التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
5082 5397 - حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". [انظر: 5396 - مسلم: 2062 ، 2063 - فتح:9 \ 536].


[ ص: 136 ] ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث واقد بن محمد، عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا، فقال: يا نافع، لا تدخل هذا علي، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". وواقد هذا هو ابن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، وأخرجه مسلم أيضا .

ثانيها:

عنه أيضا: قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المؤمن يأكل في معى واحد، وإن الكافر -أو المنافق، فلا أدري أيهما قال عبيد الله يعني الراوي عن نافع- يأكل في سبعة أمعاء". وأخرجه مسلم أيضا .

ثالثها:

قال: وقال ابن بكير: ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ويأتي

رابعها:

حديث سفيان عن عمر -وهو ابن دينار- قال: كان أبو نهيك رجلا أكولا، فقال له ابن عمر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء". فقال: فأنا أومن بالله ورسوله. وهذه الأربعة كلها راجعة إلى ابن عمر.

[ ص: 137 ] خامسها:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن المؤمن .. " الحديث. وأخرجه النسائي وابن ماجه ، وأبو حازم : سليمان مولى عزة.

وعدي: هو ابن أبان بن ثابت، أخو يزيد، شهدا أحدا، ابنا قيس بن الخطيم، واسمه ثابت بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر، وقيل عدي أخو الخطيم، ابنا عمرو، وأعمامه عمرو ومحمد ويزيد، أولاد ثابت بن قيس بن الخطيم، قتلوا يوم الحرة، وقيل: أخوهم أبان والد عدي بأرض الروم مع سلمة سنة مسيلمة الأولى، قتل قيس والخطيم وعدي في الجاهلية، وقتل يزيد بن قيس يوم جسر أبي عبيد. وقد روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده ثابت ولا ينسب إلا إليه، ومن ولده محمود بن محمد بن محمود بن عدي بن أبان بن ثابت.

روى عنه ابن أبي الدنيا مات عدي سنة خمس عشرة ومائة ، وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة، وقاضيهم بالكوفة، وقد اتفقا على الاحتجاج به.

[ ص: 138 ] والتعليق عن ابن بكير قال الإسماعيلي: ذكره البخاري بلا خبر، ثم ساقه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، أخبرني مالك وغير واحد أن نافعا حدثهم فذكره. وساقه أبو نعيم من حديث يحيى بن بكير، ثنا مالك فذكره.

ولهذا الحديث طرق: أخرجه مسلم من حديث أبي موسى وجابر بن عبد الله ، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث الأعمش قال: أظن أبا خالد الوالبي ذكره عن ميمونة مرفوعا. ومن حديث جهجاه الغفاري مرفوعا .

وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب "الأطعمة" من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي بصرة الغفاري، وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث محمد بن معن بن محمد بن نضلة بن عمرو الغفاري، عن أبيه معن، عن أبيه نضلة مرفوعا به . وأخرجه أبو حاتم من حديث أبي الزبير عن جابر عن عمر مرفوعا .

[ ص: 139 ] إذا تقرر ذلك: فاختلف في الرجل المقول فيه هذا من هو، على أقوال:

أحدها: نضلة هذا، وأخرجه الكجي في "سننه" كذلك. ثانيها: بصرة بن أبي بصرة. ثالثها: ثمامة بن أثال. رابعها: جهجاه الغفاري.

وهذان حكاهما ابن بطال قال أبو عمر: شرب حلاب سبع شياه، فلما أسلم لم يستتم حلاب شاة واحدة .

وقال أبو عبيد وغيره: هذا خاص في رجل واحد قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنا قد نجد مسلما أكثر أكلا من الكافر .

وقيل: إنه تمثيل، فأراد - عليه السلام -: أن الكافر إنما همته وسعياته في ذلك ما يدخل جوفه، والمؤمن وهب الله له القناعة، وأكثر همه دينه، وهو متوكل على ربه في رزقه.

وقيل: أراد أن المؤمن يسمي فيكون فيه البركة، فيكفيه ما لا يكفي الكافر، فإن قلت: من المؤمنين من هو أكثر أكلا من الكافر قيل: لو كان المؤمن الأكول كافرا كان أكثر لأكله، ولو كان الكافر القليل الأكل مؤمنا لنقص أكله بعد إيمانه.

وقال الداودي: إنه على التمثيل أو التقليل أو التكثير; لقوله: "إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه" قال الخطابي: وليس وجه الحديث أن كل من كان أكولا ناقص الإسلام، فقد ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير فلم يكن ذلك نقصا من إيمانهم ، [ ص: 140 ] وقيل: هو مثل أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، وما قدر عليه.

فهذه خمسة أقوال، وقيل: الناس في الأكل على ثلاث طبقات:

طائفة يأكلون كل مطعوم من حاجة أو غير حاجة، وهذا فعل الحمير; لقوله تعالى: ويأكلون كما تأكل الأنعام وقوله: وتأكلون التراث أكلا لما

وطائفة يأكلون إذا جاعوا، فإذا ارتفع الجوع أمسكوا، وهذه عادة المقتصدين والمتناسكين في الشمائل والأخلاق.

وطائفة يتجوعون يقصدون بذلك قمع شهوة النفس، ولا يأكلون إلا عند الضرورة وقدر ما يكسر شدة الجوع، وهذه عادة الأبرار وشمائل الصالحين والأخيار .

والسؤال السالف، إنا نجد مؤمنا كثير الأكل كأبي نهيك وغيره، ونجد غيره كافرا قليل الأكل؟

أجاب ابن بطال عنه بأنه - عليه السلام - أراد بقوله: "المؤمن يأكل في معى واحد" المؤمن التام الإيمان، من حسن إسلامه وكمل إيمانه، تفكر في خلق الله له وفيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته.

