التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4793 [ ص: 216 ] 11 - باب: تزويج الصغار من الكبار

5081 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن يزيد ، عن عراك ، عن عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب عائشة إلى أبي بكر ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك ، فقال : " أنت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال " . [فتح: 9 \ 123 ] .


ذكر فيه حديث عروة بن الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب عائشة إلى أبي بكر ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك ، فقال : "أنت أخي في دين الله وكتابه ، وهي لي حلال " .

هذا الحديث من أفراده ، وهو مرسل كما ترى ، وقد نبه على ذلك الحميدي والدارقطني وأبو نعيم الأصبهاني وأبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي ، وأما أبو العباس الطرقي فأخرجه في كتابه مسندا عنه ، عن عائشة رضي الله عنها .

واعترض الإسماعيلي فقال : ليس في تعيين الرواية ما ترجم عليه ، فأما صغر عائشة فمعلوم من غير هذا . وفي "الطبقات " من حديث : لما خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، قد كنت وعدت بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فدعني حتى أسلها منهم ، ففعل .

وفي لفظ : فطلقها جبير بن مطعم .

وقام الإجماع على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن

[ ص: 217 ] في المهد
، كما حكاه ابن بطال ، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال ، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن ، وكانت عائشة رضي الله عنها حين تزوج بها - عليه السلام - بنت ست سنين ، وبنى بها بنت تسع سنين كما ذكره البخاري بعد هذا في إنكاح الرجل ولده الصغير .

قال ابن المنذر : وفي هذا الحديث دليل على أن نهيه - عليه السلام - عن إنكاح البكر حتى تستأذن ، أنها البالغ التي لها إذن ، إذ قد أجازت السنة أن يعقد الأب النكاح على الصغيرة التي لا إذن لها .

واختلف العلماء في تزويج الأولياء غير الآباء اليتيمة الصغيرة ، فقال ابن أبي ليلى ومالك والليث والثوري والشافعي وابن الماجشون وأحمد وأبو ثور : ليس لغير الآباء تزويج اليتيمة الصغيرة ، فإن فعل فالنكاح باطل .

وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال : يزوج الوصي الصغيرة دون الأولياء إذا كان وصي الأب ، والجد عند الشافعي عند عدم الأب كالأب .

[ ص: 218 ] وقالت طائفة : إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء فلها الخيار إذا بلغت .

روي هذا عن عطاء والحسن وطاوس ، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد ، إلا أنهما جعلا الجد كالأب لا خيار في تزويجه .

وقال أبو يوسف : لا خيار لها في جميع الأولياء .

وقال أحمد : لا أرى للوصي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين ، فإذا بلغت ورضيت فلا خيار لها .

وحجة من جعل لها الخيار إذا بلغت أنه - عليه السلام - لما أمر باستئمار اليتيمة - ولا تستأمر إلا من لها ميزة ومعرفة ، كان لها الخيار والاستئمار إذا بلغت .

وحجة الأول قوله : "تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا يصلح استئمارها إلا ببلوغها ، ولا يجوز أن يكون العقد موقوفا على استئمارها بدليل امتناع الجميع من دخول النكاح في النكاح ووقوفها إلى مدة الخيار .

وفرق مالك بين اليتيمة واليتيم ، وأجاز للوصي تزويج اليتيم قبل البلوغ من قبل أن اليتيم لما كان قادرا على رفع العذر الذي يرفعه الولي إن كرهه بعد بلوغه جاز ; لقدرته على الخروج منه ، وليس كذلك ; لأنها لا تقدر إذا بلغت على رفع العقد ; لأن الطلاق ليس بيد

[ ص: 219 ] النساء : ، فافترقا بهذه العلة ، ولأن السنة وردت في منع العقد على اليتيمة حتى تستأمر ، ولا يصح استئمارها إلا بعد البلوغ ، هذا قول مالك .

فصل :

قال المهلب : وفي حديث عائشة من الفقه جواز خطبة الرجل لنفسه إلى ولي المخطوبة إذا علم أنه لا يرده ; لتأكد ما بينهما ، ويحتمل قول أبي بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إنما أنا أخوك ) أن يعتقد أنه لا يحل له أن يتزوج ابنته للمؤاخاة والخلة التي كانت بينهما ، فأعلمه أن أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة ، فقال : إنها لي حلال بوحي من الله ، كما قال إبراهيم للذي أراد أن يأخذ منه زوجته : هي أختي -يعني في الإيمان - لأنه لم يكن أحد مؤمن يومئذ غيرهما .

قلت : ويجوز أن يكون خطبها بواسطة ، يؤيده رواية ابن أبي عاصم من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عائشة رضي الله عنها أنه - عليه السلام - أرسل خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون تخطبها عليه ، فقال لها أبو بكر : وهل تصلح ؟ إنما هي ابنة أخيه ، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : "ارجعي فقولي له : أنت أخي في الإسلام ، وابنتك تصلح لي " فأتت أبا بكر فذكرت فقال : ادع لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء فأنكحه .

التالي السابق


الخدمات العلمية