التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
34 34 - حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". تابعه شعبة، عن الأعمش . [2459، 3178 - مسلم: 58 - فتح: 1 \ 89]


ثنا سليمان أبو الربيع نا إسماعيل بن جعفر نا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".

نا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، واذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". تابعه شعبة، عن الأعمش .

[ ص: 44 ] الكلام عليهما من وجوه:

أحدها:

حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الوصايا عن أبي الربيع أيضا، وفي الشهادات عن قتيبة، وفي: الأدب، عن ابن سلام.

وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة ويحيى بن أيوب، كلهم عن إسماعيل به، وحديث ابن عمرو أخرجه البخاري في: الجزية: عن قتيبة عن جرير عن الأعمش به، وأخرجه مسلم هنا عن أبي بكر عن عبد الله بن نمير، وعن ابن نمير، ثنا أبي، ثنا الأعمش ح، وثنا زهير، ثنا وكيع، ثنا سفيان عن الأعمش به.

الوجه الثاني: في التعريف برواته:

وقد سلف منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، والأعمش وشعبة.

وأما مسروق فهو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع -بالجيم ثم دال مهملة- بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن (سلمان) بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر الهمداني الكوفي التابعي الكبير، صلى خلف الصديق، وسمع عمر وعائشة [ ص: 45 ] وغيرهما، وعنه خلق من التابعين فمن بعدهم منهم: أبو وائل وهو أكبر منه، وإمامته وثقته وجلالته متفق عليها.

قال الشعبي: ما علمت أن أحدا كان يطلب العلم في أفق من الآفاق مثله. وقال مرة الهمداني: ما ولدت همدانية مثله.

وقال ابن المديني: ما أقدم عليه واحدا من أصحاب عبد الله، وكان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت معدي كرب، وقال له عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الأجدع شيطان" أنت مسروق بن عبد الرحمن، قال الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن.

وقال العجلي: كان أصحاب عبد الله الذين يقرءون القرآن ويعلمون السنة: علقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل. مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وستين.

وأما الراوي عنه فهو عبد الله بن مرة الهمداني الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة والفاء، نسبة إلى خارف، وهو: مالك بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان، [ ص: 46 ] روى عن (ابن عمر) وغيره، وعنه: الأعمش ومنصور. مات سنة مائة.

قال ابن سعد : في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال يحيى بن معين وأبو زرعة : ثقة.

وأما الراوي عنه فهو: الإمام الكبير العالم الرباني القائم في الله، أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة -بطاء مهملة ثم باء موحدة ثم خاء معجمة- بن إلياس بن مضر بن نزار، الثوري الكوفي. إمام أهل الكوفة بل إمام العراق، وهو من تابعي التابعين، سمع خلقا من التابعين منهم: السبيعي، والأعمش، وأبو حصين، وعنه: محمد بن عجلان، وهو تابعي، ومن شيوخه، وغيرهم من الأعلام. ومناقبه جمة.

قال أحمد بن عبد الله: أحسن إسناد الكوفة سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال أبو عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل منه، وعنه قال: ما استودعت نفسي شيئا فخانني.

[ ص: 47 ] وقال أحمد بن جواش: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان ويقول: لم لم أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفلان.

وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري فقال له رجل: تقول هذا، وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدا؟ ! فقال: هو والله ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان.

ولد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل: إحدى بالبصرة، وادعى ابن سعد الإجماع عليه.

قال ابن معين : كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولم يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يدلس، وعن عبد الرزاق قال: بعث أبو جعفر الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة، وقال: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخشبة، ونودي سفيان فماذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال: برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة.

فائدة:

سفيان هذا أحد أصحاب المذاهب المتبوعة كما أسلفته أوائل الكتاب.

[ ص: 48 ] وأما الراوي عنه فهو: قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن (جنيدب) بن رباب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، أبو عامر السوائي، الكوفي، أخو سفيان بن عقبة، روى عن الثوري وغيره من الكبار، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، منهم: أحمد، والذهلي، والبخاري، وكان من الصالحين.

وهو مختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين : ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان الثوري ليس بذاك القوي.

وقال يحيى بن آدم: كثير الغلط في سفيان كأنه كان صغيرا لم يضبط، وأما في غيره فهو ثقة رجل صالح، وعن قبيصة أنه قال: جالست الثوري وأنا ابن لست عشرة سنة ثلاث سنين.

