التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
36 [ ص: 63 ] 26 - باب: الجهاد من الإيمان

36 - حدثنا حرمي بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا عمارة قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " انتدب الله لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل". [2787، 2797، 2972، 3123، 7226، 7227، 7457، 7463 - مسلم: 1876 - فتح: 1 \ 92]


نا حرمي بن حفص نا عبد الواحد نا عمارة نا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال: سمعت أبا هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "انتدب الله -عز وجل- لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي أو تصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل".

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

أخرج البخاري في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعا: "مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة".

[ ص: 64 ] وأخرجه مسلم في الجهاد عن زهير، عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب، عن ابن فضيل عن عمارة به.

وفي لفظ مسلم : "يضمن الله" وفي بعضها: "يكفل الله".

الوجه الثاني:

ترجم البخاري لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان; أنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله كان الخروج إيمانا، تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر: سماء لنزوله منها وللنبات: نوء، لأنه ينشأ عنه.

الوجه الثالث: في التعريف برواته:

أما أبو هريرة فسلف، وأما أبو زرعة فاختلف في اسمه على أقوال أشهرها: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين بالاتفاق.

وأما عمارة فهو -بضم العين- ابن القعقاع -بقافين- بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة، عنه الأعمش وغيره، وروى عن جماعة.

وأما عبد الواحد فهو: أبو بسر، ويقال: أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري; سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه: أبو داود الطيالسي وغيره، وثقوه، مات سنة سبع وقيل: ست [ ص: 65 ] وسبعين ومائة.

وأما حرمي فهو: أبو علي، حرمي -بفتح الحاء والراء- بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري.

روى عن: حماد بن سلمة وغيره، وعنه: المقدمي وغيره، وانفرد به البخاري عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأطلق النووي في "شرحه" أنهما رويا عنه كما أطلقنا أيضا قريبا، مات سنة ثلاث وقيل: ست وعشرين ومائتين.

فائدة:

القسملي -بفتح القاف والميم وسكون السين منها- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قال السمعاني: إنها نسبة إلى القساملة; واعترض ابن الأثير في "مختصره" فقال: ليس كذلك; فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو: قسملة واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهر بن غنم بن دوس بن عدنان، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي أن القسملي -بكسر القاف والميم- وكأنه سبق قلم، وصوابه: فتحهما.

[ ص: 66 ] الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه:

وقد أوضحته في "شرح العمدة" أكمل إيضاح، ونذكر هنا نبذة منه:

الأولى: معنى: ("انتدب الله"): ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل: أجاب رغبته يقال: ندبه لأمر فانتدب. أي: دعاه فأجاب، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم أن ينجز له ذلك لمن أخلص، وقيل: معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه. حكاه القاضي.

وما ذكرنا أن انتدب -بالنون- هو المشهور في رواية بلادنا، وحكاه القاضي عن رواية أبي داود، وحكي عن القابسي ائتدب بهمزة صورتها باء من المأدبة ; يقال: دبه القوم -مخففا- إذا دعاهم ومنه: "القرآن مأدبة الله في أرضه" ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذلك عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

[ ص: 67 ] وهذا الضمان لعله المشار إليه في قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين [التوبة: 111] الآية، قال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قتلت، ثم تلا هذه الآية.

الثانية: قوله: ("لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي") وهو بالرفع فيهما; لأنه فاعل يخرجه والاستثناء مفرغ، وهو في مسلم بالنصب في جميع نسخه ووجهه على أنه مفعول له، التقدير: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الإيمان والتصديق، ومعناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.

الثالثة: معنى قوله: ("إيمان بي") أي: إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده وتصديق رسولي في ذلك.

الرابع: عدوله عن ضمير الغيبة في قوله: إيمان به وتصديق برسوله إلى الحضور يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم [آل عمران: 106] أي: يقال لهم: أكفرتم؟ ونظائره.

الخامس: ("أرجعه") -بفتح الهمزة- أي أرده ثلاثي، وهذيل تقول: أرجع رباعيا، والنيل: العطاء.

السادس: (أو) في قوله "أو غنيمة" للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون المعنى: أنه يرجع مع نيل الأجر إن لم يغنموا ومعه إن غنموا، ويحتمل أن يكون (أو) هنا بمعنى الواو مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في مسلم في رواية يحيى بن يحيى، و"سنن أبي [ ص: 68 ] داود".

وقد قيل في قوله تعالى: من بعد وصية يوصي بها أو دين [النساء: 11] معناه: ودين، وقيل: من وصية ودين أو دين دون وصية.

السابع: قوله: ("أو أدخله الجنة") يحتمل دخولها إثر موته كما قال في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -: "أرواح الشهداء في الجنة".

ويحتمل أن يكون المراد: دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح: "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين".

الثامن: قوله: ("ولولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية").

سبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينا في حديث آخر.

الوجه الخامس: في فوائده:

الأولى: فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله تعالى.

الثانية: الحث على حسن النية.

[ ص: 69 ] الثالثة: بيان] شفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته ورأفته بهم.

الرابعة: استحباب طلب القتل في سبيل الله.

الخامسة: جواز قول الإنسان: وددت كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل، وهو أحد التأويلات في قوله: "نية المؤمن خير من عمله".

السادسة: البداءة بأهم المصلحتين عند التعارض وترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها.

السابعة: تمني الشهادة وتعظيم أجرها.

الثامنة: عدم نقصان الأجر بالغنيمة; فإنها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة.

فإن قلت: فما نعمل في الحديث الآخر الثابت في الصحيح: "ما من غازية أو سرية تغزو وتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم" والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئا.

قلت: عنه أجوبة:

أحدها: الطعن في هذا فإن في إسناده حميد بن هانئ وليس [ ص: 70 ] بالمشهور لكن أخرج له مسلم في "صحيحه" وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن يونس في "تاريخه"، وقال يحيى بن سعيد: حدث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة.

ثانيها: إن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم وتضاعف لها كما تضاعف لمن أصيب بأهله وماله.

ثالثها: حمل الأول على من أخلص النية لقوله: "لا يخرجه إلا إيمان بي"، وحمل الثاني على من خرج نيته الجهاد والمغنم.

قال القاضي: والأوجه استعمال كل حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم.

وقال النووي : الصواب أنه لا تعارض بينهما فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم.

وإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، ومنها قولهم: فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي: يجتنيها فهذا هو الصواب.

[ ص: 71 ] ولم يأت حديث صريح يخالف هذا، وقد اختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالا فاسدة فلا تعارض إذا; لأن الحديث الأول لم يقل فيه: إن الغنيمة تنقص الأجر فهو مطلق، والثاني مقيد.

وأما الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورا لهم مرضيا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل. ثم ضعف بقية الأقوال التي حكاها القاضي; لمعارضتها لصريح الحديث.

التالي السابق


الخدمات العلمية