التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
4827 5119 - وقال ابن أبي ذئب ، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا " . فما أدري أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامة . قال أبو عبد الله : وبينه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه منسوخ . [فتح: 9 \ 167 ] .


ساق فيه أحاديث

أحدها :

حديث الحسن بن محمد بن علي وأخيه عبد الله بن محمد عن أبيهما ، أن عليا قال لابن عباس - رضي الله عنه - : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر .

هذا الحديث سلف في غزوة خيبر عنهما ، عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

[ ص: 352 ] نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية
، وأسلفنا طرفا من الكلام عليها ، وأخرجه أيضا في الذبائح وترك الحيل ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

ثانيها :

حديث أبي جمرة -بالجيم - نصر بن عمران الضبعي البصري ، مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء ، فرخص فيها ، فقال له مولى له : إنما ذلك في الحال الشديدة وفي النساء : قلة أو نحوه . قال ابن عباس : نعم .

هذا الحديث من أفراده ، وعند الإسماعيلي : إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل . فقال عبد الله : صدق . وللترمذي من حديث موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس : إنما كانت المتعة في أول الإسلام ، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة ، فيزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم ، فتحفظ له متاعه ، وتصلح له (شيئه ) حتى إذا نزلت الآية : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون : 6 ] .

[ ص: 353 ] قال ابن عباس : فكل فرج سواهما فهو حرام ، قال أبو عيسى : إنما (رويت ) : الرخصة عن ابن عباس ثم رجع عن قوله ، حيث أخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال الحازمي : هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة .

وأما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار ، ثم توقف عنه ، فيوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي وإنكاره عليه .

وقد روينا أن ابن جبير قال له : هل تدري ما صنعت وبما أفتيت ؟ فقد سارت بفتياك الركبان ، وقالت فيه الشعراء قال : وما قالوا ؟ قلت : قالوا :


قد قلت للشيخ لما طال مجلسه . . . يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

    هل لك في رخصة الأطراف آنسة
. . . تكون مثواك حتى يصدر الناس



فقال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله ما بهذا أفتيت ، ولا هذا أردت ، ولا حللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطرين ، وما هي إلا كالميتة وشبهه .

قال الخطابي ، فهذا يبين لك أنه سلك فيه مذهب القياس ، وشبهه بالمضطر إلى الطعام الذي به قوام النفس وبعدمه يكون التلف ، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ، ومصابرتها ممكنة ، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج ، فليس أحدهما في حكم الضرورة .

[ ص: 354 ] وقد بين سهل بن سعد الساعدي ذلك بقوله فيما ذكره ابن عبد البر : إنما رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعزيمة كانت بالناس شديدة ، ثم نهى عنها بعد ذلك .

قال ابن جريج : أخبرني عطاء أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يراها حلالا حتى الآن . ويقرأ فيه : (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ) . وقال ابن عباس : في حرف أبي بن كعب (إلى أجل مسمى ) ، قال : وسمعت ابن عباس يقول : رحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله يرحم بها عباده ، ولولا نهي عمر ما احتاج إلى الزنا إلا شقي . قال أبو عمر : أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرونها حلالا ، على مذهبه ، وحرمها سائر الناس .

وروى الليث بن سعد ، عن بكير بن الأشج ، عن عمار ، مولى الشريد : سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح ؟ قال : لا سفاح ولا نكاح . قلت : فما هي ؟ قال : المتعة كما قال الله ، قلت : هل عليها (عدة ) ؟ قال : نعم ، حيضة . قلت : يتوارثون ؟ قال : لا .

[ ص: 355 ] الحديث الثالث :

حدثنا علي ، عن سفيان ، قال عمرو : عن الحسن بن محمد ، عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع - رضي الله عنهم - قالا : كنا في جيش ، فأتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : "إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا ، فاستمتعوا " .

زاد مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر -وفي بعض الروايات وعمر - حتى نهى عنها عمر . وفي رواية وذكر المتمتعين : فعلناهما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعد لهما .

قلت : سيأتي بعد عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - نهانا عنها في تبوك ، وللدارقطني في "أفراده " : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح الاستمتاع ثم قال : تفرد به يزيد بن سنان ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم .

