التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4702 4988 - قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، سمع زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب : 23] فألحقناها في سورتها في المصحف . [انظر : 2807 - فتح: 9 \ 11]


ذكر فيه حديثين :

أحدهما : حديث عبيد بن السباق السالف في آخر تفسير سورة براءة .

ثانيهما : حديث ابن شهاب ، أن أنس بن مالك حدثه ، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق . فذكر الحديث في نسخ المصاحف ; وقال في آخره : قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت : سمعت زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب . . فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب : 23] فألحقناها في سورتها في المصحف .

معنى (يغازي : يغزو ) ، وإرمينية : بكسر أوله ، وفتحه ابن

[ ص: 22 ] السمعاني
، وتخفف ياؤها وتشدد كما قاله ياقوت ، وقال صاحبا "المطالع " : بالتخفيف لا غير . وقال أبو عبيد : بلد معروف سميت بكون الأرمن فيها ، وهي أمة كالروم ، وقيل : سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح . قال أبو الفرج : ومن ضم الهمزة غلط ; قال : وبكسرها قرأته على أبي منصور اللغوي ; وقال : هو اسم أعجمي ، وأقيمت -كما قال الرشاطي - سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان على يد سليمان بن ربيعة الباهلي . قال : وأهلها بنو الرومي بن إرم بن سام بن نوح .

وأذربيجان -بفتح أوله بالقصر والمد وبفتح الباء وكسرها وكسر الهمزة أيضا ، حكاه ابن مكي في "تنقيبه" - بلد بالجبال من بلاد العراق يلي كور إرمينية من جهة المغرب . وقال أبو إسحاق البحيري : الفصيح ذربيجان . وقال الجواليقي : الهمزة في أولها أصلية ، لأن أذر مضموم إليه الآخر .

وقوله : (وقال ابن شهاب . . ) إلى آخره . رواه البخاري في الأحكام عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، به . هذا إذا

[ ص: 23 ] لم يكن البخاري عطفه على السند الذي قبله .

فصل :

إن قلت : ما وجه نفور الصديق وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن .

قلت : بينه ابن الباقلاني بقوله : لم نجد الشارع قد بلغ في جمعه إلى الحد من الاحتياط من تجليده وجمعه بين لوحين وكرها أن يجمعاه جزعا أن يحلا أنفسهما محل [من] يجاوز احتياطه للدين احتياط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما (نبههما ) عمر وقال : هو والله خير ، وخوفهما من تغير حال القرآن في المستقبل لقلة حفظته ومصيره إلى حالة الخفاء بعد الاستفاضة والظهور علما صواب ما أشار به وأنه خير ، وأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس على الوجوب ولا تركه لما تركه على الوجوب ، إلا أن يكون قد بين أن مثل فعله لما فعله أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا واجب علينا ، فلما علمنا أنه لم يحظر جمعه ولا منع منه بسنة ولا بنص ولا هو مما يفسده العقل ويحيله ولا يقتضي فساد شيء من الدين ولا مخالفته ، وأما صواب ما أشار به عمر وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة في رجوعهم إلى رأي الصديق في قتاله أهل الردة واستصوبوه ، وقد يشمئز الإنسان أحيانا من فعل المباح المطلق ; لفرط احتياط ثم يتبين له بعد خلافه ، كرجل قيل له : قد سقط عنه فرض الجهاد والصيام والصلاة قائما ; لزمانة وعجز ، فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة ، فلما تأمل ذلك علم جوازه .

[ ص: 24 ] فصل :

يأتي في الأحكام فيما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا زيادة بيان في تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه أعظم فضائله .

فصل :

فإن قلت : فما وجه حمل عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه الصديق إلى ذلك ؟ قلت : سلف في آخر سورة التوبة وجهه .

فصل :

قد أسلفنا آخر سورة التوبة الجمع بين الروايتين آخر سورة [التوبة ] وآية الأحزاب ، وجمع المهلب بأن آية التوبة وجدت مع أبي خزيمة وهو معروف من الأنصار وقد عرفه أنس وقال : نحن ورثناه ، والتي في الأحزاب ليست صفة رسول الله ووجدت مع خزيمة بن ثابت وهو غير أبي خزيمة ، فلا تعارض ، والقصة غير القصة ، وآية الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهما شاهدان على سماعها منه . وإنما أثبت التي في التوبة بشهادة أبي خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفته - عليه السلام - ، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر .

فصل :

قال ابن بطال : في أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى ، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض ، وروى معمر ، عن (طاوس ) ، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا

[ ص: 25 ] اجتمعت عنده الرسائل فيها : بسم الله الرحمن الرحيم . وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله ، وقول من حرقها أولى بالصواب كما قاله ابن بطال .

وقال أبو بكر بن الطيب : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك .

وأكثر الرواة تقوله هنا بالخاء المعجمة ، ورواه المروزي بالحاء المهملة ، وروي عن الأصيلي الوجهان .

قال ابن عطية : ورواية المهملة أحسن ، ومن حرقها دفنها بعد ، وهذا حكمه في ذلك الزمن ، أما الآن قيل : الغسل أولى إذا دعت الحاجة إلى إزالته ، وما فعله عثمان رضي الله عنه ; فلاختلاط الشاذ بالمتواتر وخشية التحريف أيضا أو الإحراق لإذهاب عينه رأسا .

قال عياض : قد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه .

قال النووي : وكان ذلك صيانة لمصحف عثمان ، ونقل القرطبي عن الترمذي الحكيم أن من حرمة القرآن ألا نتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب ، فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحى بالماء ، وقد قال الحسن البصري : لا يحرق مصحف الغال ، وكان بعض السلف يستشفي بغسالته .

التالي السابق


الخدمات العلمية