التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
[ ص: 429 ] 42 - باب: القسمة وتعليق القنو في المسجد قال أبو عبد الله: القنو العذق، والاثنان قنوان، والجماعة أيضا قنوان، مثل صنو وصنوان.

421 - وقال إبراهيم: عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس - رضي الله عنه - قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين، فقال: "انثروه في المسجد". وكان أكثر مال أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة، جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه؛ إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "خذ". فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، أؤمر بعضهم يرفعه إلي. قال: "لا". قال: فارفعه أنت علي. قال: "لا". فنثر منه، ثم ذهب يقله، فقال: يا رسول الله، أؤمر بعضهم يرفعه علي. قال: "لا". قال: فارفعه أنت علي. قال: "لا". فنثر منه، ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا من حرصه، فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثم منها درهم. [3049، 3165 - فتح: 1 \ 516] .


وقال إبراهيم -يعني ابن طهمان- عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين، الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

القنو بكسر القاف، ثم نون ساكنة: عذق النخلة، وهو العرجون بما فيه من الرطب، والجمع أقناء وقنوان يصرف مثل صنو وصنوان، وفي بعض نسخ البخاري: قال أبو عبد الله: القنو: العذق والاثنان قنوان مثل صنو وصنوان.

[ ص: 430 ] قال ابن سيده: القنو والقنا: الكباسة، والقنا بالفتح لغة فيه عن أبي حنيفة، والجمع من كل ذلك أقناء وقنوان وقنيان، وفي "الجامع": في القنوان لغتان بكسر القاف وضمها، وكل العرب تقول: قنو وقنو في الواحد.

ثانيها:

هذا الحديث ذكره البخاري هنا تعليقا، وكذا في الجزية، والجهاد، وقال الإسماعيلي: ذكره أبو عبد الله بلا إسناد، فقال: وقال إبراهيم؛ وهو ابن طهمان فيما أحسب، وكذا قاله خلف أنه ابن طهمان، وأبو نعيم الحافظ، ثم ساقه أبو نعيم مصرحا به أيضا، وروى البخاري في كتاب: الحج، والنكاح عن أحمد بن حفص بن راشد، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان.

وقال المزي في "أطرافه": عبد العزيز في هذا الحديث عند البخاري غير منسوب، وذكره أبو مسعود وخلف الواسطي في ترجمة عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وكذلك رواه عمر بن محمد البجيري في "صحيحه" من رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن صهيب عن أنس قال: وقيل: إنه عبد العزيز بن رفيع.

[ ص: 431 ] وقد روى أبو عوانة في "صحيحه" حديثا من رواية ابن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن أنس: "تسحروا فإن في السحور بركة"، وروى أبو داود، والنسائي حديثا من رواية ابن طهمان عن ابن رفيع، عن ابن عمير، عن عائشة: "لا يحل دم امرئ مسلم" فيحتمل أن يكون هذا هو، وقد أسلفنا أولا التصريح به، وهو ثابت في عدة نسخ.

ثالثها:

لم ذكر البخاري في الحديث القنو والذي بوب له، قال ابن التين: أنسيه، وقال ابن بطال: أغفله ثم قال: وتعليق القنو في المسجد أمر مشهور، وقد يقال: إنه أخذه من وضع المال في المسجد بجامع أن كلا منهما وضع للأخذ، وقد ذكر ابن منده في "غريبه" أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى أقناء معلقة في المسجد، ومن عادة البخاري الإحالة على أصل الحديث.

وذكر ثابت في "غريبه" أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد ليأكل منه من لا شيء له، قال: وكان عليها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل، قال ابن القاسم: سئل مالك عن الأقناء في المسجد وشبه ذلك فقال: لا بأس به، وسئل عن الماء الذي يسقى [ ص: 432 ] في المسجد أترى أن يشرب منه؟ قال: نعم، إنما جعل للعطش، ولم يرد به أهل المسكنة، فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس، قال: وقد سقى سعد بن جنادة فقيل له: في المسجد؟ فقال: لا، ولكن في منزله الذي كان فيه. قال ابن بطال: ولا تنافي بين ما ذكره ثابت ومالك؛ لسعة حال الناس في زمن مالك، فيستوي فيه الغني والفقير، ألا ترى أنه شبه ذلك بالماء الذي يجعل للعطشان دون المساكين.

رابعها:

قوله: (أتي بمال من البحرين) هو تثنية بحر، وهو بلدة مشهورة بين البصرة وعمان وهي هجر، وأهلها عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ولهم وفادة، وقال عياض: قيل: بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخا. قال البكري: ولما صالح أهله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها فقدم بمال من البحرين، وزعم أبو الفرج الأشهلي في "تاريخه" أنها وبيئة وأن ساكنيها معظمهم مطحولون وأنشد:


ومن يسكن البحرين يعظم طحاله... ويغبط بما في جوفه وهو ساغب

وزعم ابن سعد أنه - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من الجعرانة، يعني بعد قسمة غنائم حنين أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي -وهو بالبحرين- يدعوه إلى الإسلام فكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامه وتصديقه.

[ ص: 433 ] خامسها:

قوله: (قال: انثروه في المسجد) أي: اطرحوه. ففيه وضع ما الناس مشتركون فيه في المسجد من صدقة أو غيرها؛ لأن المسجد لا يحجب أحد من ذوي الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل في المسجد. نقله ابن بطال عن المهلب.

سادسها:

قوله: (فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ولم يلتفت إليه) وجه عدم التفاته إليه استقلالا للدنيا فأبقى على الباقي وترك الفاني.

سابعها:

قوله: (فما كان يرى أحدا إلا أعطاه). فيه: دلالة على كثرة إعطائه، وعلو كرمه، وزهده، والولي إذا علم من أتباعه حاجة سارع إليها، ولا يدخر شيئا ملكه لله ولرسوله.

ثامنها:

قوله: (وفاديت عقيلا) يعني: ابن أبي طالب يوم بدر.

تاسعها:

قوله: (ثم ذهب يقله، فلم يستطع). (يقله) بضم أوله، قال ابن التين: كذا رواه، أي: يحمله، إنما لم يأمر أحدا بإعانة العباس، ولم يعنه هو بنفسه زجرا له عن الاستكثار من المال، وأن لا يأخذ إلا قدر حاجته، أو لينبهه على أن أحدا لا يحمل عن أحد شيئا، وقد كان العباس قويا جدا كان يقل البعير إذا جلس. والكاهل ما بين الكتفين.

[ ص: 434 ] عاشرها:

فيه: أن القسم إلى الإمام على قدر اجتهاده، والعطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكى إليه من الغرم الذي نزحه، ولم يسوه في القسمة مع الثمانية الأصناف، ولو قسم ذلك على التساوي لما أعطى العباس من غير مكيال ولا ميزان، وإنما أعطاه بقدر استقلاله من الأرض، ولم يعط لأحد غيره مثل ذلك، وفيه: أن السلطان يرتفع عن الأشياء الممتهنة حيث لم يحمل على العباس، بأن لا يكلف غيره إلى ذلك، وإن كان فيه نفعا للخاصة؛ إذ فيه ضرر على العامة.

التالي السابق


الخدمات العلمية