وروى مسلم في: الجنائز حديثا واحدا عن ابن أبي شيبة عنه عن الثوري، وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي بواسطة، والبخاري في "الأدب" عن يحيى بن بشر عنه، ومسلم في مقدمته [ ص: 49 ] عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان، والنسائي عن ولده عقبة عن أبيه في: "أفطر الحاجم".

مات في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وقال النووي في "شرحه": مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان حكاهما المزي في "تهذيبه" حكى الأول عن معاوية، وحكى الثاني عن جماعة.

وأما الإسناد الأول فالراوي عن أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني، جد مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التميمي القرشي. سمع عمر وغيره، وعنه سليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين.

فائدتان:

الأولى: أخرج مسلم لأبي أنس عن عثمان حديثا في الوضوء من طريق وكيع عن سفيان عن أبي النضر عن أبي أنس عن عثمان، وحديثا في الربا من حديث سليمان بن يسار عنه.

[ ص: 50 ] فاستدرك الدارقطني وغيره الأول فقالوا: خالف وكيعا لعلها زيادة أصحاب الثوري الحفاظ حيث رووه عن الثوري، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان وهو الصواب، وقال مالك في "الموطأ" في الحديث الثاني إنه بلغه عن جده أن عثمان.

الثانية: صرح مالك في: الإيمان بسماع جده من طلحة بن عبيد الله، وكذا صرح به ابن سعد، وفيه نظر، كما نبه عليه المنذري حيث قال: كيف يصح سماعه منه وأنه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين، وعلى هذا يكون مولده سنة أربعين من الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة.

والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله، فلعل السبعين صوابها التسعين وتصحفت بها، وقد ذكر أبو عمر أنه توفي سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن سماعه منه.

قلت: وعلى الأول روايته عن عمر أشكل; فإنه مات سنة ثلاث وعشرين فكيف يصح له قوله: شهدت عمر عند الجمرة، وأصابه حجر فدماه وذكر الحديث وفيه: فلما كان من قابل أصيب عمر. رواه ابن سعد فقال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا جرير بن حازم، عن عمه [ ص: 51 ] جرير بن زيد، عن مالك بن أبي عامر قال: شهدت عمر، الحديث، فتنبه لذلك، وتبعه النووي في "شرحه".

(وقد نبه المزي أيضا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة اثنتي عشرة ومائة كما أسلفناه، مع السن المذكور، والناقل لذلك هو صاحب "الكمال" عن الواقدي، رواه عنه ابن سعد، وقال المزي في حاشية "تهذيبه": إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع من عمر فمن بعده، ونقل في أصل "تهذيبه" عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني: سنة أربع وسبعين، وجزم به في "الكاشف" فاتضح ذلك)

وأما ولده نافع فهو أبو سهيل المدني عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعا من التابعين، وعنه: الزهري ومالك وآخرون.

قال أحمد وأبو حاتم: ثقة.

وأما إسماعيل فهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد، ويحيى، وكثير، ويعقوب بن جعفر، سمع جمعا من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، وغيرهم، وعنه جمع من الأعلام منهم: قتيبة.

[ ص: 52 ] مات ببغداد سنة ثمانين ومائة.

قال يحيى بن معين : ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق.

وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد : ثقة.

قال ابن سعد : كان من أهل المدينة قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات.

وأما سليمان فهو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني [العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنه الحفاظ: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، ومات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين.

فائدة:

في الإسناد الأول لطيفة، وهي أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع.

وفي الإسناد الثاني لطيفة، وهي أنهم كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مرة، ومسروق.

الوجه الثالث:

مراد البخاري رحمه الله بإيراد هذين الحديثين هنا أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعات تزيده.

[ ص: 53 ] الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:

فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "آية المنافق" أي علامته، وقد فسر البخاري الحديث بالترجمة حيث قال: باب علامات المنافق.

والنفاق زعم ابن سيده أنه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مشتق من نافقاء اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقة ونفاقا، والنافقاء والنفقة جحر الضب واليربوع، وقيل: هما موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أتي من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج.

وقال القزاز: يقال: نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذلك، وكذلك نفق ينفق فهو منافق من هذا. وقيل: المنافق مأخوذ من النفق وهو السرب تحت الأرض، يراد أنه يتستر بالإسلام كما ستر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق، وجاء على فعال، وأكثر ما يجيء على فعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم; لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل: بل; لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإن علم أنه منافق فقد صار الفعل من اثنين، وسمي الثاني باسم الأول مجازا; للازدواج كقوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه [البقرة: 194].

