التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4059 [ ص: 451 ] 4313 - حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني حسن بن مسلم، عن مجاهد أن رسول الله قام يوم الفتح فقال: " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد". فقال العباس بن عبد المطلب إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه للقين والبيوت. فسكت ثم قال: "إلا الإذخر فإنه حلال". وعن ابن جريج: أخبرني عبد الكريم عن عكرمة، عن ابن عباس بمثل هذا -أو نحو هذا-[انظر: 1349- مسلم: 1353 - فتح: 8 \ 26]

رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. [انظر:1112- مسلم: 1355 ]


ذكر فيه (ستة) أحاديث:

أحدها:

وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مسح وجهه عام الفتح.

وهذا رواه يونس في كتابه عن محمد بن إسحاق، عن الزهري به أيضا. و (ثعلبة) هذا يقال له: ابن أبي صعير أيضا -بالصاد والعين المهملتين- بن عمرو بن زيد بن شيبان العذري حليف بني زهرة، روى عنه ابنه، وهما صحابيان، ولد ابنه سنة ست أو سبع من الهجرة، ومات سنة تسع وثمانين عن ثلاث وثمانين سنة، وروى عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأغرب ابن التين فقال:

[ ص: 452 ] عبد الله هذا إن كان عقل ذلك أو عقل عنه كانت له صحبة، وإن لم يعقل عنه شيئا كانت تلك (فضيلة) وهو من الطبقة الأولى من التابعين. قلت: أطبقوا على صحبته كما ذكرناه .

الحديث الثاني:

حديث الزهري، عن سنين أبي جميلة ونحن مع ابن المسيب قال: وزعم أبو جميلة أنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخرج معه عام الفتح.

سيأتي عنه معلقا أنه التقط منبوذا فأتى عمر فسأل عنه، فأثني عليه خير، وأنفق عليه عمر . زاد مالك في "موطئه": وجعل ولاءه له

وهو ضمري وقيل: سمي (سنين) بضم السين المهملة، ثم نون مفتوحة، ثم مثناة تحت ساكنة وربما حكى تشديدها ثم نون. وجميلة: بفتح الجيم وكسر الميم، وذكره في الصحابة غير واحد: ابن منده وابن حبان وغيرهما، وأما ابن المنذر فقال: أبو جميلة رجل مجهول. قال البيهقي: قد قاله الشافعي أيضا في كتاب الولاء فإن ثبت كان معناه في الولاء: أجرته والقيام بحفظه دون الولاء المعروف; لأنه كمن أعتق.

[ ص: 453 ] قلت: وحج مع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، قال ابن أبي حاتم: روى عنه الزهري وزيد بن أسلم ، قلت: وروى عن الصديق والفاروق أيضا. والذي أثنى عليه هو شيبان، أفاده الشيخ أبو حامد في "تعليقه".

الحديث الثالث:

حديث عمرو بن سلمة في إمامة قومه وهو ابن ست أو سبع سنين، وهو من أفراده، ولم يخرج البخاري له غيره وهو عمرو بن سلمة -بكسر اللام- بن نفيع الجرمي أبو بريد أو أبو يزيد، وقيل: سلمة بن قيس.

وقوله: (بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي) يقال: بدرت إلى الشيء، وبادرت أي: سعيت.

وقوله: ("وليؤمكم أكثركم قرآنا") هذا ما رجح به، وفي حديث أبي قلابة: "فليؤمكم أكبركم" أي: سنا مع التساوي في القراءة والأول مع التساوي في السن، وترجيح القراءة، وفيه: حجة للشافعي في صحة إمامة الصبي في الفرض، ومنع من ذلك مالك ، قال: كان هذا في أول الإسلام، وحملوا الحديث على عمومه، ولم يبلغ فعلهم الشارع.

وقوله: (وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني) أي: انضمت ونقصت عن أن تسترني، يقال: قلص الشيء أو: تقلص إذا انضم، وقلص: إذا نقص.

وقوله: (فقالت امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم).

[ ص: 454 ] كذا هو في الأصول: تغطون بالنون، وذكره ابن التين بحذفها، ثم قال: والصواب إثباتها; لأنه مرفوع على أصله.

الحديث الرابع:

حديث عائشة رضي الله عنها مسندا ومعلقا في قصة ابن وليدة زمعة، وفي آخره: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". قال ابن شهاب: كان أبو هريرة يصيح بذلك، وقد سلف في أول البيع فراجعه.

وقوله: ("هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة") من أجل أنه ولد على فراشه، فيه رد على من يقول أنه ملكه إياه عبدا، فإن قلت: الولد لا يستلحق على فراش أبيه.

قلت: يحتمل أن يكون قول ابن زمعة معروفا أنه وطء الأمة لو كانت فراشا.