وقد روي هذا المعنى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي أمامة مرفوعا: "عليكم بقلة الأكل; تعرفون في الآخرة، فمن كثر تفكره قل طعمه، وكل لسانه، ومن قل تفكره كثر طعمه، وعظم ذنبه وقسا قلبه، [ ص: 141 ] والقلب القاسي بعيد من الله" .

فأخبر أن من تفكر فيما ينبغي له التفكر فيه من قرب أجله، وما يصير إليه في معاده قل طعمه وكل لسانه وحق له ذلك.

وفيه: الحض على التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة; ألا ترى قوله: "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع" .

فدل هذا المعنى الذي وصفه الشارع أنه يأكل في معى واحد، وهو التام الإيمان المقتصد في مطعمه وملبسه، الذي قبل وصية نبيه وأخذ المال بسخاوة نفس، فبورك له فيه واستراح من دواء الحرص.

فإن قلت: فكيف بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه يأكل صاع تمر حتى يتبع حشفة ولا أتم من إيمانه؟

قلت: من علم سيرة عمر - رضي الله عنه -، وتقلله في مطعمه وملبسه لم يعترض بهذا، ولم يتوهم أن قوت عمر كان كل يوم صاع تمر; لأنه كان من التقلل في مطعمه وملبسه في أبعد الغايات، وكان أشد الناس اقتداء [ ص: 142 ] برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سيرته، وإنما كان عمر يأكل الصاع في بعض الأوقات إذا بلغ منه الجوع وألمه، فكثيرا كان يجوع نفسه، ولا يبلغ من الأكل نهمته.

وقد كانت العرب في الجاهلية تمتدح بقلة الأكل وتذم كثرته قال الشاعر:


يكفيه فلذة كبد إن ألم بها من السواد يروي شربه الغمر



وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة. وقال حاتم الطائي: يذم بكثرة الأكل:


فإنك إن أعطيت بطنك سؤله     وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا



وقد شبه الله أكل الكفار بأكل البهائم فقال: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام أي: أنهم يأكلون بالشره والنهم كالأنعام; لأنهم جهال، وذلك أن الأكل ضربان: أكل نهمة، وأكل حكمة، فأكل النهمة للشهوة فقط وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة .

وذكر القرطبي فيه أقوالا:

أحدها: أكل المؤمن إذا نسب [إلى]، كافر سبعا.

ثانيها: المراد الصفات السبع، وهي: الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع، وسوء [الطبع] وحب السمن، والحسد.

وقيل: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، والنفس، والعين، والفم، والأذن، وأن لا يعيبوا الجوع، وهي الضرورة التي بها يأكل [ ص: 143 ] المؤمن. وقيل: إنه كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حلاب الشياه السبع . وهذا سلف.

قال الطحاوي في "بيان مشكله": ولم يكن للحديث عندنا غير هذا الوجه، وأن الحديث خرج مخرج المعرفة، وما خرج مخرج المعرفة لم يبعد من قصده إليه إلى من سواه، إلا أن يكون فيه دلالة تدل على المقصد إلى ما هو أكثر من الواحد، فيصرف إلى ذلك.

ويرجع حكمه إلى حكم النكرة. وسمعت ابن أبي عمران يقول: قد كان قوم حملوا هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلا، أي: يرغب فيها ويحرص عليها، فالمؤمن يأكل في معى واحد، لزهادته في الدنيا، والكافر في سبعة أمعاء; لرغبته فيها .

ولم يجعلوا ذلك على الطعام قالوا: وقد رأينا مؤمنا أكثر طعاما من كفار، ولو تأول ذلك على الطعام استحال معنى الحديث، قال القرطبي: وقيل: إنه قاله على سبيل التمثيل أراد أن نهمته وسعايته ما يدخله جوفه، والمؤمن وهب الله له القناعة والتوكل عليه في رزقه.

وقيل: أراد أن المؤمن يسمي الله تعالى على طعامه، فلا يشاركه الشيطان، فتكون البركة فيه، فيكفيه ما لا يكفي الكافر. وعند أهل التشريح: لكل إنسان سبعة أمعاء: المعدة، وثلاثة رقاق متصلة بها، ثم ثلاثة غلاظ، فالكافر لشرهه لا يكفيه إلا ملؤها كلها، والمؤمن لاقتصاره وتسميته يشبعه ملء أحدها.

[ ص: 144 ] وقال النووي: لا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن قال - عليه السلام -: "حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه" وفي "ربيع الأبرار": كان علي - رضي الله عنه - يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند ابن جعفر، ولا يزيد على لقمتين أو ثلاث، قيل له فقال: إنما هي أيام قلائل ويأتي أمر الله. وكان يقول:

فإنك مهما تعط بطنك سؤله .. البيت.

فصل:

المعى: مقصور، مثل أنا، وتثنيته معيان، وذكر أبو حاتم السجستاني في كتاب "التذكير والتأنيث" أنه مذكر مقصور، وجاء به القطامي الشاعر جمعا، كما قال تعالى: يخرجكم طفلا ولم يقل: أطفالا، فقال:


كان نسوع رحلي حين ضمت     حوالب غررا ومعا جياعا



وكان الوجه جائعا. ولم أسمع أحدا يؤنث المعى، وقد رواه من لا يوثق به، والهاء في سبعة تدل على التذكير في الواحد، ولم أسمع معى واحدا ممن أثق به.

التالي السابق


الخدمات العلمية