الحديث الرابع :

قال البخاري : وقال ابن أبي ذئب : ثنا إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتزايدا تزايدا أو يتتاركا تتاركا " . فما أدري أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامة ؟

هذا التعليق أسنده الإسماعيلي ، عن ابن ناجية ، ثنا أبو موسى محمد بن المثنى لفظه ، وبندار وحميد بن زنجويه قالوا : ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن ابن أبي ذئب ، عن إياس بلفظ "أيما رجل

[ ص: 356 ] وامرأة أيام الحج تراضيا فعشرة ما بينهما ثلاثة أيام
" وفي رواية أبي العميس ، عن إياس : رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه .

قال البيهقي : زعم زاعم أنه نهي بضم النون وكسر الهاء ، يريد بالناهي عمر بن الخطاب ، قيل له : المحفوظ نهى بفتح النون والهاء .

ورأيته في كتاب بعضهم : نها بالألف على أنها إن كانت الرواية كما قال بضم النون ، فيحتمل أن يكون المراد : الشارع ، ويحتمل عمر .

ورواية الربيع بن سبرة ، عن أبيه من عند مسلم : تمتعت ثلاثا ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال : "من كان عنده شيء من هذه النساء : التي يتمتع بها ، فليخل سبيلها " وفي رواية : وذلك في فتح مكة أذن لنا في متعة النساء ، فلم يخرج حتى حرمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : "يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله -عز وجل - قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " فالحجة بأن الناهي في هذا إنما هو الشارع ، فيكون أولى من رواية من أبهمه .

قال البيهقي : وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع عليه في تاريخه ، وعند أحمد ، وذلك في حجة الوداع .

وذهب أبو داود إلى أنه أصح ما روي في هذا ، ورجحه ابن عبد البر وغيره ، وهو قوله : وذلك في حجة الوداع ، وخالف ذلك

[ ص: 357 ] البيهقي ، فقال : الفتح أكثر ، وذكر في كتاب "ما أغرب به شعبة عن سفيان بن سعيد " : أن الأجل كان بينهما عشرة أيام ، وعند ابن شاهين : قبل يوم التروية ، كان الإذن ، وفي يوم التروية كان المنع ، وفي لفظ في عشرة الإذن ، وفي لفظ : وذلك عمره .

ثم قال البخاري : (قال أبو عبد الله : وقد بينه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه منسوخ ) ، وهو كما قال ، وقد أسنده في "صحيحه " أولا ; لأن عليا رضي الله عنه قال لابن عباس : أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر . وللنسائي : وقال محمد بن مثنى : يوم (حنين ) ، وقال : هكذا حدثنا عبد الوهاب الثقفي من كتابه عن يحيى بن سعيد ، عن مالك .

وللبيهقي من حديث ابن لهيعة عن موسى بن أيوب ، عن إياس بن عامر ، عن علي : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المتعة قال : وإنما كانت فيمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت ، وهو معنى ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه " من حديث المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - لما خرج نزل

[ ص: 358 ] بثنية الوداع فرأى مصابيح وسمع نساء يبكين ، فقال : "ما هذا ؟ " قالوا نساء كانوا تمتع منهن أزواجهن . فقال - صلى الله عليه وسلم - : "هدم -أو قال : حرم المتعة - النكاح والطلاق والعدة والميراث "
.

وللبيهقي فيه : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فنزلنا بثنية الوداع ، قال : وكذلك رواه إسحاق بن إبراهيم وجماعة عن المؤمل ، عن عكرمة ، عن المقبري .

وللحازمي من حديث ابن عقيل ، عن جابر : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام ، فرأى - صلى الله عليه وسلم - نسوة يبكين في رحالنا فقال : "من هؤلاء ؟ " فقلنا : يا رسول الله ، نسوة تمتعنا منهن ، فغضب حتى احمرت وجنتاه واشتد غضبه ، ثم قام خطيبا ، فنهى عن المتعة (فتوادعنا ) يومئذ الرجال والنساء ولم نعد ، ولا نعود لها أبدا ; فبها يومئذ سميت بثنية الوداع .

وعند ابن عبد البر من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري -ولم يتابع عليه - عن عبد الله بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن علي : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك عن نكاح المتعة .

