التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4517 [ ص: 133 ] 4795 - حدثني زكرياء بن يحيى، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة: أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وإنه ليتعشى. وفي يده عرق فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن". [ انظر:146 - مسلم:2170 - فتح: 8 \ 528]


يقال: ( إناه ): إدراكه، أنى يأني أناء. وفي نسخة: أناة، والوجه: أنيا. لعل الساعة تكون قريبا [ الأحزاب: 63] إذا وصفت صفة المؤنث قلت: قريبة وإذا جعلته ظرفا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الاثنين والجميع والذكر والأنثى.

ثم ساق حديث حميد، عن أنس قال: قال عمر : قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.

وعن أبي مجلز -لاحق بن حميد- عنه قال: لما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون. . الحديث. وفيه: فألقى الحجاب ونزلت الآية.

ثم ساقه من حديث أبي قلابة ، عن أنس : أنا أعلم الناس بهذه الآية، آية الحجاب وساق الحديث. وفي آخره: فضرب الحجاب، وقام القوم.

ثم ساق من حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس قال: بني على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء [ ص: 134 ] القوم فيأكلون ويخرجون. . الحديث. وفي آخره: وأنزلت آية الحجاب.

ثم ساق عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد، عن أنس قال: أولم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بنى بزينب، فأشبع الناس خبزا ولحما ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين. . الحديث وفي آخره: وأنزلت آية الحجاب. وقال ابن أبي مريم: أنا يحيى، حدثني حميد الطويل ، سمع أنسا ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ويحيى هذا هو ابن أيوب الغافقي، استشهد به البخاري ، واحتج به مسلم .

ثم ساق من حديث هشام ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة: أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وإنه ليتعشى. وفي يده عرق فدخلت وقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحي إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ".

وهذه الأحاديث كلها دالة على الحجاب.

والحديث الأخير وإن لم يذكر فيه، بل قوله: "قد أذن لكن" إلى آخره ظاهره عدمه، فالبخاري ذكره في مواضع أخر من حديث الزهري ، عن عروة ، عنها: أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يخرجن بالليل قبل المناصع، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك. فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، فخرجت سودة، فناداها عمر : قد عرفناك [ ص: 135 ] يا سودة ; حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب، ومن عادته الإحالة على أصل الحديث، لكن هذا غير الحجاب الأول، فإنه أراد هنا حجبة الشخص مطلقا، وإن كن متلفعات، وفي الأول نزل الحجاب في الدخول عليهن، كما ستعلمه من أنهن كن يحجبن أشخاصهن عن الرجال، كما فعلته حفصة وغيرها.

قال القاضي عياض: فرض الحجاب مما اختص به أزواجه، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز كما في حديث حفصة لما توفي عمر رضي الله عنهما سترها النساء عن أن يرى شخصها، فلما توفيت زينب جعلوا لها قبة تستر شخصها.

وقد أسلفنا ذلك في الصلاة في الحجاب أحد ما وافق عمر فيه ربه تعالى، ولا خلاف أن غيرهن يجوز لهن أن يخرجن لما يحتجن إليه من أمورهن الجائزة بشرط أن تكون ( بذة ) الهيئة خشنة الملبس، تفلة الريح، مستورة الأعضاء، غير متبرجة بزينة ولا رافعة صوتها.

وقوله: ( بني على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب بخبز ولحم ) وقد سلف قريبا اختلاف الرواية فيه، والجمع مما ذكرته.

وقوله فى الآية: ولا مستأنسين لحديث : بعد الأكل.

وقوله: ( وبقي ثلاثة ) وفي الرواية الأخرى: رجلان. لعله باعتبارين: كانوا ثلاثة ذهب واحد وبقي اثنان، وهو أولى من قول [ ص: 136 ] ابن التين: إحداهما وهم.

وقوله: ( وضع رجله في أسكفة الباب ) هي عتبته التي يوطأ عليها، كما قاله الخليل.

وقوله: ( وفي يده عرق ) هو بفتح العين وبسكون الراء، عظم عليه لحم. وعبارة الداودي : العرق: البضعة من اللحم. وعبارة ابن فارس : العراق: العظم إذا أخذ لحمه، وفلان معروق اللحم: إذا كان قليل اللحم.

وقوله: ( وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب ) زاد الواحدي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أنس : فلما أرخى الستر دوني، فذكرت ذلك له، فقال: إن كان ما تقول حقا لينزلن فيه قرآن، فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي وروى من حديث ليث ، عن مجاهد أنه - عليه السلام - كان يطعم ومعه أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت آية الحجاب.

وقال الفراء : كانت الصحابة يدخلون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الغداء، فإذا طعموا أطالوا الجلوس، وسألوا أزواجه الحوائج، فاشتد ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت، فشق ذلك على بعض، وتكلم [ ص: 137 ] بعضهم في ذلك وقالوا: أننهى أن ندخل على بنات عمنا إلا بإذن ومن وراء حجاب، لئن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأتزوجن بعضهن، فقال أبو بكر وذووه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ونحن أيضا لا ندخلن عليهن إلا بإذن؟ فنزلت لا جناح عليهن في آبائهن الآية. وأنزل في التزويج وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله .

وقال مقاتل : كانوا يجلسون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الطعام وبعده، وكان ذلك في بيت أم سلمة. وكذا قاله قتادة فيما ذكر عبد بن حميد ، كان ذلك يؤذيه ويستحيي أن يقول لهم: قوموا، وربما خرج وهم في بيته يتحدثون.

والجمع بين هذه الأقوال -والله أعلم- أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى، ونزلت الآية عند المجموع، وكان ذلك سنة خمس من الهجرة، وكان عمر وقع في ظنه نفرة عظيمة في أن يطلع أحد على حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صرح له بقوله: احجب نساءك. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب، وبعده قصد أن لا يخرجن أصلا، فأفرط في ذلك بحيث أنه أفضى إلى الحرج والمشقة والإضرار بهن، فإنهن محتاجات إلى الخروج كما قال - عليه السلام -: "قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" ثم جاء الحجاب الثاني كما سلف. وما تقدم من كراهته - عليه السلام - لم يظهره، وأظهره عمر فاجتمعت القضايا.

ودعوى من ادعى أن هذه المصلحة التي أشار بها عمر خفيت على غيره يرده ما ذكرناه.

[ ص: 138 ] فائدة:

تزويجه بزينب إما سنة ثلاث -كما قاله أبو عبيدة - وفيه نظر، لأن الحجاب كان حين زواجها سنة خمس، لا جرم أن قتادة قال: كان سنة خمس. وقيل غير ذلك كما سلف في الصلاة.

فائدة أخرى:

( انكفأت ) في حديث عائشة بالهمز. أي: انقلبت وانصرفت. ووقع لبعض الرواة: انكفت بتركه، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة فلقيها ساكن فحذفت، والصواب الأول كما نبه عليه القرطبي .

فائدة أخرى:

بيوت بضم الباء وكسرها وهما قراءتان، والكسر عن عاصم وجماعة أهل الكوفة، ولا يراه البصريون ويقولون: إن الضم بعد الكسر لا يوجد في كلام العرب. والمختار عند أهل الكوفة أيضا الضم.

وقوله: ( فيستحيي منكم ) هو بيائين ويجوز بواحدة.

التالي السابق


الخدمات العلمية