التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
371 378 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقط عن فرسه، فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة له، درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسا وهم قيام، فلما سلم قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائما فصلوا قياما". ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله، إنك آليت شهرا. فقال: "إن الشهر تسع وعشرون". [689، 732، 733، 805، 1114، 1911، 2469، 5201، 5289، 6684 - مسلم: 411 - فتح: 1 \ 487] .


[ ص: 360 ] أصل المنبر من النبر وهو الارتفاع، وسطح كل شيء أعلاه، صرح به الجوهري وغيره.

قال: ولم ير الحسن بأسا أن يصلى على الجمد والقناطر، وإن جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة.

الجمد: بفتح الجيم وضمها كما قال ابن التين، مثل عشر، وعشر، مكان صلب مرتفع، وقال ابن قرقول: إنه بسكون الميم، وفي كتاب الأصيلي: والصواب: السكون، وهو الماء الجامد من شدة البرد بدليل الترجمة. وقال صاحب "المحكم": الجمد: الثلج، زاد ابن عديس الفتح، وقال ابن جعفر هو بالفتح. وقال غيره: هو بالفتح والضم، وبضمهما: ما ارتفع من الأرض. وقال الفارابي: الجمد ما جمد من الماء نقيض الذوب، وهو مصدر. وقال الجوهري: هو بالتحريك جمع جامد والجمد والجمد مكان صلب مرتفع، والجمع أجماد وجماد.

و(القناطر): جمع قنطرة، وهو كما قال ابن سيده: ما ارتفع من البنيان. وقال الجوهري: هو الجسر أي: الذي يجعل على النهر يعبر عليه.

وقوله: (إذا كان بينهما سترة). لأنه إذا كالبعيد قربت النجاسة منه أو بعدت، وفي "المدونة": من صلى وأمامه جدار أو مرحاض أجزأه، وقال ابن حبيب: إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدا.

[ ص: 361 ] قال البخاري: وصلى أبو هريرة على سقف المسجد بصلاة الإمام. لذا ذكره بصيغة الجزم، وابن أبي شيبة رواه في "مصنفه" عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، وفيه مقال. قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل، وقد صح عن غير واحد. رواه ابن أبي شيبة عن أنس، وسالم بن عبد الله، وغيرهما، ولا بأس أن يصلي المأموم على السطح والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين، وهو قول مالك في غير الجمعة، وقال [الليث]: لا بأس أن يصلي الجمعة ركعتين على ظهر المسجد، وفي الدور على الدكاكين، وفي الطرق إذا اتصلت الصفوف ورأى الناس بعضهم بعضا حتى يصلوا بصلاة الإمام، وعن الشافعي مثله.

قال البخاري: وصلى ابن عمر على الثلج.

ثم ذكر البخاري حديثين:

أحدهما: حديث سهل بن سعد في شأن المنبر.

والثاني: حديث أنس في المشربة، وهي الغرفة، وصلى على ألواحها وخشبها. وهو موضع الترجمة، وذكر ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه كان مريضا فكان يصلي قاعدا، فجعل له وسادة، وجعل له لوح عليها فسجد عليه.

[ ص: 362 ] وكره قوم السجود على العود: روي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود أخرجهما ابن أبي شيبة: قال علقمة: دخل عبد الله على أخيه عبدة يعوده فوجده يصلي على عود فطرحه، وقال: إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، وإن لم تستطع فأومئ إيماء. وكرهه الحسن وابن سيرين.

وروى ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يحمل معه لبنة في السفينة. يعني: يسجد عليها، وابن أبي شيبة وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه، وحجتهم الاتباع في المنبر والمشربة.

فأما حديث سهل فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

أن البخاري ذكره قريبا، وفي الجمعة، والهبة أيضا، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

ثانيها:

قوله: (من أي شيء المنبر؟) أي: منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (والأثل) الطرفاء؛ ولهذا جاء هنا (من أثل الغابة) وفي أخرى: من طرفاء الغابة، وقيل: إنه يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، والغابة: من عوالي المدينة من جهة الشام، والغابة: المكان الملتف بالشجر، والغابة:

[ ص: 363 ] اسم لقرية أيضا بالبحرين، وقال ابن بشكوال: في بعض الروايات: من أثلة كانت قريبة من المسجد.

ثالثها:

صانع المنبر: هل هو ميمون النجار، أو قبيصة المخزومي، أو صباح غلام العباس، أو إبراهيم، أو باقوم -بالميم وباللام- غلام سعيد بن العاصي، أقوال ذكرها ابن الأثير، وقال ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: للعباس، وقيل: لامرأة من الأنصار. قال ابن سعد: في السنة السابعة: ويقال: في الثامنة، وهو أول منبر عمل في الإسلام، وقيل: صنعه مينا، ذكره المنذري، وفي أبي داود: أنه تميم الداري.