فصل :

ذكر الطحاوي عن علي وابن عمر - رضي الله عنهم - أن النهي عنها كان يوم خيبر .

[ ص: 359 ] ورواه مالك ومعمر ويونس ، عن ابن شهاب في هذا الحديث كذلك .

وقد رويت آثار أن نهيه عنها كان في غير يوم خيبر . وروى أبو (العميس ) ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن فيها عام أوطاس ثم نهى عنها ، وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري أنه حرمها في غزوة تبوك ، وقد سلف أيضا ، وقال عمرو ، عن الحسن : ما حلت قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ، ما حلت قبلها ولا بعدها . وحديث سبرة السالف كان عام الفتح ، وعنه أنه كان عام حجة الوداع .

[ ص: 360 ] قال الطحاوي : فكل هؤلاء الذين رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر ، وأن النهي عنها في ذلك السفر بعد ذلك فمنع منها ، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر .

وحديث ابن مسعود السالف في البخاري أنه كان في الغزو ، وحديث سبرة خارج عنه ، وحديث سلمة في غزوة أوطاس وهو وقت ضرورة (قال : وأخلق بحديث سبحة أن يكون خطأ لزوال الضرورة ) .

وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة فأما عبد العزيز بن الربيع بن سبرة فرواه عن أبيه ، وذكر أنه عام الفتح ، وقد رواه إسماعيل بن عياش ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، فذكر أن ذلك كان في الفتح ، وأنهم شكوا العزبة ، فرخص لهم فيها ، ومحال أن يسألوها في حجة الوداع ; لأنهم حجوا بالنساء ، فلما اختلفت المواطن المذكور فيها الإباحة في حديث سبرة نفي النهي المطلق فقط .

فالحاصل سبع روايات: خيبر ، حنين ، الفتح ، أوطاس ، تبوك ، عمرة القضاء ، حجة الوداع ، وهو هنا ، ولما أسلفنا عن الحسن ، والجمع متعين ، فيكون مرات ثم استقر النهي .

فصل :

روى البيهقي من حديث الحكم بن عتيبة عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنه قال : المتعة منسوخة ، نسخها الطلاق والعدة والصداق والميراث ، وفي "صحيح الإسماعيلي " : ففعلناها ، ثم ترك ذلك .

[ ص: 361 ] وفي لفظ : ثم جاء تحريمها بعد .

ولابن شاهين من حديث أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عنه : أحلت للصحابة ثلاثة أيام في غزاة شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العزوبة ، ثم نسختها آية النكاح .

وحديث ابن مسعود السالف في النكاح لم يذكر فيه إلا الإباحة ، وتلا قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [المائدة : 87 ] قال الشافعي فيما حكاه عنه الحاكم : ذكر ابن مسعود الإرخاص فيها . ولم يؤقت شيئا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها ؟ فأشبه حديث علي في النهي عنها أن يكون -والله أعلم - ناسخا له فلا يجوز بحال .

قال البيهقي : وروينا في حديث ابن مسعود أنه قال : كنا ونحن شباب . فأخبر أنهم كانوا يفعلون ذلك وهم شباب ; لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين ، وله بضع وستون سنة ، وكان فتح خيبر سنة سبع ، وفتح مكة سنة ثمان ، فكان سنة عام الفتح يقرب من أربعين سنة ، والشباب قبل ذلك ، فأشبه حديث علي أن يكون ناسخا له . وهو كما قال البيهقي ، فمن تأمله وجد كلامه في غاية المتانة .

وذكر أبو عبد الرحمن العتقي في "تاريخه " أن مولد ابن مسعود سنة ثلاث وعشرين من مولد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فحضوره كان

[ ص: 362 ] أيضا فوق الثلاثين ، وقد ذكر نسخها كما سلف .

وقد رواه أيضا عنه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عنه فوافق عليا في النسخ .

والظاهر أن حديثه : "يا معشر الشباب " السالف ، بعد ذلك ، وقد سلفت روايته في البخاري : قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، ولا ينافيه رواية الفريابي في "كتاب النكاح " خرج على فتية عزاب فقال : "يا معشر الشباب " .

