التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
5104 5420 - حدثنا عبد الله بن منير سمع أبا حاتم الأشهل بن حاتم حدثنا ابن عون، عن ثمامة بن أنس، عن أنس - رضي الله عنه - قال: دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على غلام له خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد -قال:- وأقبل على عمله -قال:- فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يتتبع الدباء -قال:- فجعلت أتتبعه فأضعه بين يديه -قال:- فما زلت بعد أحب الدباء. [انظر: 2092 - مسلم: 2041 - فتح:9 \ 551].


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث مرة الهمداني -بإسكان الميم- عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".

وقد سلف في فضلها ، ومقتضاه فضل عائشة على فاطمة، والذي [ ص: 181 ] أراه أن فاطمة أفضل; لأنها بضعة منه ولا يعدل ببضعته

ثانيها:

حديث أبي طوالة، عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: "فضل عائشة .. " الحديث سلف هناك أيضا ، وأبو طوالة: اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، كما سماه هناك، وجده معمر بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، قاضي المدينة لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في خلافة عمر بن عبد العزيز، مات في خلافة أبي العباس السفاح ، أخرجا له .

ثالثها:

حديث ثمامة عن أنس - رضي الله عنه - في الدباء. وقد سلف ، وفيه الأشهل بن حاتم مولى بني جمح من أفراده، ضعفه الراويان ، وثمامة هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك، روى له الجماعة .

[ ص: 182 ] إذا تقرر ذلك فالثريد أذكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له الشارع بالفضل على سائر الطعام، وكفى بذلك تفضيلا له وشرفا له. وقد شهد الشارع بالكمال لمريم وآسية، وشهد لعائشة تفضلها على النساء، وهل تدخل (في ذلك) مريم وآسية، ولا شك أن مريم مصطفاة بالنص، أي: مختارة ومطهرة من الكفر أو من الأدناس: الحيض والنفاس، واصطفاؤها على نساء العالمين دال على تفضيلها على جميع نساء الدنيا; لأن العالمين جمع عالم، وقد جعلها وابنها آية; كونها ولدت من (غير) فحل; وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء، قال تعالى: فأرسلنا إليها روحنا الآية [مريم: 17]، واختار جماعة نبوتها: ابن وهب وأبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن اللباد -فقيه المغرب- وابن أبي زيد والقابسي، وعلى هذا فأول الحديث على العموم في مريم وآسية، وآخره على الخصوص في عائشة، ويكون المعنى: فضلهما على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة، وأباه طائفة أخرى وقالوا: تفضل عائشة على جميع النساء. ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء.

وحملوا آخر الحديث على العموم، وأوله على الخصوص وقالوا: قوله تعالى: يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين [آل عمران: 42] يعني: عالم زمانها، وهو قول الحسن وابن جريج ، ويكون قوله: "فضل عائشة" على نساء الدنيا كلها. ومن حجتهم: قوله تعالى لهذه الأمة: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110]

[ ص: 183 ] فعلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] والوسط: العدل عند أهل التأويل، فدل هذا كله أن من شهد له الشارع بالفضل من أمته وعينه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء [الأحزاب: 32] فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن.

وقام الإجماع على أن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه - عليه السلام - لهن من الفضل على سائر نساء الدنيا ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الفضل على سائر الأنبياء. وقد صح أن نساءه معه في الجنة، ومريم مع ابنها وأمها في الجنة، ودرجة نبينا في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم، والله أعلم بحقيقة الفضل في ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية