في بعض أحاديث ابن عمر- أن الثانية تقضي، ثم تصلي بعدها الأولى. وذكر عن أشهب قول آخر أن الأولى تأتي بالركعة الثانية والطائفة الثانية وجاه العدو، فإذا انصرفت الأولى وقفت وجاه العدو، ثم قضت الطائفة الثانية ركعتها الثانية.

وذكر أبو عبد الملك قولا آخر أنه بالخيار عما ورد من الأحاديث; فإن كانوا في الحضر، فالمشهور أنهم يصلون خلافا لعبد الملك، واحتج بقوله: وإذا ضربتم في الأرض [النساء:101]، فإن كانت رباعية فاختلف

[ ص: 264 ] هل يثبت في الجلسة الأولى وينتظر الثانية جالسا، وإن كانت مغربا يصلي بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه -في الأظهر عندنا- واستشكل ابن التين رواية جابر السالفة: فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتان. وقال: إن فيه نظرا; لأنهم كانوا في سفر، وإن قلنا: إن المسافر بالخيار فكيف يصلي لكل طائفة ركعتين، وهو يصلي أكثر من المأمومين.

وهذا إنما قاله جابر راوي الحديث أن الإمام يصلي ركعتين والمأموم كل طائفة ركعة، ويأتي أن القصر في عدد الركعات. وبه قال الحسن وطاوس، والذي روي هنا خلافه.

قلت: لا إشكال بل يحمل على أنهم صلوا ركعتين، ثم كملوا ولهذا قال: ثم تأخروا، والأخرى كذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية