التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
37 [ ص: 72 ] 27 - باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان

37 - حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". [انظر: 35 - مسلم 759 و 760 - فتح: 1 \ 92]


نا إسماعيل حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

الكلام عليه من وجوه:

أحدها: في التعريف (برواته)

وقد سلف خلا حميد بن عبد الرحمن بن عوف وهو: (أبو) إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان القرشي الزهري المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان بن عفان لأمه وكانت من المهاجرات.

أخرج له البخاري هنا، وفي العلم، وغير موضع، عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة، وأخرج له (أيضا) عن عثمان وسعيد بن زيد وغيرهما.

[ ص: 73 ] سمع جمعا من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة، وعنه الزهري وخلائق من التابعين.

وثقه أبو زرعة وغيره، وكان كثير الحديث. مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: سنة خمس ومائة وهو غلط.

فائدة:

روى مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران، ورواه يزيد بن هارون، عن أبى ذئب، عن الزهري، عن حميد قال: رأيت عمر وعثمان فذكره.

قال الواقدي: أثبتها حديث مالك وأن حميدا لم يسمع من عمر ولا رآه وسنه وموته يدلان على ذلك، ولعله سمع من عثمان; لأنه كان خاله لأمه; لأن أم كلثوم أخت عثمان، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده.

[ ص: 74 ] فائدة ثانية:

أخرج البخاري أيضا ومسلم لحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، التابعي، الفقيه، ولا يلتبس بهذا، وإن روى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضا وغيرهما فاعلمه.

وما جزمت به من كون البخاري أخرج لهذا هو ما جزم به الكلاباذي في كتابه، والمزي في "تهذيبه"، ونقل شيخنا قطب الدين في "شرحه" عن الحاكم، والحميدي صاحب "الجمع"، وعبد الغني، وغيرهم أنهم قالوا: لم يخرج له شيئا ولم يخرج مسلم في "صحيحه" عنه عن أبي هريرة غير حديث: "أفضل الصيام بعد رمضان" الحديث فقط وما عداه فهو من رواية ابن عوف.

قال: وقد غلطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهموه وقال: ومما يدل على ذلك أنه لم يعين أين روى عنه كعادته في غيره، بل قال روى عنه محمد بن سيرين وأهل البصرة لم يزد على ذلك، ولم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري .

ولما ذكر النووي في "شرحه لمسلم " حديثه عن أبي هريرة قال:

اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميري، والثاني الزهري.

[ ص: 75 ] قال الحميدي في "جمعه": كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلا في هذا الحديث خاصة، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري وهذا الحديث لم يذكره البخاري في "صحيحه" قال: ولا ذكر للحميري في البخاري أصلا ولا في مسلم إلا هذا الحديث، هذا كلامه. ودعواه أن البخاري لم يذكره في "صحيحه" قد علمت ما فيه، وقوله: ولا في مسلم إلا هذا الحديث ليس بجيد فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث:

أحدها: أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر.. وذكر الحديث.

ثانيها: في الوصايا عن (عمرو) بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدا.. فذكر.

ثالثها: فيها عن محمد بن سيرين عنه عن ثلاثة من ولد سعد بن هشام عن عائشة قالت: كان ستر فيه تمثال طير.. فذكر الحديث.

ثانيها: هذا الإسناد كلهم مدنيون.

[ ص: 76 ] ثالثها: في فوائده:

الأولى: المراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق كما نبه عليه النووي أن يقال: التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها، بل في أي وقت من الليل صلى تطوعا حصل هذا الغرض، ومحل الخوض في التراويح في وقتها وعددها في بابه، وستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة.

الثانية: سبق بيان معنى الإيمان والاحتساب قريبا في باب: قيام ليلة القدر.

الثالثة: دل هذا الحديث على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان، ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ولا تعارض بينهما، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذلك.

[ ص: 77 ] الرابعة: فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه، وهو الصواب، وستعرف الخلاف فيه في بابه.

الخامسة: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء، وبصوم عرفة ويوم عاشوراء ونحوه، أن المراد غفران الصغائر فقط، كما في حديث الوضوء "مما لم يؤت كبيرة"، "ما اجتنبت الكبائر"، وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي . لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد.

فإن قلت: قد ثبت في "الصحيح" هذا الحديث في: قيام رمضان والآخر: في صيامه والآخر: (في) قيام ليلة القدر والآخر: في صوم عرفة أنه كفارة سنتين، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة، [ ص: 78 ] والآخر: "رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما"، والآخر: "إذا توضأ خرجت خطايا فيه" إلى آخره، والآخر: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر" إلى آخره، والآخر: "من وافق تأمينه تأمين الملائكة كفر له ما تقدم من ذنبه"، وفي أحاديث أخر نحو هذا. فكيف الجمع بينهما؟

فالجواب: أن المراد أن كل واحد من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليما من الصغائر لكونه صغيرا غير مكلف، أو موفقا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقبها بحسنة أذهبتها، كما قال تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] فهذا يكتب له بها حسنات، ويرفع له بها درجات.

قال بعض العلماء: ويرجى أن يخفف عنه بعض الكبيرة أو الكبائر.

التالي السابق


الخدمات العلمية