التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4746 5033 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال : " تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها " . [مسلم : 791 - فتح: 9 \ 79 ]


ذكر فيه أحاديث :

أحدها :

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال : "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة ، إن عاهد عليها أمسكها ، وإن أطلقها ذهبت " .

وأخرجه مسلم أيضا .

[ ص: 136 ] ثانيها :

حديث محمد بن عرعرة ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بئس ما لأحدهم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل نسي ، واستذكروا القرآن ، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم " .

ثم ساق من حديث جرير ، عن منصور ، مثله . تابعه بشر ، عن ابن المبارك ، عن شعبة . وتابعه ابن جريج ، عن عبدة ، عن شقيق قال : سمعت عبد الله : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - . وأخرجه مسلم أيضا والنسائي والترمذي .

ثالثها :

حديث أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى رضي الله عنه -وهو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال : "تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها " .

الشرح :

المتابعة الأولى أخرجها الإسماعيلي بنحوها عن الفربري ، ثنا مزاحم بن سعيد ، ثنا عبد الله بن المبارك ، ثنا شعبة .

والمتابعة الثانية أخرجها النسائي في "اليوم والليلة " بنحوها عن عبد الوارث بن عبد الصمد ، عن أبي معمر ، عن محمد بن جحادة ، عن عبدة ، به .

[ ص: 137 ] فصل :

إنما شبه - عليه السلام - صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها ، وأنه يتفصى من صدور الرجال ; لقوله تعالى : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [المزمل : 5 ] فوصفه بالثقل ، ولولا ما أعان عباده على حفظه ما حفظوه . قال تعالى : إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة : 17 ] وقال : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر : 17 ] فبتيسير الله تعالى وعونه لهم عليه بقي في صدورهم .

وهذان الحديثان يفسران آيات التنزيل ، فكأنه قال : إن علينا جمعه وقرآنه ، ولقد يسرنا القرآن للذكر ، إذا تعوهد وقرئ أبدا وتذكر .

فصل :

وقوله : ("أشد تفصيا" ) أي : تفلتا وذهابا ، وهو بالفاء والصاد المهملة . قال صاحب "العين " : فصى اللحم من العظم : إذا انفسخ ، والإنسان تفصى من الشيء إذا تخلص منه والاسم التفصية ، والإبل والبقر والغنم لا واحد له من لفظه ، والمعنى أنه شبه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي انفلتت من عقلها .

فصل :

قوله : ("آية كيت وكيت" ) وهو مثل إلا أنه لا يقال للمؤنث ، قاله الداودي ، وهي كلمة يعبر بها عن الجمل الكثيرة . قال : كيت نقلت كناية عن الأفعال ، وذيت وذيت إخبار عن الأسماء ، وزعم أبو السعادات أن أصلها كية بالتشديد ، والياء فيها بدل من إحدى التاءين ، والهاء التي في الأصل محذوفة ، وقد تضم التاء وتكسر .

[ ص: 138 ] وقوله : ("بل هو نسي" ) يعني أنه عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده له ، والقيام بحقه ، وقيل : إنه خاص بزمانه - عليه السلام - والقرآن ينسخ ويرفع فيذهب رسمه وتلاوته ويشتد حفظه عن حملته فيقول القائل منهم : نسيت آية كيت وكيت ، فنهاهم عن هذا القول ; لئلا يتوهموا على محكم القرآن الضياع ، فأعلمهم أن الذي يكون من ذلك إنما هو بإذن الله ; ولما فيه من الحكمة والمصلحة في نسخه ومحوه من قلبه ، وأما قول المرء : نسيت كذا . فجائز ; قال فتى موسى - عليه السلام - : فإني نسيت الحوت [الكهف : 63 ] .

وقال القرطبي : اختلف العلماء في متعلق هذا (الذنب ) فقال بعضهم : هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان إذ لا صنع له فيه ، فالذي ينبغي له أن يقول أنسيت مبنيا لما لم يسم فاعله ، وهذا ليس بشيء ; لأنه - عليه السلام - قد نسب النسيان إلى نفسه ; ففي البخاري -كما سيأتي - عن عائشة رضي الله عنها سمع - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقرأ فقال : "يرحمه الله لقد أذكرني بكذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا " وفي لفظ : "أنسيتها " . وفي آخر : زاد عباد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت عباد بن بشر يصلي في المسجد . الحديث .

وقد نسبه الله تعالى له في قوله سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله [الأعلى : 6 - 7 ] أن ينسيكه كما قرأت الجماعة ما ننسخ من آية أو

[ ص: 139 ] ننسها
[البقرة : 106 ] بضم النون وترك الهمزة أي : ننسكها ، (فلا ) كان هذا كأنه نهى عن ذلك القول ; لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن أنه قد ضاع لكثرة الناس ، وفيه بعد . فمن أضاف النسيان إلى الله فإنه خالقه وخالق الأفعال كلها ومن نسبه إلى نفسه فلأنه فعله يضاف من جهة الاكتساب والتصرف ، ومن نسب ذلك إلى الشيطان كما قال يوشع وما أنسانيه إلا الشيطان [الكهف : 63 ] فلما جعل الله له من الوسوسة فلكل إضافة منها وجه صحيح . وقيل : إنما يكون نسيان القرآن لترك تعهده والغفلة عنه كما أن حفظه إنما يكون بتكراره والصلاة به ، كما في حديث ابن عمر : "لو أقام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره ، وإن لم يقم به نسيه " .

فماذا قال الإنسان : نسيت آية كيت وكيت ، فقد شهد على نفسه بالتفريط ، وترك معاهدته ، وهو ذنب عظيم كما في حديث أنس من عند الترمذي مرفوعا : "عرضت علي أعمال أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها " ، وهو نص ، وعلى

[ ص: 140 ] هذا فتعلق الذم ترك ما أمر به من استذكار القرآن وتعاهده ، والنسيان ترك ذلك فتعلق الذم عليه ، ولا يقال : حفظ جميع القرآن ليس واجبا على الأعيان ، فكيف يذم من تغافل عن حفظه ; لأنا نقول من جمعه فقد علت رتبته وشرف في نفسه ، وكيف لا ، ومن حفظه فقد أدرجت النبوة بين جنبيه كما سلف ، وصار ممن يقال فيه هو من أهل الله وخاصته فإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية ومؤاخذته ما لا يؤاخذ به غيره ، وترك معاهدة القرآن تؤدي إلى الرجوع إلى الجهالة . ويدل على صحة ذلك قوله في آخر الحديث : "بل نسي " وهذه اللفظة رويناها مشددة مبنية لما لم يسم فاعله .

قال القرطبي : وقد سمعتها من بعض من لقيته بالتخفيف وبه ضبط عن أبي بحر والتشديد لغيره ، ولكل وجه صحيح ، بالتشديد معناه أنه عوقب بتكثير النسيان عليه لما تمادى في التفريط ، والتخفيف معناه تركه غير ملتفت إليه ولا معتن به ، كما قال تعالى : نسوا الله فنسيهم [التوبة : 67 ] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية