التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4555 4835 - حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، حدثنا معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة سورة الفتح فرجع فيها. قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - لفعلت. [ انظر:4281 - مسلم:794 - فتح: 8 \ 583]


ذكر فيه حديث عبد الله بن مسلمة، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب كان يسير معه ليلا، فسأله عمر عن شيء، فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سأله، فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سأله، فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك عمر ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك. قال عمر :

[ ص: 248 ] فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن. فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه فقال:
"أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس". ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا .


الكلام عليه من وجوه- بعد أن تعلم أنه أخرجه في المغازي وفضائل القرآن، وأخرجه أيضا الترمذي والنسائي :

أحدها:

قال الدارقطني : رواه عن مالك ، عن زيد، عن أبيه، عن عمر متصلا محمد بن خالد بن عثمة، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان وإسحاق الحنيني، ويزيد بن أبي حكيم، ومحمد بن حرب المكي، وأما أصحاب "الموطأ" فرووه عن مالك مرسلا.

وقال القابسي: قوله: ( قال عمر : فحركت بعيري ) إلى آخره يبين أن أسلم عن عمر رواه، ولما رواه البزار ، عن محمد بن المثنى، عن ابن عثمة بلفظ قال: سمعت عمر يقول، ثم قال: وثنا الفضل بن سهل، ثنا ابن غزوان، ثنا مالك ، عن زيد، عن أبيه، عن عمر فذكره. قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالكا ، ولا عن مالك إلا ابن عثمة وابن غزوان.

[ ص: 249 ] قلت: قد سلف عنه غيرهما، ورواه أحمد في "مسنده" عن ( أبي نوح قراد بن نوح )، عن مالك ، عن زيد، عن أبيه، عن عمر به.

ثانيها:

هذا السفر كان ليلا كما سلف، وكان منصرفه - عليه السلام - من الحديبية لا خلاف فيه كما سلف في موضعه، فإن البخاري ساقه أيضا هناك.

والثكل: فقد الولد، يقال: ثكلت وأثكلت، كأنه دعا على نفسه بالموت ; لسوء فعل أو قول توهم أنه وقع منه، ويجوز أن يكون ذلك مما جرى على لسانهم من غير قصد حقيقته.

ونزرت بنون مفتوحة، ثم زاي مخففة مفتوحة أيضا، وقيل: مشددة، ثم راء ساكنة ومعنى التخفيف: ألححت عليه. قاله ابن فارس والخطابي ، وقال مالك : راجعت. وقال ابن وهب : أكرهته، أي: أتيته ما يكره من سؤالي، فأراد المبالغة. والنزر: القلة، ومنه: أكثر النزور هطلة الماء. قال أبو ذر : سألت من لقيت من العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلا بالتخفيف، وكذا ذكره ثعلب وأهل اللغة. وبالتشديد ضبطه الأصيلي وكأنه على المبالغة، وقال الداودي : نزرت، قللت كلامه إذ سألته فيما لا يحب أن يجيب فيه.

[ ص: 250 ] وفيه: أن الجواب ليس لكل الكلام بل السكوت جواب لبعضه، ولعل عمر كرر السؤال لشيء أهمه، والشارع أعلم بما يسكت عنه ويجيب فيه، لكنه إنما سكت لاستغنائه بما أنزل عليه من الوحي.

وقوله: ( فما نشبت ) هو بكسر الشين أي: لبثت.

ثالثها:

قوله: ( "لهي أحب" ) إلى آخره ; بسبب ما بشرته من المغفرة والفتح وفاضل بين المنزلة التي أعطيها وبين ما طلعت عليه الشمس وليس بينهما في الحقيقة مفاضلة، نعم هو مثل قوله: أي الفريقين خير مقاما [ مريم: 73] و أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا [ الفرقان: 24].

وفي الحديث في وصف الحور: "ولنصيفها خير من الدنيا"، وقد يجاب أيضا أنه إنما جاء على ما استقر في النفوس من قصد الدنيا، لكن الآخرة هي المقصودة حقيقة، وقال ابن بطال: معناه أن تكون هي أحب إلي من كل شيء ; لأن لا شيء إلا الدنيا والأخرى، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا، إذ لا شيء سواها إلا الآخرة.

ثم ساق البخاري حديث أنس - رضي الله عنه -: إنا فتحنا لك فتحا مبينا [ الفتح: 1]: قال: الحديبية. قد طوله هناك، وسلف الخلاف فيه، وعلى قول أنس أهل التفسير. وادعى الداودي أن الأكثر على أنه فتح مكة.

ثم ساق أيضا حديث عبد الله بن مغفل -بالغين المعجمة- قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة سورة الفتح فرجع فيها. قال معاوية لو شئت أن أحكي لكم قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفعلت.

[ ص: 251 ] معنى رجع: ردد القراءة، وقيل: تقارب ضروب الحركات في الصوت، وقد بينه في موضع آخر، وقيل: كان ترجيعه قال: آا آا آا. زاد في "الإكليل": لولا أن يجتمع الناس لقرأت بذلك اللحن الذي قرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وزعم بعضهم أن هذا إنما كان منه لأنه كان راكبا فجعلت الناقة تحركه فحصل له الترجيع، وهو محمول على إشباع المد، وكان - عليه السلام - حسن الصوت إذا قرأ مد ووقف على الحروف، ويقال: ما بعث نبي إلا حسن الصوت، وقام الإجماع على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها كما نقله القاضي. قال أبو عبيد : والأحاديث الواردة في ذلك محمولة علي التحزين والتشويق.

واختلف في القراءة بالألحان، فكرهها مالك والجمهور ; لخروجها عما جاء به القرآن من الخشوع والتفهم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف للأحاديث ; ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على استماعه. وقال الشافعي : أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع آخر: لا أكرهها، فجمع أصحابه بينهما، فالأول: إذا شطط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص، أو مد [ ص: 252 ] غير ممدود، أو أدغم ما لا يجوز إدغامه ونحو ذلك، والثاني: إذا لم يكن فيها تغيير لموضع الكلام. قال مالك : ينبغي أن تنزه أذكار الله وقراءة القرآن العظيم عن التشبيه. بأحوال المجون والباطل، فإنها حق وجد وصدق، والغناء هزو ولهو ولعب.

وصححه القرطبي ; لأن كيفية القراءة قد بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ إلى الشارع وليس فيها تطريب ولا تلحين مع كثرة المتعمقين والمتنطعين في مخارج الحروف، وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك، وهذا قاطع، ولأن التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن أو النقص منه، وهما ممنوعان، والمؤدي إليهما ممنوع، وبيانه أن التطريب والتلحين من ضرورته المد في موضعه والنقص مراعاة للوزن، كما هو معلوم عند أهله، ولأنه أيضا يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر، وقد نزهه الله عنه كما قال وما هو بقول شاعر [ الحاقة: 41].

التالي السابق


الخدمات العلمية