فصل :

روى النهي أيضا جماعات منهم : عمر بن الخطاب ، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح : أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لنا في المتعة ثلاثة أيام ، ثم حرمها ، والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا رجمته ، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أنه - عليه السلام - أحلها بعد إذ حرمها .

وعند ابن الطلاع قال أبو عبيد في حديثه : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ما أحسب رجلا منكم يخلو بامرأة ثلاثا إلا ولاها الدبر " .

[ ص: 363 ] والدارقطني : عن ابن عباس أن عمر نهى عن المتعة التي للنساء وقال : إنما أحل الله ذلك للناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والنساء يومئذ قليل ، ثم حرمها عليهم بعد .

وفي "المصنف " قال ابن المسيب : يرحم الله عمر ، لولا أنه نهى عنها صار الزنا جهارا .

وله أن ابن عمر نهى عنها فقال : حرام . قيل له : إن ابن عباس يفتي بها . قال : فهلا تزمزم بها أيام عمر .

زاد البيهقي : والله لقد علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين .

ومنهم أبو هريرة - رضي الله عنه - ، أخرجه ابن شاهين بإسناد جيد عنه : تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة من النساء ، ثم قال لنا : "إن جبريل أتاني وأخبرني أن الله قد حرمها " . وله من حديث ابن خالد الجهني وكعب بن مالك وأنس .

وفي البيهقي عن أبي ذر : إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعة النساء : ثلاثة أيام ، ثم نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وفي مسلم : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة : متعة النساء ، ومتعة الحج .

[ ص: 364 ] فصل :

لما حرمها - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع تأبد النهي ، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة . قال الحازمي الأستاذ : ذهب إليه بعض الشيعة . وروي عن ابن جريج أيضا جوازه .

قلت : قد ذكروا عنه رجوعه ، قال أبو طالب : قال أبو عبد الله أحمد : قال ابن جريج بالبصرة : اشهدوا أني قد رجحت عن المتعة بعد بضعة عشر حديثا أرويه فيها .

وأما ابن حزم توسع قال : إن جماعة من السلف ثبتت على تحليلها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، منهم من الصحابة : أسماء بنت الصديق ، وجابر بن عبد الله ، وابن عباس ، وابن مسعود ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن حريث ، وأبو سعيد الخدري ، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف ، ورواه جابر عن (جميع ) الصحابة مدة رسول الله ، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافته .

واختلف في إباحتها عن ابن الزبير (وعن علي فيها توقف وعن عمر ) أنه إنما أنكرها إذ لم يشهد عليها عدلان ، وأباحها بشهادة عدلين ، ومن التابعين : طاوس وعطاء وسعيد ، وسائر فقهاء مكة . قلت : ولهذا -والله أعلم - قال الأوزاعي فيما ذكره الحاكم في "علومه " : يترك من قول أهل الحجاز خمس منها : المتعة بالنساء .

[ ص: 365 ] وقال ابن عبد البر في "جامع العلم " : أطلق ابن شهاب على أهل مكة زمانه أنهم ينقضون عرى الإسلام ، ما استثنى منهم أحدا . وأظن ذلك ، لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء .

ونقل ابن بطال عن بعضهم : روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس تحليلها ، وروي عنه أنه رجع عنها بأسانيد ضعيفة ، وإجازة المتعة عنه أصح ، وهو مذهب الشيعة ، لكن الذي اتفق عليه أهل الأمصار من أهل الرأي والأثر تحريمها .

قال ابن عبد البر : اتفق أئمة الأمصار مالك وأصحابه ، وسفيان ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، ومن سلك سبيلهما من أهل الحديث والفقه والنظر ، والليث بن سعد في أهل مصر والمغرب ، والأوزاعي في أهل الشام ، وأحمد وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود ، ومحمد بن جرير على تحريمها لصحة النهي عندهم (عنها ) .

واختلفوا في معنى منها ، وهو : الرجل يتزوج المرأة عشرة أيام أو شهرا أو أياما معلومة وأجلا معلوما ، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي : هذا نكاح المتعة ، وهو باطل ، يفسخ قبل الدخول وبعد ، وقال زفر : إن تزوجها عشرة أيام ونحوها أو شهرا ، فالنكاح ثابت ، والشرط باطل ، وهو شاذ .

