التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4626 4910 - وقال سليمان بن حرب وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة قال: فضمز لي بعض أصحابه. قال محمد: ففطنت له فقلت: إني إذا لجريء إن كذبت على عبد الله بن عتبة وهو في ناحية الكوفة. فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذاك. فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته فذهب يحدثني حديث سبيعة فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئا فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق: 4]. [ انظر:4532 - فتح: 8 \ 654].


وأولات واحدها: ذات حمل، أي: من غير لفظها.

ثم ساق حديث أبي سلمة : جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة [ ص: 418 ] جالس عنده فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس : آخر الأجلين. قلت أنا: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق: 4].

إلى أن ذكر حديث سبيعة الأسلمية: أنه قتل زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد وفاته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أبو السنابل فيمن خطبها.


ثم قال: وقال سليمان بن حرب وأبو النعمان: ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب، عن محمد قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث ، عن عبد الله بن عتبة قال: فضمز لي بعض أصحابه. إلى أن قال: لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى وأولات الأحمال الآية [ الطلاق: 4].

وقال في موضع آخر: روي نحوه من حديث هشام عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أنه - عليه السلام - أمر سبيعة لما قتل زوجها.

والكلام عليه من وجوه:

أحدها:

وقع هنا أن زوج سبيعة قتل، وهو المراد بباقي الروايات، مات واسمه سعد بن خولة. وقال عروة : خولي من بني عامر بن لؤي من مهاجري الحبشة بدري. ووهم ابن مزين في "شرح الموطأ" في قوله: إنما رق له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه لم يهاجر. وقيل: كان حليفالبني لؤي، وهو من أهل اليمن.

[ ص: 419 ] وقال قوم: كان من الفرس، وأنه مولى أبي رهم بن عبد العزى ، مات بمكة في حجة الوداع إجماعا إلا ما شذ به ابن جرير قال: مات سنة سبع.

وسبيعة -بضم السين المهملة- بنت الحارث الأسلمية، لها صحبة ورواية، وفي الصحابيات ثلاثة غيرها اسم كل واحدة منهن سبيعة: بنت حبيب بصرية، أخرى قرشية بنت أبي لهب. قال أبو نعيم صوابه: درة، لها ذكر في مسند أبي هريرة .

وأبو السنابل -جمع سنبلة- بن بعكك -بفتح الكاف معروف- ابن الحجاج بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، من مسلمة الفتح. وقال ابن إسحاق : إنه من المؤلفة، في اسمه ثمانية أقوال: عمرو ، لبيد بن عبد ربه، حبة بالباء، وقيل: بالنون -وضعفه الأمير - عامر ، عبد الله بن أصرم، أو اسمه كنيته. وادعى العسكري أنه غير أبي السنابل عبد الله بن عامر بن كريز القرشي.

الوجه الثاني:

التعليق الثاني أخرجه الطبراني فقال: حدثنا يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، وحدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي النعمان قالا: ثنا حماد بن زيد ، فذكره.

[ ص: 420 ] وقد أسنده البخاري في تفسير سورة البقرة من وجه آخر عن محمد بن سيرين ، فراجعه.

الثالث:

( ضمز ) بتشديد الميم ثم زاي، أي: أشار بشفته أي: أسكت، يقال: ضمز الرجل إذا عض على شفته. وقال عياض: ضمز بالتخفيف: سكت، وبالتشديد: أسكت غيره. وفي رواية الأصيلي بالتشديد بعدها نون، قال: وضبطها الباقون بالتخفيف والكسر، قال: وهو غير مفهوم المعنى، وأشبهها رواية أبي الهيثم بالزاي، ولكن مع التشديد وزيادة نون وما بعدها، أي: أسكتني. وعند أبي الهيثم : ضمزني بزاي. وفي رواية: فغمض لي. فإن صحت فمعناه من تغميض عينه له على السكوت. وقال ابن الأثير: هو بالضاد والزاي من ضمز: إذا سكت. وضمز غيره: إذا أسكته، وهو الأشبه.

وقوله: ( ففطنت له ) أي: فهمت مراده. فطن الشيء بفتح الطاء، ورجل فطنة أي: فهيم.

وقوله: ( ولكن عمه لم يقل ذلك ) يعني: ابن مسعود ، وهذا اختلاف من قوله، لكنه رجع إلى قول مالك بن عامر .

الرابع: في فقهه، وقد أسلفناه في سورة البقرة.

وقول ابن عباس : ( إن أجل المتوفى عنها آخر الأجلين ) يريد: تماديها إلى أربعة أشهر وعشر كما في سورة البقرة، وروي أيضا عن [ ص: 421 ] علي وابن أبي ليلى ، واختاره سحنون، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما رجوعه وانقضاؤها بالوضع، عليه فقهاء الأمصار، منهم: أبو هريرة وأبو سلمة وعمر وابنه وابن مسعود .

وسبب الخلاف تعارض عموم: والذين يتوفون منكم مع آية الحمل، فإن كلا منهما عام من وجه، خاص من وجه، والأولى عامة في المتوفى عنهن أزواجهن، سواء كن حوامل أم لا. الثانية عامة في أولات الأحمال، سواء كن متوفى عنهن أم لا. ولعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين، لعدم ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك يوجب ألا يرفع تحريم العدة الثاني إلا بيقين الحل، وذلك بأقصى الأجلين، غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث، فإنه مخصص لعموم آية الوفاة مع ظهور المعنى في حصول البراءة بالوضع، نعم الجمع أولى من الترجيح، فإنها إن اعتدت بأقصاهما فقد عمل بها، وإن اعتدت بالوضع فقد ترك العمل بآية الوفاة، لكن حديث الباب نص في الحل بالوضع ويبين أن آية الوضع عامة في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحامل من الصنفين، ويعتضد بقول ابن مسعود : إن آية النساء: القصرى -يريد سورة الطلاق- نزلت بعد عدة الوفاة، وظاهر كلامه أنها ناسخة، وليس مراده، وإنما أراد بها أنها مخصصة، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها، وكذا حديث سبيعة متأخر عن آية الوفاة ; لأنه كان بعد حجة الوادع. وقام الإجماع على أنها إذا انقضت أربعة أشهر وعشر وهي حامل أنها لا تحل، فتبين أن حكم [ ص: 422 ] الحامل خارج من ذلك الحكم. وروي عن الشعبي وإبراهيم والحسن وحماد أنه لا يصح زواجها حتى تطهر من نفاسها احتجاجا بما في حديث سبيعة ; فلما تعلت من نفاسها. أي: طهرت منه. وجوابه أن هذا إخبار عن وقت سؤالها، ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله: إنها حلت حين وضعت. ولم يعلل بالطهر من النفاس.

وسواء كان حملها ولدا أو أكثر، كامل الخلقة أو ناقصها، علقة أو مضغة، فتنقضي العدة بوضعه إذا كان فيه صورة خلق آدمي، سواء كان صورة خفية. تختص النساء بمعرفتها أم جلية يعرفها كل أحد، بدليل إطلاق حديث سبيعة من غير سؤال عن حقيقة حملها. وادعى النحاس نفي الخلاف في المطلقة إذا ولدت أن عدتها منقضية.

وفي "تفسير عبد بن حميد " عن الحسن: إذا ألقت المرأة شيئا تعلم أنه حمل فقد انقضت به العدة، وأعتقت أم الولد. وكذا قاله ابن سيرين . وعن إبراهيم: إذا ألقت علقة أو مضغة فقد انقضت العدة. وقال قتادة : إذا أسقطت فقد استبان حملها وانقضت عدتها. وقال الشعبي : إذا نكث في الخلق الرابع وكان مخلقا انقضت به العدة، وأعتقت الأمة.

الخامس:

اختلف في المدة التي وضعت لها سبيعة، ففي رواية: بعد أربعين ليلة من وفاته. وأخرى: بخمس وثلاثين يوما. وبشهر، وبخمس وعشرين ليلة وثلاث وعشرين ليلة وبنصف شهر، وخمس عشرة ليلة، وعشرين ليلة.

[ ص: 423 ] وأخرجها أجمع عبد بن حميد ، وابن مردويه . وابن جرير في تفاسيرهم.

فائدة:

قوله: ( كنت في حلقة ) هو بفتح اللام على لغة، والمشهور إسكانها، واقتصر ابن التين على الأول. وقوله: ( القصرى ) قال الداودي : لا أراه محفوظا عنه، ولا يقال: في سور القرآن: قصرى ولا صغرى، وإنما يقال: قصيرة.

التالي السابق


الخدمات العلمية