ويحتمل أن عبدا وارث زمعة وحده ولم ترثه سودة; لأنها مسلمة وكان زمعة كافرا، ورثه عبد إذ كان حين موته كافرا أيضا. ذكرها ابن التين.

الحديث (الخامس) :

حديث عروة بن الزبير، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح .. الحديث سلف في الشهادات مختصرا، واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسود بن هلال بن عمر بن مخزوم ابنة أخي

[ ص: 455 ] أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وابن عمها الأسود بن سفيان بن عبد الأسد،
وفي صحبته نظر كما قاله أبو عمر ، وأخوه هبار بن سفيان قتل بمؤتة، وقتل أخوها عبد الله بن سفيان باليرموك، قاله الزبير، وقال غيره بأجنادين.

وعمر بن سفيان هاجر إلى الحبشة، قاله الزبير. وعبد الله بن سفيان من مهاجرة الحبشة هو وأخوه هبار، قاله ابن إسحاق . ونزل عبد الله حمص وجرف، والأسود أبوها قتله حمزة يوم بدر أول من قتل، وكان عهد أنه ليشربن من حوض المسلمين أو ليهدمنه أو يموتن دونه فخرج، وخرج إليه حمزة فقتله -وكان سيئ الخلق- قال الزبير: أدركه حمزة وهو يكسر الحوض فقتله فاختلط دمه بالماء.

وقوله: (ففزع قومها إلى أسامة) أي: لجئوا إليه، يقال: فزعت إليه -بكسر الزاي- فأفزعني أي: لجأت إليه فأعانني، وفزعت عنه: كشفت عنه الفزع، ومنه قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم [سبإ: 23].

الحديث السادس:

حديث عاصم -هو: ابن سليمان الأحول- عن أبي عثمان- هو: عبد الرحمن بن مل النهدي - حدثني مجاشع فذكر حديث المبايعة.

وقد سلف في: الجهاد في باب: البيعة في الحرب أن لا يفروا ، مختصرا.

ثم ذكر بعد: وقال مجاشع بن مسعود. وقال في الأول: جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة.

[ ص: 456 ] وقال في الثاني: انطلقت بأبي معبد. ثم قال فيه: وقال خالد: عن أبي عثمان، عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد. وهو بيان لأخيه، مجاشع ومجالد ابنا مسعود بن ثعلبة بن وهب من بني بهثه بن سليم بصري قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين -أعني: مجاشعا- اتفقا عليه، وادعى الدمياطي انفراد البخاري بمجالد.

الحديث السابع:

حديث أبي بشر، عن مجاهد: قلت لابن عمر: إني أريد أن أهاجر إلى الشأم. قال: لا هجرة ولكن جهاد ونية، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت.

وقال النضر: أنا شعبة، أنا أبو بشر: سمعت مجاهدا: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

ثم ساق عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد بن جبر المكي، أن ابن عمر كان يقول: لا هجرة بعد الفتح.

ثم ساق عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير، فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله; مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية.

وطريق مجاهد وعطاء سلفا في الهجرة .

واسم أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري الواسطي، مات سنة خمس أو أربع أو ثلاث وعشرين ومائة، وكان مولده سنة سبعين.

[ ص: 457 ] وقد سلف تأويل لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.

قال ابن التين: قيل: يريد أن الهجرة لا تبتدأ حينئذ، وأن من كانت تقدمت له هجرة فهو مستمر عليها بدليل قوله في حديث الوداع: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم" .

الحديث الثامن:

حديث ابن جريج عن حسن بن مسلم، عن مجاهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم الفتح فقال: "إن الله حرم مكة" إلى آخره.

فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لا بد منه للقين والبيوت. فسكت ثم قال: "إلا الإذخر". وعن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثل هذا -أو نحو هذا-

رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله سلف في الحج من حديث خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن حديث جرير، عن منصور، عن (مجاهد، عن طاوس) عن ابن عباس رضي الله عنهما بطوله .

والقين: الحداد. وسكوته - عليه السلام - قبل قوله: "إلا الإذخر" لينظر ما يوحى إليه في ذلك.

فصل:

ذكر ابن سعد بعد الفتح سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من رمضان سنة ثمان ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها.

[ ص: 458 ] ثم سرية عمرو بن العاصي إلى سواع في رمضان، وهو صنم لهذيل ليهدمه فهدمه. ثم سرية (سعد) بن زيد الأشهلي إلى مناة، فيه أيضا: فهدمه ورجع لست بقين من رمضان. ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة في شوال سنة ثمان . وعند ابن إسحاق: قيل: هدم العزى ثم غزوة حنين .

التالي السابق


الخدمات العلمية