التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4624 [ ص: 406 ] 8 - باب : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة الآية [ المنافقون: 8]

4907 - حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، قال حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمعها الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما هذا؟". فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " دعوها فإنها منتنة". قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد، فقال عبد الله بن أبي: أوقد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". [ انظر:3518 - مسلم:2584 - فتح: 8 \ 652].


ثم ساق حديث جابر المذكور. قال أبو عبيدة : سمى الله الكفر كذبا، مراده النفاق.

وقوله: ( فذكرت ذلك لعمر أو لعمي ) وقال بعده: ( فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -وقال بعده: أخبرت به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال بعده: ( فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وفي رواية للطبراني: فذكرت ذلك لسعد بن عبادة.

ولا تنافي بين ذلك، فقد يخبر عمه أو غيره، ثم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره، ويجوز أن يقول: أخبرته: إذا أومأت إليه. وعمه هو ثابت بن زيد بن قيس بن زيد، أخو أرقم بن زيد، كما نبه عليه الدمياطي.

[ ص: 407 ] ويحتمل أن يريد به سعد بن عبادة كما سلف ; لأنه شيخ من شيوخ قبيلته الخزرج. ويحتمل أنه أراد عمه زوج أمه ابن رواحة .

وفعل عبد الله ما فعل غيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال محمد بن يوسف: بلغني أن ابنه وقف له فقال: والله، لا تمر حتى تقول: إنك ( الأذل ) ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعز، فلم يمر حتى قالها. وقد سلف تفسير الجنة وأنه الاستتار بالحلف، وكلما علم بشيء يوجب العقوبة حلفوا أنهم ما أتوه.

وقوله: ( كنت في غزاة ) قال ابن الجوزي : هي المريسيع سنة خمس أو ست.

وقال موسى: سنة أربع. وذكر ابن العربي أنها كانت تبوك، وهو غير جيد كما نبه عليه ابن عسكر ; لأن المسلمين كانوا في تبوك أعزة والمنافقين أذلة، وأيضا أن منهم من قال: إن ابن أبي إنما كان مع الخوالف.

وقوله: ( فاجتهد يمينه ما فعل ) أي: أقسم طاقته لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم والكسع سلف. وقوله: ( حزنت ) وهو بكسر الزاي.

وفيه: حزن المؤمن إذا أصيب المؤمنون.

[ ص: 408 ] وقوله: ( فكتب إلي زيد بن أرقم ) لم يذكر ما كتب به، ولعله كما قاله ابن التين- أنه كتب يعرفه بقوله: "اغفر للأنصار وأبنائهم" وكان في هذا عزاء مما أصيب.

وفيه: مشروعية الكتابة. قال الخطيب: وذهب غير واحد من علماء الحديث إلى أن قول القائل حدثنا في المكاتبة جائز.

وقوله: ( فسأل أنسا ) كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: ( فسأل أنس ). ثم ذكر عن أبي الحسن أن صوابه: ( أنسا ).

ومعنى ( أوفى الله بأذنه ) يعني: بسمعه على مجرى قوله: سميع عليم ، كذا وصف نفسه، وهو ثابت كما جاء لا على معنى الجارحة -تعالى عن ذلك - وهو بسكون الذال.

وقول عمر : ( دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال - عليه السلام -: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" هو من أعظم السياسات ; ولأن ظاهر عبد الله بن أبي الإسلام، والناس كلفوا بالظاهر، فلو حصل عقوبة نفروا.

وفي هذه الأحاديث: جواز تبليغ ما لا يجوز المقول فيه، وليس من النميمة لما فيه من المنفعة وكشف الخفاء عن السرائر الخبيثة، والنميمة المحرمة التي فيها المضرة على قائله ما يتعلق بالدين. وذكر أبو نعيم أن سنان بن وبرة هو الذي سمع عبد الله بن أبي يقول: لئن رجعنا إلى المدينة الآية. فيحمل على أنه سمعه مع زيد بن أرقم أيضا توفيقا بينهما.

التالي السابق


الخدمات العلمية