التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4607 [ ص: 375 ] 6 - باب: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر: 9]

فاقة. المفلحون [ الحشر: 9]: الفائزون بالخلود، والفلاح: البقاء، حي على الفلاح: عجل. وقال الحسن: حاجة [ الحشر: 9]: حسدا.

4889 - حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله؟". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدخريه شيئا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لقد عجب الله -عز وجل-أو ضحك- من فلان وفلانة". فأنزل الله -عز وجل- ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر: 9]. [ انظر:3798 - مسلم: 2054 - فتح: 8 \ 631].


( المفلحون ): الفائزون بالخلود. والفلاح: البقاء، حي على الفلاح: عجل ) إلى سبب البقاء في الجنة وهو الصلاة في جماعة، كذا ذكره ابن التين، وليس معناها كذلك في اللغة وإنما معناها: هلموا وأقبلوا.

[ ص: 376 ] ( ص ) ( وقال الحسن: حاجة : حسدا ) هذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عنه.

ثم ذكر حديث أبي حازم -واسمه سلمان - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد. . الحديث. إلى أن قال: فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. وأخرجه في فضائل الأنصار أيضا، ومسلم والترمذي والنسائي .

وذكر الواحدي من هذا الوجه أن هذا الرجل الأول من أهل الصفة. وفي "الأوسط" للطبراني أنه أبو هريرة .

وفي "أحكام القاضي إسماعيل" أن رجلا من المسلمين مكث ثلاثة أيام لا يجد ما يفطر عليه حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن قيس . الحديث. وبه جزم ابن التين .

المضيف هو أبو طلحة كما ذكره الخطيب وجاء مبينا في رواية الحميدي ، واسمه زيد بن سهل، كما قاله ابن بشكوال، وأنكره النووي. وقيل: عبد الله بن رواحة . وعند المهدوي النحاس : نزلت في أبي المتوكل، فإن الضيف ثابت بن قيس عكس ما سلف. ووهم [ ص: 377 ] ابن عسكر فقال: أبو المتوكل هذا هو الناجي ; لأنه تابعي إجماعا.

وفي "أسباب النزول" عن ابن عمر : أهدي رجل من الصحابة رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج منا إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة من أهل أبيات حتى رجعت الأول، فنزلت.

وقوله: ( لا تدخريه شيئا ) أي: لا تمسكي عنه شيئا.

وقول المرأة: ( والله ما عندنا إلا قوت الصبية ) يحتمل أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضر، فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا يقدم على الضيافة، وقد أثنى الله عليهما، فدل أنهما لم يتركا واجبا. أو يقال: أنها علمت صبرهم عن العشاء تلك الليلة ; لأن الإنسان قد يصبر ساعة عن الأكل ولا يتضرر به ولا يجهده.

وقوله: ( ونطوي بطوننا الليلة ) أي نجمعها، فإذا جاع الرجل، انطوى جلد بطنه.

وقوله: "لقد عجب الله - أو ضحك الله" معنى العجب هنا الرضا، وحقيقته عندكم في الشيء التافه إذا دفع فيه فوق قدره وأعطى الأضعاف من قيمته. وقول أبي عبد الله : معنى الضحك الرحمة. غريب، كما نبه عليه ابن التين، وتأويله بالرضا أشبه على ما سلف في العجب ; لأن من أعجبه الشيء فقد رضيه من قبله. وقيل: معنى "ضحك": أبان عن [ ص: 378 ] آلائه وفضله بإظهارها واتخاذها ; لأن الضاحك يكشف ما استتر ويبين ما اكتتم.

وفيه من الحكم: جواز نفوذ فعل الأب على الابن وإن كان منطويا على ضرر إذا كان ذلك من طريق النظر، وأن القول فيه قول الأب والفعل فعله، وكان ذلك الإيثار لقضاء حق الرسول في إجابة دعوته والقيام بحق ضيفه.


قالت: أما ترحل تبغي الغنى قلت: فمن للطارق المعتم     قالت: فهل عندك شيء له
قلت: نعم جهد الفتى المعدم     فكم وحق الله من ليلة
قد طعم الضيف ولم أطعم     إن الغنى بالنفس يا هذه
ليس الغنى بالثوب والدرهم

التالي السابق


الخدمات العلمية