رابعها:

قوله: (ما بقي من الناس أعلم به مني). فيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليوجه إلى حفظه.

خامسها:

في "الصحيح" كما سيأتي في إيتاء الصلاة: أنه - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى امرأة:

[ ص: 364 ] "انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا"
وفيه: أن امرأة، قالت له ذلك فلعلها ابتدأت بذلك ثم أرسل، وكان ثلاث درجات، ومن قال كان درجتين أسقط موضع المقام.

سادسها:

فيه دلالة على ما ترجم له وهو الصلاة على المنبر، وقد علل صلاته عليه وارتفاعه على المأمومين بالإتباع له والتعليم فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلا لحاجة كمثل هذا فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد كما حكاه البخاري والليث، وعن مالك المنع والأوزاعي أيضا، وحكي أيضا عن أبي حنيفة كما ذكره ابن حزم لكن المعروف عنه الكراهة، وإجازته في مقدار قامة فأقل، وأجاز مالك في الارتفاع اليسير، وعلل المنع بأنه يفعل على وجه الكبر، والشارع معصوم منه.

سابعها:

القهقرى: المشي إلى خلف، وأصلها مصدر قهقر، وفي نصبها مذاهب، وقد أوضحتها مع فوائد هذا الحديث في "شرح العمدة" فراجعه منه، ورجوعه القهقرى خوف الاستدبار، وهو عمل يسير؛ لأنه مشى خطوتين.

[ ص: 365 ] وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري أيضا في الصيام والنذور والمظالم، ومسلم أيضا في الصلاة والصوم.

والكلام عليه من أوجه:

أحدها:

معنى (جحشت ساقه): خدشت، أي: أصابه وجع منعه القيام، وكان ذلك في ذي الحجة، سنة خمس من الهجرة، وقوله: (آلى). أي: حلف، وليس الإيلاء المعروف، (والمشربة): بشين معجمة، ثم راء مضمومة أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل: الغرفة، وقيل: الخزانة هي بمنزلة السطح لما تحتها. والجذع: بالذال المعجمة.

وقوله: ("إنما جعل الإمام") لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول الثاني لجعل؛ لأنها هنا بمعنى صير، والتقدير: إنما جعل الإمام إماما. والأول: ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى: "ليؤتم به" ليقتدى به.

ثانيها:

قوله: ("فإذا كبر فكبروا") هذه فاء التعقيب فتقتضي أن تكون أفعال المأموم القولية والفعلية عقب أفعال الإمام (......)، فنبه بالتكبير على القولية وأفعال الإمام القولية والفعلية فيه، وبالركوع على الفعلية، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يكبر مع الإمام لا قبله، وصاحباه وافقا الشافعي في [ ص: 366 ] كونه بعده.

ثالثها:

إنما تقتضي الحصر للإمام والمتابعة في كل شيء، حتى النية والهيئة من الموقف وغيره، وقد اختلف في ذلك العلماء، فقال الشافعي وطائفة: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصا بالأفعال الظاهرة، وقال مالك وأبو حنيفة: يضر اختلافها، وجعلا اختلاف النيات داخلا تحت الحصر في الحديث، وقال مالك وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عاما فيما عدا ذلك، وقد أوضحت الكلام على ذلك في "شرحي للعمدة".

رابعها:

قوله: "وإن صلى قائما فصلوا قياما") وهذا الحديث ذكره بعد أن صلى جالسا (وهم) قيام عند الشافعية، [وغيرهم] ومنهم البخاري والحنفية والجمهور منسوخ بحديث عائشة الآتي: أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى قاعدا، وأبو بكر والناس قيام، وكان هذا في مرض موته. ونقله البخاري في "صحيحه" في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. عن الحميدي، وأبى [ ص: 367 ] ذلك ابن حبان كما أوضحته في الشرح المذكور، فسارع إليه، وقد أوجب أحمد وابن المنذر وابن حزم والأوزاعي قعود المأموم عند قعود الإمام، وقال مالك في المشهور عنه وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسا؛ لحديث: "لا يؤم أحد بعدي جالسا" لكنه مرسل واه، ومن زعم اختصاص ذلك به فقد أبعد، وسيأتي الكلام على حلفه وقوله: ("إن الشهر تسع وعشرون") في موضعه إن شاء الله. وهذه الصلاة الظاهر أنها مكتوبة؛ لقوله في بعض طرق الحديث: "فحضرت الصلاة"، وأشار ابن القاسم إلى أن ذلك كان في النافلة كما حكاه القرطبي.

التالي السابق


الخدمات العلمية