وقال ابن الأنباري: في تسمية المنافق ثلاثة أقوال:

أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر.

ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.

[ ص: 54 ] ثالثها: أن اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمر رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به.

قال مالك فيما حكاه القرطبي: النفاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزندقة عندنا اليوم.

والكذب نقيض الصدق، وله مصادر ليس هذا موضع استقصائها.

والوعد، قال الفراء: يقال: وعدته خيرا، ووعدته شرا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أثبت الألف مع الباء.

وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرا وهو نادر.

وقال الجوهري : تواعد القوم أي: وعد بعضهم بعضا، هذا في الخير، وأما في الشر فيقال: اتعدوا، والاتعاد أيضا: قبول الوعد، وناس يقولون: ائتعد يأتعد فهو مؤتعد بالهمز. كذا في "الصحاح"، وقال ابن بري: الصواب ترك الهمزة. وكذا ذكره سيبويه وأصحابه وجميع النحويين.

والخيانة: أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده.

والغدر: ترك الوفاء. قال الجوهري : غدر به فهو غادر وغدر أيضا، وأكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم. وقال صاحب "المجمل": [ ص: 55 ] الغدر: نقض العهد وتركه.

قلت: وفتح الدال من غدر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر.

ومعنى: (فجر): مال عن الحق وقال الباطل والزور، وأصله: الميل عن القصد، والخصلة: الخلة. كما جاء في مسلم -بفتح الخاء فيها- وأما الخلة -بضم الخاء- فهي: الصداقة.

الوجه الخامس: في فقهه:

حصل من مجموع الروايتين أن خصال المنافق خمس: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة; لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهده، ولا منافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد يكون له علامات كل واحدة منها تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا وقد تكون أشياء.

وروى أبو أمامة موقوفا: وإذا غنم غل وإذا أمر عصى، وإذا لقي جبن.

ثم هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار; قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف -عليه السلام- هذه الخصال (...) لبعضهم بعضها أو كلها وانفصلوا عنه بأوجه: [ ص: 56 ] أظهرها: أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن [النفاق] إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره ويبطن الكفر، فهذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كان منافقا خالصا" معناه: شديد الشبه بالمنافقين; بسبب هذه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفا: ثلاث إذا كن في عبد فلا تتحرج أن تشهد عليه أنه منافق ...، ومن كان إذا حدث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن.

قال الخطابي: وقد روي: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق.

قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما [ ص: 57 ] من ندر ذلك منه فليس داخلا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل. وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة.

الوجه الثاني: أن المراد: المنافقون الذين كانوا في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه.

وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعا: "ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله علي: إذا جاءك المنافقون [المنافقون: 1] الآية أفأنتم كذلك؟ "قلنا: لا. قال: "فلا عليكم، أنتم من ذلك براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ومنهم من عاهد [التوبة: 75] الآيات الثلاث، أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا. قال: "لا عليكم أنتم براء، وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزله الله علي إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب: 72] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا. قال: "لا عليكم أنتم من ذلك براء".

قال القاضي: وإلى هذا القول مال كثير من أئمتنا.

[ ص: 58 ] الوجه الثالث: أنه وارد في منافق بعينه، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة.

وقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد.

رابعها: إنه محمول على من غلبت هذه الخصال عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذه الخصال; خوفا من إفضائها إلى النفاق.

قال الخطابي: وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل.

وسئل مالك رحمه الله عمن جرب عليه كذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله إذا حدث عن غضاضة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو عما رآه في سفره، فهذا لا يضره، إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدا للكذب.

قال الخطابي وقد جاء في حديث: "التاجر فاجر" و"أكثر منافقي أمتي قراؤها"، ومعناه: التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور [ ص: 59 ] فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين.

فرع:

يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابا مؤكدا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم; لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض، قال الغزالي في "الإحياء": وإخلاف الوعد إنما يكون كذبا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازما عليه ثم بدله فليس بكذب.

[ ص: 60 ] فرع:

يستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب.

فرع:

يستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزا ولا يترتب على تركه مفسدة.

فائدة:

عن وهب الذماري: صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل.

وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله.

التالي السابق


الخدمات العلمية