وقالوا كلهم إلا الأوزاعي : إذا نكح المرأة نكاحا صحيحا ، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرا أو مدة معلومة ، فإنه لا بأس به ولا تضر في ذلك نيته إذا لم يشترط ذلك في نكاحه .

[ ص: 366 ] قال مالك : فليس على الرجل إذا نكح (أن ينوي إذا لم توافقه امرأته أن يطلقها ) .

وقال الأوزاعي : ولو تزوجها بغير شرط ، ولكنه نوى ألا يحبسها إلا شهرا أو نحوه ويطلقها ، فهي متعة ، ولا خير فيه .

قال أبو عمر : في حديث ابن مسعود بيان أن المتعة نكاح إلى (أجل ) ، وهذا يقتضي الشرط الظاهر فإذا سلم العقد منه صح .

قال : وقد روي عن ابن عباس أنه انصرف عن المتعة ، والصرف أنه قال : نسخ المتعة يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق : 1 ] .

وروي عنه أنه قال : الاستمتاع هو النكاح ، وهي كلها آثار ضعيفة ، لم ينقلها أحد يحتج به ، والآثار عنه بإجازة المتعة أصح ، ولكن العلماء خالفوه فيها قديما وحديثا ، حتى قال ابن الزبير : لو تمتع ابن عباس لرجمته . وقد ذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يحد فاعله ، فيحمل قول هذين على التغليظ . قال مالك عند ابن حبيب : ولا يبلغ به الحد كنكاح السر . وقال ابن نافع : يحد بخلاف السر .

قال أبو عمر : ولم يختلف العلماء أن المتعة نكاح إلى أجل ، لا ميراث فيه ، والفرقة تقع إلى انقضاء الأجل من غير طلاق ، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من المسلمين ، وقد حرم الله الفروج

[ ص: 367 ] إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين ، وقد نزعت عائشة والقاسم بن محمد وغيرهما في تحريمها ونسخها بقوله : والذين هم لفروجهم حافظون الآية [المؤمنون : 5 ] . ونقله الترمذي أيضا عن ابن عباس ، وقد روي عن علي وابن عباس في قوله تعالى : فما استمتعتم به منهن قالا : فنسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة .

وما ذكره الشيعة خالفوا فيه قواعدهم إذ عمدتهم الرجوع إلى قول علي وأولاده ، وقد أسلفنا عن علي نسخه ، وأنكر على ابن عباس اعتقاد أنها غير منسوخة ، وكذا روي عن جعفر بن محمد الصادق .

روى البيهقي من حديث بسام الصيرفي قال : سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفها له فقال : في ذلك الزنا .

قال الخطابي : وتحريمها كالإجماع بين المسلمين .

وقال ابن التين : ثبت عن ابن عباس رجوعه عنها .

تذنيب :

قد أسلفنا قول ابن عمر وغيره فيها ، وقال هو وابن الزبير : هي السفاح . وكذا قال عروة : هو الزنا صراح ، وقيل : ليس بزنا ، وما أحل الشارع الزنا بحال .

[ ص: 368 ] وقال نافع عنه : متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحج . فهذا عمر - رضي الله عنه - نهى عنها بحضرة الصحابة ، فلم ينكر ذلك عليه منكر ، وفيه دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه ، وهو دال على النسخ .

وابن عباس يقول : إنما أبيحت والنساء قليل ، فلما كثرت ارتفع المعنى الذي من أجله أبيحت .

وحكمة تكرار النهي حتى في حجة الوداع أن من عادته تكرير مثل هذا في مغازيه ، وفي المواضع الجامعة ومن جملتها حجة الوداع لينقل لمن لم يسمع ، فأكده حتى لا يبقي شبهة لأحد يدعي تحليلها ; ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا ، وحديث سبرة دال على إبطال قول زفر ، وأن العقد لا يوجب دوامه ، ولو أوجب الدوام لكان بفسخ الشرط الذي تعاقدا عليه ، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت على صحته وجوازه قبل النهي ، ففي أمره بالمفارقة دليل على أن مثل هذا العقد لا يجب به ملك بضع .

التالي السابق


الخدمات العلمية